كتبت الأسبوع الماضى هنا عن المواجهة الحكومية والشعبية لمافيا الطعام المغشوش والفاسد، وتلقيت العديد من ردود الأفعال، وتأكدت أن أجهزة حكومية عديدة تشارك فى المواجهة، وتسفر حملاتها اليومية عن ضبط أطنان من الطعام الفاسد، وتحرير محاضر لأصحابها لتوقيع عقوبات بهم.
الواقع أن الغش فى الغذاء ليس مجرد مخالفة تجارية أو محاولة غير مشروعة لتحقيق ربح سهل وسريع، بل تحول فى كثير من الأحيان إلى جريمة مكتملة الأركان تهدد صحة المواطنين، وتعرض حياة الملايين للخطر.. فحين يعبث البعض بما يدخل إلى بطون الناس، فإنهم لا يعتدون على حق المستهلك فى الحصول على سلعة سليمة فحسب، وإنما يعتدون أيضا على حق الإنسان الأساسى فى الحياة والصحة والأمان.
للأسف، ما زالت الأسواق تشهد يومياً ضبط كميات ضخمة من الأغذية الفاسدة أو منتهية الصلاحية أو المغشوشة، سواء كانت لحوما أو ألبانا أو زيوتا أو عصائر أو حلويات أو غيرها من المنتجات التى يتناولها المواطن يومياً ولا يرتدع المخالفون وصناع وتجار الطعام الفاسد بما يوقع عليهم من عقوبات، بل تكشف الحملات الرقابية بصورة مستمرة عن أساليب مروعة تلجأ إليها بعض العصابات المنظمة لإعادة تدوير المنتجات الفاسدة، أو تغيير تاريخ الصلاحية، أو استخدام مواد كيميائية مجهولة المصدر أو محظورة دولياً.
>>>
والمؤكد هنا أن مواجهة مافيا الغذاء الفاسد تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، من أهمها:
أولاً: تشديد العقوبات الجنائية لتصل إلى الحبس المشدد فى حالات الغش المتعمد الذى يترتب عليه الإضرار بصحة المواطنين.
ثانيًا: مضاعفة الغرامات المالية بحيث تتناسب مع حجم الأرباح غير المشروعة التى يحققها المخالفون.
ثالثًا: الإغلاق النهائى للمنشآت التى يثبت تورطها فى تكرار جرائم الغش الغذائى.
رابعًا: نشر أسماء المنشآت المخالفة بعد صدور الأحكام القضائية النهائية، حتى يكون المستهلك على دراية بمن يعبث بصحته.
خامسًا: مصادرة جميع المعدات والأدوات المستخدمة فى عمليات الغش ومنع أصحابها من مزاولة النشاط لفترات طويلة.
>>>
بقى أن نؤكد أن المعركة ضد الغذاء المغشوش ليست مسئولية الأجهزة الرقابية وحدها، وإنما هى مسئولية مجتمعية مشتركة.. فالمواطن الواعى هو خط الدفاع الأول، والإعلام الواعى الذى يتحمل مسئولياته المجتمعية هو جرس الإنذار الدائم، ومنظمات المجتمع المدنى شريك أساسى فى كشف التجاوزات ونشر ثقافة سلامة الغذاء.
صحة المواطنين ليست سلعة تباع وتشترى، وليست مجالاً للمغامرة أو تحقيق الثراء السريع.. ومن يثبت تورطه فى الاتجار بأرواح الناس تحت ستار التجارة يجب أن يواجه عقوبات صارمة تتناسب مع خطورة ما ارتكبه.. فالأمم المتحضرة تقاس بمدى قدرتها على حماية صحة مواطنيها، ولا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية أو بناء الإنسان فى ظل استمرار تسلل الغذاء الفاسد إلى موائدنا ليدمر ما بقى لنا من صحة.
الحرب على مافيا الغذاء الفاسد يجب أن تكون بلا هوادة، لأن الأمر لا يتعلق بسلعة مغشوشة فحسب، بل يتعلق بحياة شعب بأكمله.
>>>
صالح إبراهيم.. الصحفى المعلم
ودعنا منذ أيام قلائل واحداً من الصحفيين القلائل الذين تعلمنا منهم أصول المهنة والحرفة الصحفية حيث كان ـ رحمه الله ـ مدرسة صحفية فيها الحرفة والإبداع والمهنية الأخلاقية للصحافة التى لم يفرط فيها يومًا.
عرفت الأستاذ والزميل الراحل صالح إبرهيم منذ اليوم الأول لدخولى «الجمهورية» وكان نعم الأخ الأكبر الذى يحتضن المواهب الشابة ويشجعها وكان يجلس إلى جوار صديقه الصدوق أستاذنا الراحل عبداللطيف فايد ـ رحمه الله ـ الذى لا يعود إلى بيته إلى معه يوميا فى سيارة واحدة.. وكان يتشاجر معه أحيانا لو وجده يغير لى عنوانا فى موضوع أو يعدل لى فيما كتبته رغم أن الأستاذ عبداللطيف فايد كان هو الآخر مدرسة خرجت العديد من أمهر الصحفيين الذين ينتشرون الآن فى الصحف العربية وندين له بكامل الفضل فيما تعلمناه فى بلاط صاحبة الجلالة.
كان صالح إبراهيم محبًا لمهنة الصحافة يتحمل مشاق الحضور يوميًا إلى الجريدة ليجلس فى الديسك المركزى «المطبخ الصحفى» ليشارك فى صناعة الوجبات الصحفية التى تقدمها الجمهورية لقرائها كل يوم فيبدع فى صناعة العناوين وينقى المادة الصحفية مما علق بها من شوائب فتظهر فى أبهى صورة.
كل من تعلم على يد صالح إبراهيم نال حظًا وافياً من المهنية الصحفية وقد نلت أنا شخصيًا حظًا من مهنيته رغم أننى لم أعمل تحت إشرافه المباشر، وكلما كنت أدخل الديسك المركزى للجريدة أجرى عليه لأقبل رأسه فهو صاحب فضل كبير علينا.
رحم الله صالح إبراهيم وجعل ما قدمه لـ «الجمهورية» ولأبنائه الصحفيين بها فى ميزان حسناته.



