لا أدرى ولا أريد أن ادرى لماذا أفتش فى مقالات الكبار الذين رحلوا عن عالمنا وتركوا لنا ميراثا ثقيلا لم نستطع الحفاظ عليه فما بالنا بتحديثه ؟ وقعت عينى على مقال للأديب يوسف إدريس بعنوان «ضحك الجنازات» التهمت المقال سريعا وكانت تطاردنى صورة الفنان العظيم يحيى الفخرانى وهو يضحك فى دوره العبقرى فى احد الأفلام وهو يؤدى واجب العزاء ويقول «أنا جاى اهرج » وفى نفس اللحظة تداخلت صورة الشخص المنتحل صفة إعلامى وهو «يهرج فى كل العزاءات» ظننت ان يوسف ادريس يتحدث عن نفس الظاهرة بعيون عصره ، لكن الرجل صدمنى وصدم جيلا باكمله ! يقول ادريس» قرأتُ الحديث الذى أجراه ابنُنا الصحفى الشاب بهاء صلاح جاهين فى الأهرام مع الأستاذ العميد الدكتور لويس عوض، كان أهم محتويات الحديث أنَّ الدكتور لويس عوض يَنعَى فى رثاء جليل حركة الكبار فى الأدب العربي، وعلى رأسِهم أستاذُنا الكبير توفيق الحكيم، وعمنا المُبدع نجيب محفوظ، وشيخ طريقتنا القصيرة يحيى حقي، وكاتب هذه السطور، كذلك لم يسلَمْ كبار نُقَّادِنا – ضِمْنًا من النعى – الناقدين الكبيرين الدكتور عبد القادر القط والدكتور على الراعي.
>>>
وقال الدكتور لويس عوض فيما قال: إنَّه جيلٌ – يقصِد هؤلاء جميعًا الذين ذكرتُهم – قد انتهى بحلول النكسة أو الهزيمة عام 67، ولم يَعُدْ لدَيْه شيء يقوله أو يُبْدِعه، وإنَّه هو شخصيًّا قد ملَّ الكتابة والكلام وفرغَتْ جَعْبتُه، والحقيقة أنى كنتُ قبْلَها بليلةٍ قد فرغتُ من قراءة كتاب الصديق الموهوب أحمد رجب «كلام فارغ»، وهو كتابٌ من أعظم ما قرأتُ خلال الأعوام الماضية لا لأنَّه يحتوى على كنوز معرفة غالية، ولا لأنَّ حكمة الكون كله قد تلخَّصتْ فيه، ولكنْ لأنَّ أحمد رجب نموذج فريد فى الكتابة الساخِرة، وإذا كان الكاتب الذائع الصِّيت «أرت بوكوالد» قد ابتدع طريقة أمريكية فريدة فى السخرية، خاصةً من الرؤساء الأمريكيين وزوجاتهم – أثناء حكمهم بالطبع – محتويًا فى جَعْبتِه جدَّه الرُّوحى مارك توين، وحتى شارلى شابلن كمؤلف، إلَّا أنها طريقة أمريكية فيها سخرية ذكية ذكاء العواجيز الخبثاء.
>>>
أمَّا صديقنا أحمد رجب فهو ساخِر مصرى أصيل، رُوحه من رُوح عبد الله النديم وأسلوبُه فيه رشاقة الكاتب العبقرى الساخر المرحوم محمد عفيفي، فيه نكتة محمود السعدنى الفاقِعة فى مصريَّتِها وطول لسانها، فيه لمسة صلاح جاهين الكاريكاتيرية وتلامذته من رمسيس إلى الليثى إلى محمد حاكم، غير أنَّ ميزة أحمد رجب الكبرى هى فى نهايات نصف كلمة التى يكتبها، إنَّه دائمًا يُجَهِّز لك قنبلةً مُسيلة لدموعِ الضحك فى آخِر كل فقرة يكتبها، وهى قنبلة لا تقتُل ولا تجرَحُ ولكنَّها تدفعُك حتى للتأمُّل، وكأنَّ فيها كلَّ الحكمة. كنتُ فى الليلة التى قبْلَها قد انتهيتُ من قراءة الكتاب، واستنفَدْتُ كلَّ طاقتى من الضحك بينى وبين نفسى أولًا، وبصوتٍ عالٍ يكاد يُوقِظ مَن فى البيت، وحينَ طَوَيْتُ الكتابَ ووضعْتُه جانبًا، قلتُ لنفسي: ها أنا ذا قد ضحكتُ بما يكفينى شهرًا بأكمله،انتهى الاقتباس ولم تنتهى الحسرة على جيلنا الذى يضحك حزينا ويحزن ضاحكا وهو يتنفس تفاهة ممزوجة بعبث لا ينتهى.

