في مشهد يعكس تماسك القيم المجتمعية في مصر، شهدت الأيام الأخيرة حالة من الاصطفاف الشعبي غير المعلن ضد "ممارسات التعالي"، حيث تصدى الرأي العام المصري لثلاث وقائع مختلفة في السياق، لكنها تتقاطع في جوهر الانتصار للكرامة الإنسانية: الأولى واقعة عامل "الدليفري" بمدينة الرحاب، والثانية واقعة إبراهيم حسن بمدينة دالاس الأمريكية، والثالثة واقعة رفع الجهاز الفني للمنتخب علامة "لا للعنصرية" في وجه حكم مباراة الأرجنتين.
هذه الأحداث كشفت مجتمعة عن "مناعة مجتمعية" متجذرة ترفض التعالي، سواء كان موجهًا ضد بسيطٍ يكافح أو تجاه رموز وطنية في المحافل الدولية.
واقعة الرحاب: حينما يُصبح "الكفاح" تهمة
إذ تحولت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية إلى منصة دفاع عن "عبدالرحيم عماد الدين"، عامل الدليفري وخريج كلية التربية الرياضية، الذي وجد نفسه بطلًا لواقعة أثارت استياءً واسعًا؛ بدأت بنشر صورة له وهو يتناول طعام إفطاره في إحدى حدائق الرحاب، حيث اعتبر صاحب الشكوى أن جلوس العامل في هذا المكان "مظهر غير لائق".
وعلى النقيض من هدف الشكوى، قوبلت هذه التصرفات بموجة غضب عارمة، حيث اعتبرها رواد المواقع “عنصرية طبقية”، وقد أوضح "عبدالرحيم" في رده المؤثر أنه لم يكن يهدف إلا لسد رمقه بعد صيام يوم شاق، مؤكدًا التزامه التام بنظافة المكان وأداء صلاته قبل العودة لعمله، هذا الموقف أظهر وعيًا شعبيًا رافضًا لمحاولات تصنيف البشر بناءً على مهنهم أو وضعهم الاجتماعي، حيث انحازت الغالبية العظمى للمكافح الذي يسعى لرزقه.
واقعة دالاس: دفاعٌ عن "المشجع الصغير"
وفي دالاس بالولايات المتحدة، حيث يقيم المنتخب المصري معسكره ضمن فعاليات مونديال 2026، أثارت المشادة التي وقعت بين إبراهيم حسن، مدير المنتخب، وأحد رجال الأمن في الفندق جدلًا واسعًا، وذلك عندما تدخل إبراهيم حسن لحماية طفل مصري صغير تعرض للدفع من قبل رجل أمن أثناء محاولته التقاط صورة تذكارية مع نجم المنتخب محمود حسن "تريزيغيه".
ورغم حدة المشادة التي كادت تتطور لموقف أكبر، إلا أن الجماهير المصرية رأت في تصرف إبراهيم حسن دفاعًا عن "كرامة مشجع صغير"، وهو ما لاقى تضامنًا موازيًا لرفض أي ممارسات تعسفية قد يتعرض لها المصريون، سواء في الداخل أو الخارج، تعزيزًا لمفهوم الكرامة الذي يرفض العنصرية بكافة أشكالها.
"لا للعنصرية".. صرخة الفراعنة في وجه التحكيم
كذلك، شهدت مباراة المنتخب المصري ونظيره الأرجنتيني في دور الـ16 لحظات مشحونة، حينما أقدم الجهاز الفني للمنتخب بقيادة حسام حسن على رفع إشارة "لا للعنصرية" في وجه الحكم الفرنسي الذي أدار اللقاء، وذلك في لحظات حاسمة من المباراة، وتحديدًا بعد تقدم المنتخب المصري بأداء بطولي واقترابه من تحقيق انتصار تاريخي، حيث شعر الجهاز الفني واللاعبون بوجود قرارات تحكيمية تعسفية لا تتسم بالعدالة.
لم تكن الإشارة مجرد احتجاج رياضي على قرارات الحكم، بل كانت صرخة ضد التمييز في أسمى المحافل العالمية، لترسل رسالة مفادها أن الكرامة الوطنية المصرية ليست قابلة للمساومة، وأن الفراعنة يرفضون أي ممارسة تفتقر للإنصاف أو تحمل دلالات استعلائية، مما جعل تلك الإشارة تتحول فورًا إلى "ترند" وطني تبناه نجوم الفن والمواطنون داخل وخارج مصر كتعبير عن دعمهم الكامل لرفض التمييز في الملاعب.
عمق الوجدان المصري: رفضٌ متجذر للتعالي
وفي هذا السياق، تؤكد خبيرة علم الاجتماع رحاب حسن في حديثها "للدستور" أن التاريخ المصري شاهدٌ حي على رفض دائم للتمييز، موضحة أن الهوية المصرية تشكلت عبر العصور على ركائز التكافل والاحترام المتبادل، وتشير "حسن" إلى أن المجتمع المصري يمتلك طبيعة خاصة تجعله يتسم بحساسية مفرطة تجاه أي ممارسات تحمل طابعًا استعلائيًا، حيث يرفض الشارع المصري بالفطرة أي تصرف يخرج عن العرف السائد في التعامل الإنساني الراقي.
وتضيف أن هذا الموقف ينم عن قدسية خاصة يوليها المصريون لمن "يأكل من عمل يده"، إذ يُنظر إلى عامل الدليفري كفرد يبني الوطن بسواعده، كما يُنظر إلى حماية الصغار والكرامة الوطنية كخط أحمر، كما ترى خبيرة الاجتماع أن حالة الوعي التي نراها اليوم لدى النخب الفنية والرياضية، وتبنيهم لشعارات مناهضة للعنصرية، ما هي إلا انعكاس لنضجٍ حقيقي في الخطاب العام، حيث أصبح رفض "الفوقية" معيارًا أصيلًا للتحضر والرقي في مصر الحديثة.



