تقنية الجزيرة

قمة ترامب وشي.. لقاء بين ألغام التجارة وهرمز والذكاء الاصطناعي

قمة أمريكية صينية مرتقبة في بكين وسط حرب الشرق الأوسط وأزمة طاقة وتوتر تجاري، ترسم ملامح اقتصاد عالمي جديد يتأرجح بين التصعيد والتسويات، وتنافس حاد على التكنولوجيا والنفوذ.

قمة ترامب وشي.. لقاء بين ألغام التجارة وهرمز والذكاء الاصطناعي
0 مشاهدة

اقرأ من المصدر

الجزيرة

زيارة المصدر

تأتي القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين بين يومي 13 و15 مايو/أيار الحالي في لحظة دولية شديدة التعقيد، تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي مع هشاشة الاقتصاد العالمي، في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

وتكتسب هذه الزيارة، وهي الأولى لترمب إلى الصين منذ عام 2017، أهمية استثنائية لكونها تعقد في بيئة دولية تشهد اضطرابا واسعا في سلاسل الإمداد وارتفاعات حادة في أسعار الطاقة بعد إغلاق مضيق هرمز.

اقرأ أيضا

وبينما يحذر صندوق النقد الدولي من تباطؤ النمو العالمي إلى 3.1% مع مخاطر ركود تضخمي، تتحول القمة إلى محطة مفصلية لإعادة رسم قواعد النظام الاقتصادي الدولي.

في هذا السياق، تسعى الولايات المتحدة بقيادة إدارة ترمب، عبر نهج "الصفقات الكبرى" والمقايضات المباشرة، لانتزاع تنازلات صينية في مجالات التجارة والسياسة الخارجية باستخدام سلاح الرسوم الجمركية والقيود التكنولوجية، بينما تسعى بكين إلى كسر العزلة التكنولوجية، وتأمين أسواق لصادراتها لإنقاذ اقتصادها المتباطئ، مستغلة الانكشاف الأمريكي في الشرق الأوسط.

أهمية الزيارة وأثرها على النمو العالمي

يمثل الاقتصادان الأمريكي والصيني نحو 40% من الناتج العالمي، مما يجعل العلاقة بينهما مركز الثقل في النظام التجاري العالمي.

لكن الخلل التجاري بين البلدين اتسع بشكل غير مسبوق، إذ سجلت الصين عام 2025 فائضا تجاريا بلغ 1.2 تريليون دولار، مدفوعا بصادرات صناعية ضخمة بلغت 3.8 تريليونات دولار.

ويعكس ذلك ما يعرف بـ"صدمة الصين 2.0″، إذ تعتمد بكين على التصدير الصناعي لتعويض ضعف الطلب الداخلي، وهو ما تجلى بوضوح في نمو صادرات السيارات الكهربائية بنسبة 50% لتصل إلى 66.9 مليار دولار، والدوائر المتكاملة (الرقائق الإلكترونية) بنمو 26.8%.

ويشير مصطلح "صدمة الصين 2.0" إلى موجة جديدة من الضغوط التي تفرضها الصادرات الصينية الرخيصة، ليس في السلع التقليدية فقط، بل في قطاعات عالية القيمة مثل السيارات الكهربائية والبطاريات والرقائق، بما يهدد صناعات منافسة في الغرب والأسواق الناشئة.

هذا الإغراق التصديري يفرض ضغوطا انكماشية على التصنيع الغربي، مما يجعل نجاح القمة في إرساء "هدنة تجارية" صمام أمان يمنع الانزلاق نحو حرب تجارية شاملة تدمر مكتسبات العولمة.

التجارة والرسوم: الصراع القانوني والسياسي

شهد هذا الملف تحولات دراماتيكية تجعله الساحة الأبرز للمساومات، ففي 20 فبراير/شباط 2026، وجهت المحكمة العليا الأمريكية في قضية (ولاية أوريغون ضد ترمب) ضربة قاصمة بعدم دستورية الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضتها إدارة ترمب بحجة صلاحيات حالة "الطوارئ الوطنية".

ردا على ذلك، لجأ ترمب للمادة 122 من قانون التجارة لعام 1974 لفرض رسوم أفقية مؤقتة بنسبة 10% لمعالجة العجز في ميزان المدفوعات.

كما ألغت واشنطن إعفاء "الحد الأدنى" للطرود الجمركية، مما سد ثغرة استغلتها منصات مثل "شي إن" و"تيمو"، وأدى لانخفاض الصادرات منخفضة القيمة بنسبة 30.4%.

ورغم أن متوسط الرسوم الجمركية الأمريكية على الواردات الصينية بلغ 47.5% أواخر عام 2025 وتراجعت الصادرات الصينية المباشرة بنسبة 20%، إلا أن العجز التجاري الأمريكي الكلي بقي مستقرا عند 1.2 تريليون دولار.

يُفسر ذلك بظاهرة "تحويل مسار التجارة"، إذ تدفع الرسوم نحو استيراد السلع عبر دول وسيطة، مما يغذي التضخم دون معالجة الخلل الهيكلي.

إعادة هندسة سلاسل الإمداد العالمية

أدت التوترات إلى تسريع تبني إستراتيجية "الصين + 1" لتقليل المخاطر الجيوسياسية، ويعني هذا أن تبقي الشركات جزءا من عملياتها داخل الصين، لكنها تضيف مركزا إنتاجيا آخر خارجها، لتقليل مخاطر الرسوم الجمركية والتوترات السياسية وتعطل سلاسل الإمداد.

والمثير للاهتمام أن الشركات الصينية تقود هذا التحول؛ فقد ارتفعت صادرات الصين إلى أفريقيا بنسبة 25.8%، وجنوب شرق آسيا بـ13.4%. ومثال ذلك تدشين شركة "بي واي دي" مصنعا في أوزبكستان بقيمة 160 مليون دولار لتقريب الإنتاج للأسواق وتجاوز القيود.

ومع ذلك يبقى فك الارتباط محدودا في قطاعات مثل المعادن الأرضية النادرة التي تسيطر الصين على أكثر من 90% منها.

ولمواجهة هذا الاحتكار، دعمت واشنطن شركة "ليناس" الأسترالية المتخصصة في استخراج ومعالجة المعادن النادرة بـ258 مليون دولار لبناء منشأة تكرير في تكساس مع ضمان حد أدنى للسعر يبلغ 110 دولارات للكيلوغرام، في تحول من نموذج "الكفاءة" إلى "الأمن القومي".

الاستثمارات الأجنبية وسياسة الصرف

لتجاوز القيود الأمريكية، لجأت الشركات الصينية لظاهرة "الغسيل السنغافوري" عبر نقل مقارها شكليا إلى سنغافورة للحفاظ على تدفق رؤوس الأموال الغربية.

وقد تجسد ذلك في استحواذ "ميتا" على شركة "مانوس" للذكاء الاصطناعي بـ2.5 مليار دولار، وهي الصفقة التي أوقفتها وزارة التجارة الصينية بدعوى انتهاك قوانين تصدير التقنيات.

وبالتوازي مع ذلك تدور حرب عملات صامتة؛ فرغم تحسن قيمة اليوان، الذي وصل إلى 7.03 يوان للدولار أواخر عام 2025، يؤكد صندوق النقد أنه مقوم بأقل من قيمته بنحو 18% (و25% وفقا لغولدمان ساكس)، مما يمنح الصادرات الصينية ميزة تنافسية كبرى.

ويسعى الرئيس شي لتدويل اليوان عبر إصدار كازاخستان سندات "ديم سوم" و"باندا" بمئات الملايين لتأسيس نظام مالي مواز.

أزمة هرمز وسباق الذكاء الاصطناعي

تتزامن القمة مع أزمة طاقة خانقة جراء إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من النفط العالمي، وقفزت أسعار خام برنت لتتجاوز 114 دولارا، في حين ارتفع البنزين الأمريكي إلى 4.46 دولارات مع تحذيرات من بلوغه 5 دولارات.

أطلق ترمب "مشروع الحرية" العسكري بحشد 15 ألف جندي لكسر الحصار، لكنه عُلق للوساطة بعد بقاء أكثر من 1550 سفينة تجارية محاصرة.

الصين هي المتضرر الأكبر، إذ تستورد نصف احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط، وكانت تشتري 80% من صادرات نفط إيران، واستغلت واشنطن ذلك للضغط على بكين، كما صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، لإجبار طهران على فك الخناق، مما يجعل الأمن الطاقي ورقة مساومة دقيقة في مفاوضات بكين.

يعد سباق الذكاء الاصطناعي المعركة الإستراتيجية الأهم، ووفقا لجامعة ستانفورد، تقلصت فجوة الأداء بين النماذج الأمريكية والصينية إلى 2.7% فقط بحلول مارس/آذار 2026.

تحقق هذا رغم تفاوت الاستثمار؛ إذ ضخت أمريكا 285.9 مليار دولار عام 2025 (وأنفقت مايكروسوفت وحدها 80 مليار دولار)، مقابل 12.4 مليار دولار فقط في الصين. ويكمن السر في ابتكار الصين نموذج كفاءة عبر نماذج "مفتوحة المصدر" مثل "ديب سيك آر 1" (DeepSeek-R1).

جيواستراتيجيا، أحدثت جولة ترمب الخليجية في مايو/أيار 2025 تحولا عبر "الصفقات الاستثمارية الضخمة"، ونجحت واشنطن في حصد استثمارات سعودية بـ600 مليار دولار، مقابل التراجع عن حظر تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي، مما أثمر عن شراكة سعودية-أمريكية بقيمة 5 مليارات دولار.

هذا الاختراق قوض إستراتيجية بكين، خصوصا بعد أن كشفت الحرب تضرر استثمارات صينية خليجية بقيمة 270 مليار دولار دون توفير غطاء أمني فاعل.

السيناريوهات الجيوسياسية والأثر على الأسواق

يشكل إنهاء الصراع الإيراني الأمريكي الاختبار الأهم للتنسيق المشترك. طرحت طهران خطة من 14 نقطة لإنهاء الحرب في 30 يوما مع انسحاب أمريكي كامل، بينما طرحت واشنطن 9 نقاط لهدنة من 60 يوما. وقد رفض ترمب المطالب الإيرانية ملمحا للخيارات العسكرية.

تطرح هنا 3 سيناريوهات:

  • التسوية الشاملة: قد تهبط بالنفط دون 80 دولارا وتكبح التضخم العالمي.
  • الهدنة التكتيكية (الأرجح): ستبقي النفط متذبذبا بين 90 و100 دولار مع استمرار "علاوة المخاطر".
  • سيناريو التصعيد: حذرت منه مديرة صندوق النقد الدولي، وقد يدفع بالنفط إلى 125 دولارا بحلول عام 2027، مؤديا إلى ظاهرة "تدمير الطلب" وركود اقتصادي قاس.

ورغم الأزمة، شهدت الأسواق في أبريل/نيسان 2026 طفرة قوية؛ إذ قفز مؤشر ستاندرد أند بورز (S&P 500) بنسبة 10.4% ومؤشر ناسداك (Nasdaq) بنسبة 15.3%، بفضل قطاع التكنولوجيا وتوقعات إيجابية بنجاح القمة في تمديد الهدنة التجارية.

الخلاصات وتقييم الآفاق الاقتصادية

تؤكد المعطيات أن المنافسة تجاوزت الرسوم الجمركية لتصبح صراعا وجوديا حول الهيمنة التكنولوجية من خلال فرض قيود صارمة على التقنيات الحساسة المرتبطة بالأمن القومي.

كما كشفت الأزمة حدود قوة الجغرافيا الاقتصادية الصينية وعجزها عن حماية أصولها في الشرق الأوسط، مما منح أمريكا فرصة ذهبية لاستعادة نفوذها.

وبينما تستغل الإدارة الأمريكية الخاصرة الرخوة للطاقة الصينية في مضيق هرمز لانتزاع تنازلات، يجد النظام العالمي نفسه مجبرا على التأقلم مع عصر "اللايقين الدائم".

في النهاية، فإن الرعب المشترك من تدمير سلاسل الإمداد سيجبر واشنطن وبكين على التوصل لتسويات براغماتية سترسم مسار التجارة المستقبلية وتقييمات العملات وهوية القطب المهيمن على تكنولوجيا الغد.

مقالات ذات صلة