سياسة جريدة الدستور

نتنياهو في البيت الأبيض

محاولة لترميم علاقته بواشنطن إن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تشبه (الزواج الرائع)، وإن (الانفصال مستحيل)، لأن أيًا من الطرفين لا يستطيع تحمّل كلفته.. لم تكن عبارة السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، هذه، مجرد تشبيه بلاغي عابر.. فعادة، لا يحتاج الزواج المستقر إلى تأكيدات متكررة بأنه لن

نتنياهو في البيت الأبيض
2 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

محاولة لترميم علاقته بواشنطن 

إن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تشبه (الزواج الرائع)، وإن (الانفصال مستحيل)، لأن أيًا من الطرفين لا يستطيع تحمّل كلفته.. لم تكن عبارة السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، هذه، مجرد تشبيه بلاغي عابر.. فعادة، لا يحتاج الزواج المستقر إلى تأكيدات متكررة بأنه لن ينتهي، لكن عندما تُقال مثل هذه العبارات في لحظة سياسية حساسة، فإنها تعكس حجم القلق أكثر مما تعكس حجم الاطمئنان.. لذلك، فإن توقيت رسائل هاكابي، التي جاءت خلال احتفال أُقيم في تل أبيب بمناسبة مرور مئتان وخمسين عامًا على تأسيس الولايات المتحدة، وشدد فيها على أن الشراكة بين البلدين متجذرة في التاريخ والقِيم المشتركة والمصالح الإستراتيجية.. ومؤكدًا أنه (لا توجد فرصة) لانهيار العلاقة التاريخية بين واشنطن وتل أبيب، وأن البلدين سيبقيان شريكين، لأن الانفصال ليس خيارًا ممكنًا، والتحالف بين البلدين متجذر بعمق، وقد أعاد التأكيد على البعد الديني للعلاقة، معتبرًا أن الأسس اليهودية المسيحية، لعبت دورًا في تأسيس الهوية الأمريكية، لا يمكن فصله عن النقاش المتصاعد داخل الولايات المتحدة بشأن مستقبل العلاقة مع إسرائيل، ولا عن مؤشرات التباعد التي ظهرت خلال الأشهر الأخيرة بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو.
ففي الوقت الذي يؤكد فيه هاكابي أن العلاقة (أقوى من أن تنكسر)، تكشف تقارير أمريكية وإسرائيلية عن واقع أكثر تعقيدًا.. فقد أشار موقع (بوليتيكو)، إلى التوتر المتصاعد في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وقال إن القيادة الإسرائيلية دخلت في ولاية الرئيس دونالد ترامب الجديدة، وهي تعتقد أن سياسة (أمريكا أولًا) لن تطال علاقتها الخاصة بواشنطن، وأن الدعم الأمريكي سيظل ثابتًا كما كان في السابق.. غير أن مسار الأحداث كشف، وفق التقرير، عن تحول تدريجي في مقاربة الإدارة الأمريكية، إذ باتت المصالح الأمريكية تتقدم على أي اعتبارات أخرى، حتى وإن تعارض ذلك مع أولويات إسرائيل الأمنية والسياسية.
وبرز هذا التحول بصورة أوضح بعد الحرب المشتركة ضد إيران، حين توقعت تل أبيب أن يؤدي التنسيق العسكري إلى مرحلة جديدة من التقارب، إلا أن الأشهر اللاحقة شهدت تزايدًا في الخلافات، خصوصًا مع تقدم المسار الدبلوماسي الأمريكي تجاه طهران، وهو ما أثار تحفظات إسرائيلية واسعة.. وفي قلب هذا المشهد، برز نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، بوصفه أحد أبرز الأصوات التي تدعو إلى إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل.. فقد أكد في أكثر من مناسبة، أن المصالح الأمريكية والإسرائيلية ليست متطابقة دائمًا، وأن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تدخل في مواجهات عسكرية نيابة عن إسرائيل.. وأشارت مصادر أمريكية وإسرائيلية، إلى أن هذه المواقف لا تمثل رأيًا شخصيًا معزولًا، بل تعكس اتجاهًا متناميًا داخل الإدارة الأمريكية.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة، لأنها تتزامن مع تراجع مستوى التواصل السياسي بين البلدين مقارنة بالفترة السابقة، فضلًا عن انخفاض وتيرة اللقاءات المباشرة بين المسئولين، وسط توقعات بأن تتسع الفجوة خلال المرحلة المقبلة، إذا استمرت أولويات الطرفين في التباعد.. ورغم هذه المؤشرات، فإن العلاقة الأمنية والعسكرية لا تزال تشهد مستويات مرتفعة من التعاون.. فهناك مقترحات مطروحة ضمن مشروع قانون تفويض الدفاع الأمريكي لعام 2027، الذي يهدف إلى توسيع التكامل العسكري والتكنولوجي بين الجيشين، عبر تعزيز التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والعمليات السيبرانية وأنظمة مكافحة الأنفاق، والتهديدات تحت الأرض، بما يعكس استمرار الرهان الأمريكي على الشراكة الأمنية مع إسرائيل حتى في ظل الخلافات السياسية.
غير أن هذا التعاون لم يمنع تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن حدود الدعم المقدم لإسرائيل، فقد أثارت المبادرات الخاصة بتوسيع التعاون العسكري انتقادات تتعلق باستقلالية القرار الأمريكي.. كما تزايدت الأصوات التي تطالب بإعادة تقييم حجم المساعدات العسكرية والاقتصادية المقدمة لتل أبيب، في ظل التحولات التي يشهدها الرأي العام الأمريكي.. وتذهب دراسات سياسية حديثة، إلى أن ما يجري يتجاوز مجرد خلافات بين حكومتين، ليعكس تحولًا بنيويًا عميقًا داخل المجتمعين الأمريكي والإسرائيلي.
فبحسب دراسة صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، فإن (الاستثناء الإسرائيلي)، الذي حكم العلاقة بين البلدين لعقود، بدأ يواجه تحديات متزايدة، نتيجة تغير المزاج السياسي الأمريكي، وازدياد مساحة الانتقاد العلني للسياسات الإسرائيلية داخل المؤسسات الرسمية والحزبية.. وترى الدراسة، أن تصريحات فانس، ومواقف الكونجرس، والتحولات داخل الرأي العام، تشكل جميعها مؤشرات على تغير تدريجي في طبيعة العلاقة التقليدية بين واشنطن وتل أبيب.. كما تعكس القراءة الإسرائيلية لهذه التطورات قدرًا من القلق.. فقد وصفت صحيفة (هآرتس) التحول، بأنه انتقال لإسرائيل من موقع (الشريك الكامل) إلى موقع (التابع المتمرد).. مشيرة إلى أن حكومة نتنياهو وجدت نفسها خارج مسار المفاوضات الأمريكية مع إيران، بعدما كانت شريكًا رئيسيًا في مراحل التصعيد العسكري، وهو ما اعتبرته الصحيفة تحولًا غير مسبوق في إدارة العلاقة بين البلدين.. لذلك، ووسط هذه التطورات، تبدو استعارة (الزواج) التي استخدمها هاكابي، أكثر من مجرد وصف للعلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية، بل هي محاولة لإعادة التأكيد على ثبات تحالف يواجه اليوم اختبارات سياسية غير مسبوقة.
*
إن التباعد الذي طفا على السطح بين الولايات المتحدة وإسرائيل عقب مذكرة التفاهم الأمريكية ـ الإيرانية لوقف الحرب، يُمثل منعطفًا تاريخيًا في العلاقة بين الحليفين، حيث لم تشهد العقود الماضية مثل هذا التصعيد العلني في الخلافات، مع اتهامات متبادلة وانتقادات لاذعة، وصلت إلى حد وصف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بـ (المجنون) و(المحتال).
بالتأكيد، هناك أبعاد لهذا الشرخ، في ظل تحولات الرأي العام الأمريكي، الذي أظهرت استطلاعاته، أن ثلثي الأمريكيين يعتبرون الحرب على إيران غير ضرورية، وأن نسبة كبيرة تحمل القيادة الإسرائيلية مسئولية جر بلادهم إليها.. وفي المقابل، ترى نفس النسبة تقريبًا من الإسرائيليين، أن الحرب كانت ضرورية وكان يجب أن تستمر.. وهذا يعني، أن لكل طرف حساباته ومصالحه، حيث ترى واشنطن أن الحرب حققت أهدافها، بإبرام مذكرة التفاهم التي تسمح باحتواء الملف النووي وإعادة فتح مضيق هرمز، بينما تعتبر تل أبيب المذكرة نهاية مبكرة لحرب لم تستكمل أهدافها في تفكيك البرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية.
إن جذور الخلاف بين واشنطن وتل أبيب تعود إلى حرب غزة قبل عامين، حيث شعر العديد من الأمريكيين، من الديمقراطيين والجمهوريين، بالاستياء من مقتل عشرات آلاف المدنيين، وهو ما انعكس في استطلاع أظهر أن الأمريكيين تحت سن الثلاثين يدعمون الفلسطينيين بدلًا من الإسرائيليين.. وكشفت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في نيويورك عن نجاح ثلاثة مرشحين معارضين للسياسة الإسرائيلية، على حساب وجوه توصف بأنها مخضرمة، مما يشير إلى تغير عميق في المشهد السياسي، وفقًا لخبراء.. وهنا، توضح أستاذة الشئون الدولية، ميلاني ماكاليستر، أن التمييز بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية أصبح أكثر قبولًا في أمريكا، مشيرة إلى تصريحات نائب الرئيس، جيه دي فانس، الذي أكد أن انتقاد الحكومة الإسرائيلية لا يعني معاداة السامية.
واتفاقًا مع هذا الطرح، يرى الصحفي الإسرائيلي، جدعون ليفي، أن إسرائيل تواجه تحولًا دراماتيكيًا في العلاقة مع واشنطن، وأن الحرب كانت القطرة التي أفاضت الكأس، مع تغير الرأي العام الأمريكي، بما في ذلك أوساط الجالية اليهودية في أمريكا، التي لم تعد تدعم إسرائيل دون قيد أو شرط.. وشدد مدير مركز ستيمسون، حافظ الجويل، على أن قطار التغيير انطلق حول العالم، مع ظهور أصوات من داخل الجاليات اليهودية، تفصل بين الصهيونية والدين اليهودي.. وأشار إلى أن الانتصارات الانتخابية لمرشحين معارضين لإسرائيل في نيويورك، التي تضم أكبر جالية يهودية خارج إسرائيل، تمثل مؤشرًا مهمًا على أن الوقوف ضد إسرائيل لم يعد يسبب الخسارة السياسية للمرشحين.
وفي تباين واضح مع المشهد الأمريكي، أوضح ليفي، أن المجتمع الإسرائيلي يتجه نحو مزيد من (التطرف)، حيث أصبح اليسار شبه غائب، ومعظم الإسرائيليين يعتقدون أن لإسرائيل الحق في فعل ما تريد، وأنه لا أبرياء في غزة.. وبينما يرى البعض أن الخلافات الحالية (ظرفية)، ولن تؤدي إلى طلاق بين الحليفين، يؤكد خبراء أن العلاقة لن تعود كما كانت، وأن الدعم الأمريكي سيصبح مشروطًا وليس مطلقًا.. ووفقًا لاستطلاعات الرأي الأخيرة، أظهرت أن 23% فقط من الأمريكيين يرون أنفسهم مؤيدين لإسرائيل، كما أظهرت النسب، أن تأييد إسرائيل في أوساط الجمهوريين يقل عن 50% لأول مرة.. وهنا، رجح الخبراء، أن تتبع أوروبا الخطى الأمريكية في البعد عن إسرائيل قريبًا، مع تغير جذري في الموقف من إسرائيل، التي أصبح يُنظر إليها كعبء أكثر من كونها حليفًا، وسط توقعات بتسارع التغيير في العلاقة خلال الفترة المقبلة، مع بقاء التحالف، لكن على أسس أكثر عقلانية وبراجماتية.
*
لذلك، يقول الكاتب الإسرائيلي، عاموس هاريل، إنه من السابق لأوانه، معرفة ما جرى في الاجتماع المغلق الذي عُقد يوم أمس الثلاثاء، بين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.. وعلى أي حال، من الأفضل توخي الحذر عند إعطاء أهمية كبيرة لتصريح الرئيس الأمريكي.. لكن، كانت الأجواء في واشنطن عشية زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، متوترة للغاية.. فبحسب تقارير من إسرائيل والولايات المتحدة، لم يكن ترامب متحمسًا للقاء نتنياهو، لكنه وافق فقط، بعد أن قرر نتنياهو حضور جنازة السيناتور الجمهوري، ليندسي جراهام.. كانت هذه الزيارة بالغة الأهمية لنتنياهو لأسباب استراتيجية (أمله في التأثير على التحركات في إيران)، ولأغراض حملته الانتخابية (من خلال التأكيد على علاقته الشخصية مع ترامب).
ويبدو أن تصريحات ترامب، بقدر ما يمكن استخلاص شيء منها، تعكس انقسامًا متزايدًا بين المواقف الأمريكية والإسرائيلية، فضلًا عن رغبة المُضيف في عدم الظهور كشخص غير متأثر بشكل مفرط بمواقف ضيفه.. وفي شأن آخر، قال ترامب هذا الأسبوع، إنه وحده من سيقرر ما إذا كان سيتم تزويد تركيا بطائرات مقاتلة متطورة من طراز إف-35، على الرغم من تحفظات نتنياهو المعلنة علنًا.
من السابق لأوانه الإشادة بنفوذ نتنياهو في واشنطن.. فقد سُمعت توقعات متشائمة بهذا الشأن قبل كل زيارة له إلى الولايات المتحدة.. وفي معظم الحالات، وافق ترامب في نهاية المطاف على توصيات رئيس الوزراء.. لكن في هذه المرة، تبرز أحداث الأشهر الخمسة الماضية، بما في ذلك قرار ترامب في نهاية فبراير الماضي، بشن حرب ثانية ضد إيران بتأثير من نتنياهو، الذي روّج أيضًا لخطته لإسقاط النظام في طهران بمساعدة الموساد والميليشيات الكردية.. ويبدو أن حقيقة أن هذه الخطوة دفعت الولايات المتحدة إلى التورط لفترة طويلة في الخليج، والذي يواجه الرئيس صعوبة في الخروج منها، قد أثرت سلبًا على علاقتهما إلى حد ما.
أُجريت مقابلة مع ترامب على قناة (فوكس نيوز) قبل ساعات من اجتماعه مع نتنياهو، وسُئل عن التقارير التي تفيد، بأن ضيفه سيقدم معلومات استخباراتية جديدة بشأن تحركات إيران في جبل الفأس، كجزء من برنامجها النووي.. رد ترامب بحدة قائلًا، إن جبل الفأس ليس مشكلة كبيرة، وأن نتنياهو سيتحدث معه عنه، فقط لأنه (يريد أن يكون متورطًا).. وأضاف ترامب، أنه يعلم تمامًا ما يجري هناك، مؤكدًا أن المفاوضات مع إيران ستستمر.. بدت الرسالة صريحة في ذلك الوقت: الولايات المتحدة، في الوقت الحالي، تمنح إيران فرصة أخرى للتوصل إلى اتفاق، وترامب لا يُعيقه اقتراح نتنياهو، وبالتأكيد لا يتلقى تعليمات منه.
ويرى هاريل، أنه حتى في ظل هذا الوضع الراهن، لا تزال إسرائيل تمتلك بعض النفوذ المحتمل على الأمريكيين.. وفي غياب هجوم عسكري واسع النطاق جديد، يبرز التساؤل حول الوسائل الاقتصادية التي يمكن ممارستها للضغط على طهران (مثل فرض حصار جنوب مضيق هرمز)، وما الذي ينبغي الإصرار عليه في المفاوضات بشأن الملف النووي.. في غضون ذلك، يبدو أن الجانب الإسرائيلي يرتكب العديد من الأخطاء.. ففي يوم الثلاثاء، حضر وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، مؤتمرًا نظمته القناة الرابعة عشرة العبرية، وبدافع من التأييد الذي حظي به من الحضور، قرر أن يتغاضى عن بعض انتهاكات الرقابة.. فقد صرّح كاتس، بأن بعض الطائرات الأمريكية التي شاركت في الضربات الأخيرة على إيران، انطلقت من قواعد جوية إسرائيلية.. ولعل كاتس يفكر في الانتخابات التمهيدية، ويحتاج إلى التميز في ظل المنافسة الشديدة بين المرشحين الذين يتنافسون على تأييد أعضاء حزب الليكود.
لكن الضرر الناجم عن هذا التصريح لا يقتصر على أمن البيانات العملياتية.. يبدو، وللمرة الثانية، أن الحكومة ـ بما في ذلك المقربون من رئيس الوزراء، والآن وزير الدفاع ـ تستفز إيران ببساطة، في محاولة لجرّها إلى مهاجمة إسرائيل، مبررةً بذلك ردًا إسرائيليًا بموافقة الولايات المتحدة.. ولم تكن هذه الخطوة الوحيدة التي اتخذها كاتس يوم الثلاثاء، والتي تأثرت باعتبارات سياسية.. فقد عقد وزير اجتماعًا مع كبار مسئولي الدفاع، وأصدر عقبه بيانًا أكد فيه، على اتخاذ سلسلة من الخطوات الأكثر تشددًا في الضفة الغربية، في أعقاب حادثة غرب نابلس يوم الجمعة الماضي، والتي أسفرت عن مقتل إسرائيليين اثنين وأربعة فلسطينيين.. من بين أمور أخرى، أصدر كاتس تعليمات للجيش بالاستيلاء على مخيم لاجئين آخر وطرد سكانه، وهو إجراء إشكالي للغاية فيما يتعلق بالقانون الدولي.. وفي الوقت نفسه، أمر بتخفيف القيود المفروضة على ينون دارديك، وهو مستوطن يُشتبه في تورطه في أعمال عنف خطيرة ضد الفلسطينيين.
*
نأتي إلى الزيارة الثامنة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، إلى البيت الأبيض، منذ أن تولى ترامب ولايته الثانية في رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أفادت القناة الثانية عشر الإسرائيلية عن مصادر، بأن بنيامين نتنياهو، يحمل خلال زيارته إلى واشنطن (معلومات حساسة) سيقدمها للرئيس الأميركي.. (معلومات استخباراتية حديثة) بشأن تقدم إيران نحو امتلاك قنبلة نووية.. وبحسب المصادر، فإن نتنياهو ينوي معارضته للمطلب الأمريكي لإسرائيل، بالانسحاب من لبنان وسوريا، ويقدم طلبا لترامب، بالامتناع عن بيع مقاتلات إف ـ 35 لتركيا.. قبل مغادرته إلى واشنطن، أكد نتنياهو، أنه سيناقش مع ترامب، جميع القضايا المطروحة وفي مقدمتها إيران، (هدفنا هو الحفاظ على أمننا، وتوسيع دائرة السلام من حولنا).. مُشددًا على أن مهمته في واشنطن، لها هدف واحد واضح، هو (ضمان أمن وقوة ومستقبل إسرائيل).. ووصف (اللقاء الثامن) مع ترامب في ولايته الثانية، بأنه (مسئولية جسمية)، وأنه في هذه الأوقات العصيبة، (يجب على المرء أن يتصرف بعزيمة قوية وحكمة بالغة).. إسرائيل تريد أن يشمل الاتفاق مع إيران برنامجها الصاروخي أيضًا، وأن تضمن واشنطن سبل تأمين دعم لتل أبيب في مواجهة إيران
وقد فرض مكتب نتنياهو سرية تامة على تفاصيل الرحلة، إذ امتنع عن الإفصاح مسبقًا عن موعد ومكان الإقلاع أو توقيت الهبوط المتوقع في الولايات المتحدة.. إلا أن بيانات مواقع تتبع حركة الطيران، أظهرت أن طائرة نتنياهو أقلعت من قاعدة نيفاتيم الجوية بدلًا من مطار بن جوريون الدولي، الذي يستخدم عادة في مثل هذه الزيارات.. وسبق عملية الإقلاع توجيهات صارمة لموظفي مكتب رئيس الوزراء بالتزام السرية التامة، والحضور المبكر، والامتناع عن تداول أي تفاصيل تخص مواعيد الرحلة.. إلا أن مكتب نتنياهو أبلغ صحيفة (تايمز أوف إسرائيل)، أن الرحلة التي كان من المقرر أن تقلع عند الساعة الحادية عشر صباحًا بالتوقيت المحلي تأجلت، دون الكشف عن سبب التأجيل.
وتأتي الزيارة بعد محاولات استمرت أكثر من أسبوعين لترتيب الاجتماع، إذ كشفت مصادر أمريكية، أن نتنياهو سعى للحصول على موعد مع ترامب، لكن البيت الأبيض لم يمنح اللقاء بشكل سريع كما كان يحدث خلال الزيارات السابقة، وفق تقرير لموقع أكسيوس.. وأثار تأخر تحديد موعد اللقاء تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بين الحليفين، في ظل خلافات ظهرت خلال الفترة الأخيرة حول عدد من القضايا، بينها الملف الإيراني ولبنان، قبل أن يتم الاتفاق على عقد الاجتماع بالتزامن مع زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة لحضور مراسم تأبين السيناتور ليندسي جراهام.
وجاء اللقاء في ظل تباين في الرؤية بين ترامب ونتنياهو بشأن كيفية التعامل مع إيران، إذ يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي الضغط من أجل تغيير النظام في طهران، بينما يميل الرئيس الأمريكي إلى البحث عن مسار دبلوماسي يمنع استمرار التصعيد العسكري، وهو ما يجعل اللقاء اختبارًا لإعادة تنسيق المواقف بين الطرفين وفقًا لتقرير صحيفة (التايمز).. فيما أوضحت مصادر أمريكية، أن حسابات ترامب تميل إلى الموازنة بين الضغط على إيران ومنع توسع المواجهة الإقليمية، مشيرة إلى أن قرار وقف الضربات ضد إيران، جاء بعد تقييمات عسكرية وسياسية بشأن فعالية استمرار العمليات ومخاطر التصعيد.. كما أكد مسئولون أمريكيون، أن الإدارة الأمريكية تريد منح المسار الدبلوماسي فرصة، مع الإبقاء على خيارات أخرى في حال فشل المفاوضات.
زيارة نتنياهو جاءت بعد سلسلة تطورات إقليمية متلاحقة خلال الساعات الماضية، بدأت بإعلان وقف الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران، بعد موجة من التصعيد استمرت على نحو ثلاثة عشر يومًا، بينما تحاول جهود وسطاء إقليميين ترسيخ التهدئة وفتح مسار تفاوضي بين الطرفين.. كما شهد الملف الفلسطيني تطورات جديدة، بعد موافقة المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغر (الكابينت)، على ترتيبات مرتبطة بدخول قوة متعددة الجنسيات إلى قطاع غزة، في إطار التحركات المتعلقة بالمرحلة المقبلة في القطاع.. وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية، بأن نتنياهو أبلغ أعضاء الكابينت عزمه رفض أي مطالب أمريكية بانسحاب واسع من غزة أو جنوب لبنان أو الأراضي السورية.. ووفقًا لما نقلته صحيفة (إسرائيل اليوم)، قال نتنياهو خلال الاجتماع، إن الولايات المتحدة قدمت قائمة مطالب تتعلق بانسحابات من هذه الجبهات، وإنه يعتزم معارضة ذلك.. وبذلك دخل نتنياهو لقاء البيت الأبيض في توقيت حساس، فهو يسعى للحفاظ على هامش التحرك الإسرائيلي في الملفات الأمنية، بينما تحاول إدارة ترامب تثبيت ترتيبات جديدة في المنطقة بعد موجة التصعيد الأخيرة.
*
ومن المهم هنا، أن نثبت بعض الملاحظات على لقاء ترامب ونتنياهو الأخير، والتي يأتي في مقدمتها، أن نتنياهو لم يدخل البيت الأبيض من بابه الرئيس، كالعادة، بل من المدخل الخلفي، وفي غير وجود وسائل الإعلام، كما أن اللقاء الذي كان، عادة أيضًا، ما يستمر لأكثر من ثلاث ساعات، لم يستغرق هذه المرة أكثر من ساعة وتصف الساعة، ولم ترصده قنوات الشبكات التليفزيونية، إذ عُقدت المباحثات خلف أبواب مُغلقة، بل اقتصر الأمر على بعض الصور الفوتوغرافية، نشرها مكتب نتنياهو.. كذلك، لم يكن هناك مؤتمرًا صحفيًا بعد اللقاء بين ترامب ونتنياهو
ومع ذلك، وصف البيت الأبيض المحادثات بأنها كانت (إيجابية ومثمرة)، إذ قالت المتحدثة باسمه، كارولين ليفيت، في منشور عبر منصة (إكس)، إن ترامب اختتم لقاءه مع كل من الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، مؤكدة أن الاجتماعين كانا (إيجابيين ومثمرين).. وقال مسئول إسرائيلي مطلع على تفاصيل اللقاء لـ CNN، إن الاجتماع جرى في (أجواء إيجابية للغاية)، وبروح من التعاون، وبمشاركة كبار مسئولي الإدارة الأمريكية، وأن الانسجام بين ترامب ونتنياهو كان واضحًا خلال المباحثات، وأن الجانبين جددا تأكيد موقفهما المشترك بأن إيران (يجب ألا تمتلك سلاحًا نوويًا تحت أي ظرف).. وناقش الطرفان متانة الشراكة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي وصفها بأنها (أقوى من أي وقت مضى)، إضافة إلى استعراض عدد من الفرص والتطورات في منطقة الشرق الأوسط.
وشهد محيط البيت الأبيض وقفة احتجاجية، رفع خلالها مشاركون شعارات مناهضة لنتنياهو، ورددوا هتافات من بينها: (نتنياهو، أنت مستبد)، و(بيبي، لست مرحبًا بك هنا).. ومع ذلك، قال نتنياهو، الذي أكد قبيل مغادرته إسرائيل، أن لقاءه مع الرئيس الأمريكي يمثل (شرفًا كبيرًا)، لكنه في الوقت نفسه (مسؤولية كبيرة)، إن اجتماعه مع ترامب كان (من أفضل) اللقاءات التي جمعته بالرئيس الأمريكي، واصفًا المحادثات بأنها (ممتازة).. وأضاف، في مقطع فيديو نشره عبر حسابه على (إنستجرام)، أن اللقاء اتسم بـ (شراكة كاملة ودعم متبادل)، إلى جانب (تفاهم بشأن الهدف المشترك، المتمثل في ضمان عدم امتلاك إيران أسلحة نووية، فضلًا عن أهداف أخرى.. كان هذا أحد أفضل اللقاءات التي أجريتها مع رئيس الولايات المتحدة، صديقنا دونالد ترامب).
وقبل ساعات من اللقاء، أقرّ ترامب ـ الذي وجه منذ أسابيع انتقادات غير مسبوقة لحليفه الإسرائيلي، إذ وصفه في إحدى المقابلات بأنه (رجل صعب للغاية)، متهمًا إسرائيل بمواصلة عملياتها العسكرية في لبنان، بينما كانت واشنطن تقود مفاوضات مع إيران، وهو ما قال إنه عرقل تلك الجهود.. كما أقرّ بأنه وجّه لنتنياهو كلمات قاسية خلال اتصال هاتفي سابق ـ بوجود (اختلاف بسيط) مع نتنياهو بشأن التعامل مع إيران، لكنه شدد على أن الجانبين (متقاربان إلى حد كبير).. كما كشف عن استيائه من تقارير تحدثت عن اعتزام نتنياهو إثارة ملف الأنشطة الإيرانية في موقع جبل الفأس النووي الإيراني، مؤكدًا أنه مطلع على ما يجري هناك عبر أنظمة المراقبة التابعة لقوة الفضاء الأمريكية.. وقال، إن ما تقوم به إيران في الموقع (ليس مشكلة كبيرة)، وأن نتنياهو يسعى إلى إبقاء الولايات المتحدة منخرطة في هذا الملف، قبل أن ينتقد الكشف العلني عن تلك المعلومات قائلًا، (لماذا يجب أن تعلن ذلك للعالم؟).. لكن نتنياهو حرص على التقليل من أهمية هذه الخلافات، معتبرًا أنها تقتصر على (اختلافات في النهج)، وأن الطرفين لا يزالان متفقين على الأهداف الاستراتيجية.
*
■■ وبعد..
يذهب الكاتب فرانكلين فوير، في مجلة (ذي أتلانتيك)، إلى أن نتنياهو ـ الذي بنى مسيرته السياسية على إقناع الأمريكيين بعدالة الموقف الإسرائيلي ـ انتهى إلى إضعاف المكانة التي تمتعت بها إسرائيل لعقود داخل الولايات المتحدة.. وترى المسئولة الأمريكية السابقة في شئون الشرق الأوسط، إليسا إيورز، أن زيارة البيت الأبيض تحمل مخاطر سياسية لنتنياهو، لأن الرئيس الأمريكي قد يكون هو الطرف الذي يطرح المطالب هذه المرة، وليس الطرف الإسرائيلي.. لكن التحدي الأكبر أمام نتنياهو، لا يتعلق فقط بإدارة العلاقة مع ترامب، بل أيضًا بالتغير العميق الذي طرأ على نظرة الأمريكيين إلى إسرائيل.. فبحسب (وول ستريت جورنال)، فإن وفاة السيناتور ليندسي جراهام، تمثل خسارة شخصية وسياسية كبيرة لإسرائيل، لأنه كان من أبرز الوسطاء بين نتنياهو وترامب، كما كان أحد أكثر الأصوات تأثيرًا داخل الحزب الجمهوري دعمًا لإسرائيل.
ويرى أكاديميون ومسئولون إسرائيليون سابقون، أن جراهام كان يمثل جيلًا من السياسيين الأمريكيين الذين تشكلت مواقفهم في ظل ذكريات المحرقة والحروب العربية الإسرائيلية، بينما تتشكل مواقف الأجيال الجديدة على وقع مشاهد الحرب في غزة واتساع الاستيطان والعنف في الضفة الغربية.. وتُظهر استطلاعات الرأي اتجاهًا متصاعدًا في هذا السياق.. فقد أشار استطلاع لمركز (بيو) الأمريكي، إلى أن غالبية الأمريكيين باتوا يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، بينما أظهر استطلاع لمؤسسة (جالوب)، أن التعاطف مع الفلسطينيين تجاوز لأول مرة التعاطف مع الإسرائيليين.
ولم يعد هذا التحول مقتصرًا على الحزب الديمقراطي، إذ امتد أيضًا إلى قطاعات من الجمهوريين، خصوصًا بين الشباب وأنصار تيار MAGA، حيث برزت أصوات محافظة بارزة تنتقد الدعم غير المشروط لإسرائيل، وتعارض استمرار الانخراط الأمريكي في حروب الشرق الأوسط.. وفي هذا السياق، يرى فوير، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ساهم ـ من خلال ربط إسرائيل بالحزب الجمهوري والدخول في صدامات متكررة مع الإدارات الديمقراطية ـ في تحويل الدعم لإسرائيل من قضية تحظى بإجماع الحزبين، إلى ملف شديد الاستقطاب داخل السياسة الأمريكية.. وبين ضغوط الحرب، وتباين الأولويات مع واشنطن، والتراجع المستمر في التأييد الشعبي والحزبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة؛ بدت زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض محاولة لإعادة ترميم علاقة إستراتيجية تواجه اختبارًا غير مسبوق.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين

مقالات ذات صلة