general الجزيرة

فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج "الحياة بعد سهام" الفقد إلى حكاية عالمية؟

بين شرائط فيديو منسية ووعد قديم لم يكتمل، اكتشف كيف تحول "جرح الرحيل" إلى قصيدة سينمائية تتنفس بوزن الحياة في قلب القاهرة وباريس، مخرج "الحياة بعد سهام" يتحدث للجزيرة نت.

فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج "الحياة بعد سهام" الفقد إلى حكاية عالمية؟
0 مشاهدة

اقرأ من المصدر

الجزيرة

زيارة المصدر

بين شرائط فيديو عائلية قديمة وذاكرة تتنقّل بين مصر وفرنسا، يحاول المخرج نمير عبد المسيح في فيلمه "الحياة بعد سهام" الاقتراب من أسئلة الفقد والهوية والعائلة، دون أن يتحول العمل إلى رثاء تقليدي للأم الغائبة.

الفيلم، المنطلق من تجربة شخصية عاشها المخرج بعد رحيل والدته، يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح تأمّلا أوسع في معنى الفقد وما يبقى بعد الغياب.

اقرأ أيضا

وفي هذا الحوار مع الجزيرة نت، يتحدث نمير عن تحويل الألم الشخصي إلى لغة سينمائية، وكيف أعاد بناء أرشيف عائلته داخل سردية تمزج بين الوثائقي والروائي، كما يتوقف عند علاقة الفيلم بالهوية واللغة، ورحلته مع أسئلة الانتماء والحكاية.

حصد "الحياة بعد سهام" عددا من الجوائز، بينها جائزة أفضل فيلم وثائقي في الدورة الأخيرة من مهرجان مالمو للسينما العربية، و"نجمة الجونة الفضية" لأفضل فيلم وثائقي، و"الذهبية" لأفضل فيلم عربي في النسخة الأخيرة من مهرجان الجونة السينمائي، إلى جانب جوائز أخرى.

في الحقيقة، لم أبدأ التصوير وأنا أفكر في فيلم على الإطلاق، بل لأن السينما كانت دائما وسيلتي لفهم ما أمر به. في تلك المرحلة كان الألم أكبر من قدرتي على الاستيعاب، والكاميرا منحتني مسافة أستطيع من خلالها أن أرى ما يحدث وأواجه مشاعري بهدوء أكبر.

كنت أصور كنوع من العلاج النفسي، محاولة لفهم فكرة الرحيل نفسها وما الذي يحدث لنا بعد الفقد.

بعد فترة وجدت أن لدي ساعات طويلة من المواد المصورة، وبدأت أنظر إليها بشكل مختلف، خاصة أنني ووالدتي كنا قد عملنا معا على فيلم قبل ذلك، وكان بيننا حلم بفيلم جديد مشترك. في البداية استبعدت تماما فكرة تحويل هذه اللحظات إلى فيلم، لأنها شخصية وحساسة جدا، وظللت مترددا لعامين أو ثلاثة، أجرّب ثم أتوقف ثم أعود من جديد.

لاحقا، حين شاهد المونتير والمنتجة هذه المواد، قالا لي إن التجربة رغم خصوصيتها تحمل مشاعر تشبه كثيرين، وأن الفقد ومحاولة التعايش معه ليست تجربة فردية. عندها فقط بدأت أرى أن ما صورته لنفسي ربما يمكن أن يتحول إلى فيلم يتواصل مع الآخرين أيضا.

عندما بدأنا نفكر بجدية في تحويل المواد المصورة إلى فيلم، كان علينا أولا أن نخرج من فكرة أن هذه "حياتي أنا" أو مجرد أرشيف عائلي. بدأنا نسأل أنفسنا: ما الحكاية التي نريد روايتها؟ من هو بطلها الحقيقي؟ وما الذي يبحث عنه أو يفتقده؟

خلال العمل مع المونتير والفريق، لم نتعامل مع الشرائط كصور تسجل حياة عائلة فقط، بل كأننا ننظر إلى شخصيات داخل فيلم. بدأنا نرى سهام ووجيه ونمير كأبطال لديهم دوافع ومشاعر ومسارات، تماما كما يحدث أثناء كتابة السيناريو.

هذا التفكير ساعدنا على الابتعاد عن السرد الزمني الكلاسيكي الذي يروي تاريخ العائلة من البداية إلى النهاية، وبدلا من ذلك حاولنا اكتشاف أين تكمن القصة فعلا داخل هذا الأرشيف، وما اللحظات التي تحمل دراما ومشاعر يمكن أن يتفاعل معها أي شخص، حتى لو لم يعرفنا شخصيا.

في البداية لم تكن الفكرة واضحة، لكنها ظهرت تدريجيا أثناء المونتاج. قبل رحيل والدتي كنا نفكر في تقديم فيلم جديد معا، وبعد وفاتها بقي هذا الوعد بداخلي، وكنت أحاول بطريقة ما تحقيق الفيلم معها رغم غيابها.

مع الوقت بدأت أسأل نفسي: ماذا أفعل بكل هذه المواد؟ ثم جاءت فكرة أن أحول والديّ إلى بطلين داخل عالم سينمائي. من هنا بدأ استخدام لقطات من أفلام قديمة، كأننا نضعهما وسط الأبطال الذين كنا نشاهدهم ونحن صغار.

لم يكن الهدف فقط اللعب على الحنين أو استدعاء أفلام كلاسيكية، بل محاولة إخراج الحكاية من كونها قصة شخصية تخص نمير ووجيه وسهام إلى قصة يمكن للجمهور أن يجد جزءا من نفسه فيها. عندما يشاهد الناس صورا وأفلاما مرتبطة بذاكرتهم الثقافية والسينمائية، يتكوّن رابط عاطفي يتجاوز معرفتهم المباشرة بنا.

لهذا شعرت أن السينما، وأفلام يوسف شاهين تحديدا، قادرة على أن تمنح الحكاية مساحة أوسع، بحيث تتحول من قصة عائلة واحدة إلى حكاية عن الأب والأم والابن داخل ذاكرة مشتركة.

أظن أن هذا السؤال كان موجودا داخلي منذ وقت طويل، ربما لأنني وُلدت في فرنسا بينما والداي مصريان مهجّران من مصر، ففكرة الفراق والانفصال والعيش بين عالمين كانت دائما جزءا من تكويني الشخصي، وأثرت بالتأكيد على علاقتي بالسينما والحكايات.

طوال حياتي كنت أسأل نفسي: أين أنتمي؟ هل أنا مصري أم فرنسي؟ عندما أذهب إلى مصر أشعر أحيانا أنني أجنبي قادم من فرنسا، وعندما أكون في فرنسا أشعر أنني مختلف لأن جذوري مصرية. هذا الإحساس بالوجود بين مكانين رافقني دائما.

لذلك شعرت أنني بحاجة إلى تصوير الأماكن التي جئت منها، فصورت والدي ووالدتي والعائلة في الصعيد، وصورت علاقتي بمصر وتفاصيل الحياة بين البلدين، لأنني كنت أحاول فهم نفسي من خلال هذه الرحلة. السينما بالنسبة لي وسيلة لطرح أسئلة أكبر: من نحن؟ من أين جئنا؟ وإلى أين نذهب؟

وفي النهاية شعرت أن أقرب طريق لفهم هذه الأسئلة هو النظر إلى الدائرة الأقرب إليّ: العائلة نفسها.

بالنسبة لي، "الحياة بعد سهام" ليس فيلما عن الموت بقدر ما هو عن الحياة التي تستمر بعد الفقد. الناس ترحل، لكن الحياة لا تتوقف، والأطفال يضحكون حتى في أصعب اللحظات. لذلك لم أرد أن تتحول سهام إلى مجرد ذكرى حزينة، بل أن تبقى حاضرة داخل التفاصيل اليومية العادية، في الصور القديمة والعلاقة بين أفراد العائلة.

حتى شخصية نمير داخل الفيلم تحاول مقاومة فكرة الرحيل عبر السينما، كأنه يصنع الفيلم ليبقي والدته موجودة بطريقة ما. لكن مع الوقت تصبح الحكاية أكبر من سهام نفسها، وتتحول إلى محاولة لفهم كيف نواصل العيش ونحن نحمل في داخلنا الأشخاص الذين فقدناهم.

وأظن أن وجود لحظات خفيفة وسط الألم كان ضروريا، لأن هذه هي طبيعة الحياة والعائلات والذاكرة أيضا؛ لا توجد حياة مظلمة بالكامل ولا خفيفة بالكامل.

لا أعرف إن كان الأمر يتعلق بالجرأة بقدر ما يتعلق بالفضول الإنساني الطبيعي. أشعر أن الأطفال دائما يطرحون هذه الأسئلة بشكل تلقائي، لكن مع الوقت نتعلم أن هناك أسئلة لا يجب طرحها. ربما لا يزال هذا الجزء الطفولي موجودا داخلي، لذلك كنت أشعر أن أي سؤال حقيقي يستحق أن يُطرح، وبعدها يبقى من حق الآخر أن يجيب أو يرفض.

كنت أريد أن أفهم أشياء بسيطة وإنسانية جدا: كيف أحب أبي وأمي بعضهما؟ كيف التقيا؟ وهل كانا يريدان إنجاب أطفال أصلا أم جاءت الحياة بشكل مختلف؟ أظن أن هذه أسئلة تدور في ذهن كثيرين، لكننا غالبا نخجل من قولها بصوت مرتفع. بالنسبة لي، الكاميرا كانت وسيلة تساعدني على طرح هذه الأسئلة.

أما فكرة الحدود، فلم تظهر أثناء التصوير بقدر ما ظهرت لاحقا خلال صناعة الفيلم واختيار ما يمكن إظهاره وما يجب إخفاؤه. كان السؤال الأساسي: كيف نحكي بصدق دون أن نجرح الأشخاص الذين نحبهم؟

وأعتقد أن الفيلم ما كان يمكن أن يخرج بالشكل نفسه لو كان والدي على قيد الحياة، ليس فقط لأن الفيلم يتعامل مع الفقد، بل لأن هناك تفاصيل ومشاعر ما كنت لأستطيع الاقتراب منها خوفا من أن تسبب له ألما، خاصة ما يتعلق بعلاقة أمي السابقة أو بعض مشاعرها التي لم يكن يحب الحديث عنها أو كشفها.

منذ البداية شعرت أن هناك علاقة خاصة بين الفيلم واللغة العربية، لأن الحكاية في النهاية تدور حول عائلة مصرية وتجربة هجرة وذاكرة مرتبطة بمكان وثقافة محددين. لذلك قررنا صنع نسخة عربية للجمهور المصري والعربي، ليس فقط على مستوى الترجمة، بل على مستوى الإحساس وطريقة التلقي أيضا.

الصوت في النسخة العربية سُجّل من جديد، لأنني كنت أريد علاقة أكثر قربا وصدقا بين الفيلم والجمهور هنا. شعرت أن الشخصيات حين تتحدث بالعربية تصبح أكثر حميمية، وتختفي المسافة قليلا بين الناس والفيلم.

وكان من المثير أن بعض الأشخاص شاهدوا النسختين، العربية والفرنسية، وكثير منهم قالوا إن النسخة العربية أثرت فيهم بشكل أعمق، ربما لأن اللغة حملت معها تفاصيل الذاكرة والعائلة والمشاعر بشكل مباشر أكثر.

أشعر أن "الحياة بعد سهام" فتح بابا لأسئلة ما زلت أحاول فهمها، لذلك المشروع الجديد سيكمل هذا المسار بشكل ما، لكنه لن يكون فيلما تسجيليا عن عائلتي كما حدث هنا. ما يشغلني الآن هو فكرة الحكايات التي نبني بها حياتنا، وكيف يمكن لمعلومة واحدة أن تغير نظرتنا لأنفسنا تماما.

ما زلت أفكر في الأسئلة نفسها: من أين جئنا؟ وإلى أين نذهب؟ ولماذا نحتاج دائما إلى معرفة جذورنا وقصصنا العائلية؟ أحيانا أجد نفسي متأثرا بحكايات بسيطة لكنها تحمل أسئلة كبيرة.

ما يثير اهتمامي هو كيف تؤثر الحكايات التي نصدقها عن أنفسنا على حياتنا ومشاعرنا وطريقة فهمنا للعالم. أعتقد أن هذا هو المسار الذي أحاول استكماله في المشروع الجديد.

العلامات

مقالات ذات صلة