على مدار أكثر من نصف قرن، شهدت أرض جنوب سيناء واحدة من أبرز التحولات في التاريخ المصري الحديث فمنذ وقوع شبه جزيرة سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي عقب حرب يونيو 1967، مرورًا بحرب أكتوبر 1973، ثم استعادة الأرض ورفع العلم المصري، وصولًا إلى معركة استرداد طابا، بدأت صفحة جديدة عنوانها التعمير والتنمية وبناء الإنسان.
ولم تكن عودة الأرض في جنوب سيناء نهاية المعركة، وإنما كانت بداية لمعركة أخرى لا تقل أهمية، وهي تحويل الأرض المحررة إلى مدن ومجتمعات عمرانية ومقاصد سياحية ومراكز للخدمات والاستثمار والتنمية.
15 عامًا تحت الاحتلال
عقب حرب يونيو 1967، وقعت شبه جزيرة سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي، واستمر الاحتلال حتى الانسحاب الإسرائيلي من سيناء على مراحل.
وخلال سنوات الاحتلال، اكتسبت مناطق جنوب سيناء، وخاصة مناطق خليج العقبة، أهمية استراتيجية كبيرة، وظلت الأرض المصرية شاهدة على صراع طويل من أجل استعادتها.
ورغم الاحتلال، لم ينقطع ارتباط أبناء سيناء بأرضهم، وظلت قضية تحرير سيناء حاضرة في وجدان الدولة المصرية والشعب المصري، إلى أن جاءت حرب أكتوبر 1973 لتفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من استعادة الأرض.
حرب أكتوبر.. نقطة التحول
في السادس من أكتوبر عام 1973، عبرت القوات المسلحة المصرية قناة السويس، وبدأت معركة تحرير الأرض المحتلة، في ملحمة عسكرية شكلت نقطة تحول رئيسية في مسار الصراع.
ومع انتصارات أكتوبر، بدأت مرحلة جديدة من العمل السياسي والدبلوماسي والعسكري لاستكمال استعادة سيناء، وصولًا إلى اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، ثم بدء الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المصرية على مراحل.
19 نوفمبر 1979.. جنوب سيناء تعود إلى السيادة المصرية
كان يوم 19 نوفمبر 1979 محطة تاريخية في مسيرة استعادة جنوب سيناء، حيث انسحبت القوات الإسرائيلية من منطقة سانت كاترين ووادي الطور، وتسلمت مصر سلطاتها على هذه المناطق.
وأصبح هذا التاريخ علامة فارقة في تاريخ المحافظة، ويُحتفل به باعتباره العيد القومي لمحافظة جنوب سيناء.
وبدأت منذ ذلك الوقت مرحلة جديدة من تثبيت الوجود المصري وإعادة بناء مؤسسات الدولة والخدمات على أرض المحافظة.
25 أبريل 1982.. رفع العلم المصري في شرم الشيخ
وفي 25 أبريل 1982 اكتمل الانسحاب الإسرائيلي من معظم أراضي سيناء، وعاد الجزء الأكبر من الأرض إلى السيادة المصرية.
وكان رفع العلم المصري في شرم الشيخ لحظة تاريخية جسدت عودة السيادة الوطنية إلى جنوب سيناء، بعد سنوات من الاحتلال والحرب.
لكن ملف استعادة الأرض لم يكن قد أُغلق بالكامل، إذ ظلت طابا خارج نطاق الانسحاب حتى حُسم النزاع بالوسائل القانونية والدبلوماسية.
طابا.. معركة قانونية لاستكمال تحرير الأرض
واصلت مصر معركتها لاسترداد طابا، وتم اللجوء إلى التحكيم الدولي، لتثبت الوثائق والخرائط والأسانيد القانونية المصرية حق مصر في طابا.
وفي 19 مارس 1989 عادت طابا إلى السيادة المصرية، لتكتمل بذلك مسيرة استعادة كامل الأراضي المصرية في سيناء.
وهكذا انتقلت المعركة من ميادين القتال إلى ساحات القانون والدبلوماسية، وانتهت باستعادة الأرض والحق.
من أرض محررة إلى أرض معمرة
بعد استعادة الأرض، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ جنوب سيناء، عنوانها التعمير والتنمية. فلم تعد الأولوية مقتصرة على تأمين الأرض وحماية الحدود، وإنما امتدت إلى إقامة المدن والطرق وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، وإنشاء المدارس والمستشفيات والخدمات الحكومية، ودعم التجمعات البدوية وربطها بمراكز المدن.
وتغيرت خريطة المحافظة تدريجيًا، وظهرت ملامح عمرانية جديدة في شرم الشيخ ودهب ونويبع وطابا وسانت كاترين وطور سيناء ورأس سدر وأبو زنيمة وأبو رديس.
شرم الشيخ.. نموذج للتحول من الصحراء إلى أرض خضراء
وتبقى مدينة شرم الشيخ واحدة من أبرز قصص التحول في جنوب سيناء.
فالمنطقة التي كانت ذات أهمية استراتيجية خلال سنوات الصراع، تحولت مع مرور الوقت إلى واحدة من أبرز المدن السياحية في مصر، واستضافت مؤتمرات وفعاليات دولية كبرى، وأصبحت مقصدًا للسائحين من مختلف دول العالم.
وامتد النشاط السياحي إلى دهب ونويبع وطابا ورأس سدر، بينما احتفظت سانت كاترين بمكانتها الدينية والتاريخية والبيئية، لتتشكل أمام العالم خريطة سياحية متنوعة تجمع بين الشواطئ والجبال والمحميات والطبيعة والمقدسات الدينية.
التنمية.. صحة وتعليم وطرق وخدمات
لم تتوقف عملية التعمير عند بناء الفنادق والمنتجعات السياحية، وإنما امتدت إلى مختلف القطاعات التي تمس حياة المواطنين.
وشهدت المحافظة توسعًا في إنشاء وتطوير المستشفيات والوحدات الصحية والمدارس والجامعات والطرق وشبكات المياه والكهرباء والإسكان والخدمات الحكومية، إلى جانب مشروعات تنموية تستهدف التجمعات البدوية والمناطق الأكثر احتياجًا.
وأصبحت التنمية في جنوب سيناء تقوم على مسارين متوازيين؛ الأول هو دعم النشاط السياحي والاستثماري، والثاني هو تحسين جودة الحياة للمواطنين وبناء مجتمعات عمرانية متكاملة.
سانت كاترين.. من المدينة التاريخية إلى مشروع التجلي الأعظم
وتشهد مدينة سانت كاترين مسارًا خاصًا من التنمية، باعتبارها منطقة ذات أهمية دينية وتاريخية وبيئية استثنائية.
ويأتي مشروع التجلي الأعظم ضمن المشروعات التي تستهدف تطوير المنطقة وتعظيم مقوماتها السياحية، مع الحفاظ على خصوصيتها الدينية والطبيعية، بما يعزز مكانتها على خريطة السياحة العالمية.
من التحرير إلى الجمهورية الجديدة
وبالنظر إلى مسيرة جنوب سيناء خلال العقود الماضية، يمكن رصد رحلة طويلة بدأت بـ: احتلال عام 1967 → حرب أكتوبر 1973 → بدء الانسحاب الإسرائيلي → استعادة جنوب سيناء عام 1982 → استرداد طابا عام 1989 → التعمير والتنمية → مشروعات الجمهورية الجديدة.
فاستعادة الأرض لم تكن محطة النهاية، بل كانت نقطة الانطلاق نحو بناء مجتمع جديد على أرض سيناء.
ومن هنا أصبحت قصة جنوب سيناء أكبر من مجرد قصة تحرير أرض؛ إنها قصة انتقال من سنوات الاحتلال والحرب إلى سنوات البناء والتعمير والتنمية، ومن أرض كانت مسرحًا للصراع إلى أرض أصبحت تضم مدنًا سياحية عالمية، ومراكز عمرانية وخدمية، ومشروعات تنموية تمتد من خليج السويس إلى خليج العقبة.
وهناةنؤمد للأجيال القادمة أن جنوب سيناء.. أرض استُعيدت بالدم، وحُسمت طابا بالقانون، وتُبنى اليوم بالتعمير والتنمية.



