ثقافة الجزيرة

الغرب في أفقنا الحضاري.. من سحر النموذج إلى يقظة السؤال ودراسة الحالة

يدعو المقال إلى إعادة قراءة الغرب بوصفه تجربة انفصال عن القيم وإرادة قوة وتفكيك للخصوصيات الثقافية، لا نموذجا يُحتذى، مع فهم الاستعمار كاحتلال للعقول والثقافة لا للأرض فقط.

الغرب في أفقنا الحضاري.. من سحر النموذج إلى يقظة السؤال ودراسة الحالة
3 مشاهدة

اقرأ من المصدر

الجزيرة

زيارة المصدر

من الأشياء التي يجب الوعي بها في رؤانا المعرفية، بخاصة في سياق العلاقة مع موضوع اختلاف الثقافات، هو مجانبة النظر إلى ظاهرة الاختلاف الثقافي كما لو أنها جُعلت من أجل الصّدام والتعادي، فما وُجدت الخصوصيات الثقافية إلا لأجل التواصل والتعاون والتعارف.

إنها آية جمالية شاهدة على وحدة الإنسانية واختلاف تجلياتها وتعابيرها الروحية، ولم تأت فكرة الصدام بين الثقافات إلا مع تجربة الحداثة الغربية، التي بوّأت لنفسها مقام الذات، وصرفت مقام الموضوعات للآخر الصامت والمستعمر.

قصص مقترحة

من أجل ذلك، فإنه حقيق بنا إعادة فهم الغرب وفق منطلقات معرفية ومنهجية مختلفة، أو وفق نمذجة معرفية تنتقل من رتبة التأثر والاتباع إلى رتبة الفهم وإعادة التشكيل، أو أننا نعبر بدراستنا لموضوع الغرب من الاقتفاء إلى دراسة الحالة.

ملمح المفارقة هنا أن مرمى مقاصدنا نحن في معاينة الغرب أقرب إلى القراءة التطبيقية منه إلى التحليل البارد لتاريخ الأفكار، والقراءة التطبيقية أو الاستعمالية تخطو خطوة أخرى، هي فهم وتقويم الغرب معرفة وممارسة، في سياق طبيعة العلاقة معه التي تحققت في التاريخ، وفي سياق إرادتنا الخوض في تجربة حضارية تنير الدروب من جديد للإنسانية

مع أهمية الإيضاح هنا من أن دراسة الظاهرة الغربية ليست وفق مسالك قول الاستغراب، الذي هو نوع من المعاينة الباردة لتاريخ المعرفة الغربية ولفلسفتها، مثلما نلحظ ذلك في كتاب حسن حنفي (مقدّمة في علم الاستغراب 1992) الذي كتب سيرة فلسفية لنمو الفلسفة الغربية، من أصولها اليونانية إلى إشكالاتها الحالية.

وهنا، فإنه جدير بنا بيان الأهمية الجليلة لهذا الجهد المعرفي الذي يفيد متلقي المعرفة أكثر مما يفيد طالب الحضارة والبناء، وملمح المفارقة هنا أن مرمى مقاصدنا نحن في معاينة الغرب أقرب إلى القراءة التطبيقية منه إلى التحليل البارد لتاريخ الأفكار، والقراءة التطبيقية أو الاستعمالية تخطو خطوة أخرى، هي فهم وتقويم الغرب معرفة وممارسة، في سياق طبيعة العلاقة معه التي تحققت في التاريخ، وفي سياق إرادتنا الخوض في تجربة حضارية تنير الدروب من جديد للإنسانية.

أي إن صميم التناول هو في عمقه اشتباكي تفكيكي إيضاحي لهذه التجربة في تدبير العلاقة بين الإنسان والإله، وبين الإنسان والإنسان، ثم بين الإنسان وبقية الموجودات.

لنقل إذن بأن فاتحة هذه الطريقة في الوعي بالفكر الغربي هي رسم معالم هذه الحركة، ليس في معاجمها المفهومية، بل في تحققاتها التاريخية؛ أي إن الغرض ليس هو المعنى والمفهوم، بل التداول والاستعمال. ولأجل ذلك، فإن الغرب عندما نحلله من هذا المنظور، فإننا نعود وبين أيدينا محددات ثلاثة:

أولا، الغرب هو تجربة الانفصال عن القيمة

وهنا، لا بد من صرف سعينا إلى هذا المنطق الذي نرى تجلياته حاليا، فالانفصال عن القيمة بمعناها الروحي والعقلي، أو كسر فكرة الإلزام، دينية كانت أم عقلية، هي خصيصة ثاوية في تجربة الغرب، والأحرى أن الإنسانية لم تعرف تجربة في الانفصال عن القيمة مثلما نشاهدها في الفكر الغربي، بخاصة ضمن ظرفنا الحالي، الذي بات يُعرف بأحوال ما بعد الأخلاق، حيث يتم نزع التأثيم عن الأنانية وإطلاق مطالب الغرائز نحو مشتهياتها اللامحدودة، واختزال الوعي في تلبية المتع والتأويل الجمالي للحياة.

وهنا، يجب تفسير هذه النهايات التي فصلت القيمة عن الحياة، حيث يظهر أمامنا ضمن منطلقات الحداثة الغربية استبدال المعيارية الإلهية بالمعيارية الإنسانية.

بمعنى، كانت الأوامر الإلهية هي مصدر النظم الأخلاقية، ولأنها هكذا متعالية وكلية، فقد منحت للممارسة الأخلاقية مستوى من الوجود الموضوعي، لكن كسر العقل الحديث لهذا الأساس وإحلال العقل المنفصل بدوره عن القيم، مبدأً في التدبير الأخلاقي للذات وللاجتماع الإنساني، قد أدّى إلى كسر هذه الأسس العقلية مرة أخرى، وإحلال الأنا النفساني محل الأنا العقلاني.

ومعلوم أن النفسانيات لا كليات أخلاقية فيها ولا إلزامات متعالية، بل رغبات مشتعلة دوما، تنتظر التلبية والإشباع، وخطأ العقل الغربي هنا، أنه بدلا من أن ينظر إلى أمراض التحلل الأخلاقي هذه كانحرافات عن إنسانية الإنسان وصورته الروحية الأصلية، راح يبرر أنها نماذج حياتية مقبولة وطبيعية، والأقوى أنها من مكونات الذاتية الإنسانية، وما الأشكال الموروثة إلا قيم بالية وجب تجاوزها.

هكذا، إذن، نفهم الغرب في هذا المستوى على أنه تجربة التحلل الأخلاقي والانفصال عن القيم، وليس تجربة الطبيعة الإنسانية.

يجدر بنا أن نصرف قولنا إلى إعادة النظر في طريقتنا في فهم الغرب وطرق التواصل معه، فهو في كينونته تجربة الانفصال عن القيمة وإفراغ الذوات الإنسانية من مكونها الروحي الأصيل، وهو أيضا إرادة قوة، لا يحمل أبدا قيمه خارج حدوده

ثانيا، الغرب في مكنونه إرادة قوة

بحسب اللاهوتي والفيلسوف أنريك دوسال، فإن المقولة التي أطلقها ديكارت: "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، إن هي إلا تجلٍّ لمقولة أوسع منها هي: "أنا أغزو، إذن أنا موجود؛ أنا أحتل وأخضع وأتحكم وأعرف".

فالامتياز المعرفي الغربي ليس تأملا نظريا، بل هو حصيلة إبادات كبرى مارسها العقل الغربي على بقية الإنسانية (ضد سكان الأندلس من المسلمين واليهود، وضد الشعوب الأصلية أثناء احتلال الأمريكتين، وضد الأفارقة المستعبدين في الأمريكتين، وضد النساء اللواتي أُحرِقن أحياء بدعوى امتهان السحر).

وهكذا، يظهر لنا الغرب كما لو أنه إرادة قوة تبتغي دوما قتل الإنسان وحلب موارده، أكثر مما هو انفتاح وتواصل. وبناء على هذا الإقرار، فإن ثمة تلازما بين حركة الغرب وبين إرادة القوة، التي تعرف أقوى تجلياتها في الإبادة والإخضاع.

وهذه هي الدعامة الثانية في كيفية فهمنا للغرب، ومعرفة جذور الامتيازات المعرفية التي قدمها عن نفسه.

وحتى هيغل قد قدم أيضا تبريرا معرفيا لقاعدة: "أنا أحتل، إذن أنا موجود"، وذلك عندما نظر بعين الازدراء إلى المجتمعات الشرقية، من أنها تعبير عن طفولة العقل البشري في تطوره. وبالتالي، فعندما ندرس حركة الغرب، لا بد أن تكون دراستنا ملتحمة بهذا التاريخ من الإخضاع والاحتلال وحلب الموارد.

ثالثا، الغرب سعي لأجل تدمير الخصوصيات الثقافية

ومن الشواهد على هذه الحقيقة أن الاحتلال الفرنسي للجزائر، الذي أحضر معه السلاح والبارود، أحضر معه أيضا رجال الدين وعلماء الأناسة "الأنثروبولوجيا" لأجل فهم الخصوصيات التاريخية والنفسية والعقلية للمجتمع الجزائري تمهيدا لتفكيك مرتكزاتها، قد جهد من جهته التدميرية للثقافة الجزائرية بما يماثل جهده التدميري لإرادة المقاومة.

فقد أحل الكنائس محل المساجد، أو حوّلها أحيانا إلى إصطبلات للحيوانات، كما أذاع تعليم الفرنسية محل العربية، وسعى إلى تلويث أخلاق الإنسان الجزائري بكل الأساليب، كما عطّل الدور الحيوي للزوايا التي كانت منصات للمقاومة، وحرّف دورها نحو الشعوذة والبلاهة.

وهذا دور الاستعمار الغربي؛ إنه لا يكتفي باحتلال الحقول، بل يزيد إليها احتلاله للعقول، وأنّى له ذلك؟ وهكذا، فالغرب عندما يبني صلات مع غيره، لا يكتفي بامتيازه المركزي، بل ينزل إلى الأعماق، قصد تذويب الدين وتعطيل دور الثقافة في المقاومة، لأنه على وعي عميق بأن روح المقاومة إنما تستمد من روح الثقافة المحلية.

هكذا، إذن، يجدر بنا أن نصرف قولنا إلى إعادة النظر في طريقتنا في فهم الغرب وطرق التواصل معه، فهو في كينونته تجربة الانفصال عن القيمة وإفراغ الذوات الإنسانية من مكونها الروحي الأصيل، وهو أيضا إرادة قوة، لا يحمل أبدا قيمه خارج حدوده (حكمة تنسب لمالك بن نبي)، كما أن أفعاله في التاريخ وحتى الواقع اليوم (خاصة طلب أمريكا من دول العالم العربي والإسلامي تغيير برامجها التعليمية بما يتواءم مع التحديات العالمية) هي إرادة حثيثة نحو تدمير تلك الخصوصيات الثقافية وتعطيل دورها أو تجليها في التنمية والبناء.

لنقل إذن بأن تجديد طريقتنا في دراسة الغرب يجب أن تتحرر من كونه نموذجا في المعرفة والممارسة إلى كونه ظاهرة غير صحية، جلبت للإنسانية التصحر الأخلاقي والصراع من أجل التسيّد الوهمي وتفكيك بنى الثقافات الإنسانية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

العلامات

مقالات ذات صلة