صحة الجزيرة

موسم المدارس.. المصريون يواجهون الغلاء بالجمعيات وأسواق الفجالة

موسم المدارس.. المصريون يواجهون الغلاء بالجمعيات وأسواق الفجالة
14 مشاهدة

اقرأ من المصدر

الجزيرة

زيارة المصدر

أتى سبتمبر بروائحه الرطبة ونسماته اللطيفة وهدوئه الحذر، حاملا معه ملمس أغلفة الكتب والكراسات الملونة، وموسم الشاي بالحليب والإذاعة المدرسية؛ تلك التفاصيل التي اختزنتها أجيال في ذاكرتها، وظلت جزءا من بهجة العودة إلى المدرسة.

لكن هذه البهجة البسيطة تبدلت، وتحول الموسم إلى عبء ثقيل على آلاف الأسر المصرية. ومع بدء الدراسة في معظم المدارس، تتواصل حسابات الديون والجمعيات وسُلف نهاية الشهر، فيما يتردد في كثير من البيوت سؤال يلخص كلفة العام الدراسي الجديد: متى سنذهب إلى الفجالة؟

الفجالة.. طريق المصريون إلى المدرسة

عرف الفاطميون حي الفجالة القاهري باسم "الطبالة"، إذ اشتهر قديما بالاحتفالات التي كان المصريون يقرعون خلالها الطبول ابتهاجا بانتصار المعز لدين الله الفاطمي. ثم تبدل اسمه بعدما تحولت أراضيه إلى مزارع لزراعة الفجل، فأصبح يُعرف بـ"الفجالة".

وفي عهد الخديوي إسماعيل، تغير وجه الحي العتيق مرة أخرى، بعدما استقرت فيه دور الطباعة والنشر، فتحول تدريجيا من منطقة زراعية إلى سوق ثقافية تحتضن المكتبات ودور النشر، ومقصدا للأدباء والفنانين.

ومع مرور الزمن، تبدلت ملامح الفجالة مجددا. ففي أعقاب سياسة الانفتاح الاقتصادي، اشتهر الحي بتجارة الأدوات الصحية والسيراميك والأحواض والخلاطات، وتراجع حضوره الثقافي، ولم يتبقَّ منه سوى عدد من المكتبات التي تخصصت في بيع الكتب الخارجية والأدوات المدرسية.

واليوم، تُعد الفجالة واحدة من أكبر الأسواق الشعبية التي يقصدها المصريون لشراء مستلزمات الدراسة بأسعار تقل عن كثير من المتاجر الأخرى. ولا تقتصر ميزتها على التخفيضات والعروض المتاحة على الكتب والكراسات، بل تشمل أيضا تنوع المنتجات وفئاتها السعرية، ما يجعلها وجهة رئيسية للأسر الباحثة عن التوفير.

ومع ذلك، لم تنجُ الفجالة هذا العام من موجة الغلاء؛ إذ ارتفعت أسعار المستلزمات الدراسية بنحو 20% مقارنة بالعام الماضي. ويقول أحد باعة الكشاكيل والأقلام إن البضاعة التي كانت تكلفه نحو 10 آلاف جنيه في الموسم الماضي، وتدر عليه مبلغا مماثلا من الأرباح، ارتفعت تكلفتها هذا العام بنحو 3 آلاف جنيه، في حين لم تزد أرباحه بالقيمة نفسها.

ويضيف: "لا أستطيع رفع الأسعار على الناس؛ فما يهمني هو بيع البضاعة كلها قبل انتهاء الموسم".

الجمعيات والقروض.. "ستر وغطا"

مع بدء الدراسة اليوم في معظم المدارس، اتجهت صفاء حسن، وهي ربة منزل وأم لطالبين في المرحلتين الثانوية والإعدادية، إلى الفجالة لشراء الكتب والمستلزمات المدرسية، مستعينة بقيمة "جمعية" تدبرها سنويا لمواجهة نفقات الموسم الدراسي.

وتتفق صفاء مع أفراد عائلتها على تسلّم قيمة الجمعية في مطلع سبتمبر/أيلول من كل عام، حتى تتمكن من تلبية طلبات المدرسة والمدرسين، لكن ارتفاع الأسعار عاما بعد آخر جعل مهمتها أكثر صعوبة. وتقول للجزيرة نت: "كنت أدبر جمعية بقيمة 10 آلاف جنيه (نحو 196 دولارا) كل عام، لكن الثانوية العامة كلفتني هذا العام جمعية بقيمة 25 ألف جنيه (نحو 490 دولارا)، لشراء كتب الفصل الدراسي الأول ومستلزماته فقط، ولا أعرف كيف سأدبر نفقات النصف الثاني من العام".

ولدى صفاء ابن آخر في المرحلة الإعدادية، لا تزال تستطيع مراجعة دروسه ومساعدته يوميا في المذاكرة، على عكس شقيقه الأكبر الذي وصل إلى مرحلة حاسمة في مسيرته التعليمية. وتضيف: "أصبح التعليم باهظ التكلفة، مثل كل شيء من حولنا، لكن ليس أمامنا أمل سوى تعليم أبنائنا".

أما أميرة حسن، فوجدت في قروض تمويل التعليم مخرجا بعدما فوجئت بارتفاع مصروفات المدرسة التي بدأ فيها طفلها اليوم عامه الدراسي الأول. وكانت الرسوم المقررة للعام الماضي في مرحلة رياض الأطفال تبلغ 40 ألف جنيه (نحو 784 دولارا)، فرتبت أوضاعها المالية وادخرت المبلغ على مدار عام، بخلاف تكاليف حافلة المدرسة والزي والمستلزمات الأخرى.

لكنها فوجئت عند التقديم بارتفاع المصروفات إلى 70 ألف جنيه (نحو 1372 دولارا)، فلم تجد أمامها سوى الحصول على قرض لتمويلها. وتقول أميرة: "أعمل أنا وزوجي، ويتجاوز دخلنا الشهري 40 ألف جنيه (نحو 784 دولارا)، ولدينا طفل واحد فقط، ومع ذلك لم نتمكن من توفير مصروفات مدرسة عادية، وليست واحدة من المدارس الدولية المعروفة. لم أجد بديلا عن القرض، وإلا ضاع العام الدراسي على طفلي الوحيد".

التضخم ونهاية عصر المجانية

في الأعوام الأخيرة، تعرضت الطبقة الوسطى في مصر لضغوط متزايدة بفعل موجات الغلاء والتضخم المتلاحقة، ما أدى إلى اتساع الفجوة الاجتماعية. وفي مقابل طبقة ميسورة تستطيع دفع مصروفات دراسية بالدولار واستيراد المستلزمات المدرسية من الخارج، ظهرت طبقة أقل دخلا تضم شرائح متعددة، تكافح لتدبير نفقات عام دراسي تراجع فيه مفهوم مجانية التعليم، وفقا للدكتور دياب محمد، الخبير الاقتصادي.

ويقول دياب للجزيرة نت إن تكلفة العام الدراسي للطفل الواحد في مدرسة متوسطة بمصر قد تتجاوز 100 ألف جنيه (نحو 1960 دولارا)، وترتفع في المرحلة الثانوية بسبب الدروس الخصوصية والكتب والمذكرات التي يبيعها بعض المدرسين، فضلا عن المصروفات اليومية للطالب، التي قد تتجاوز 200 جنيه (نحو 4 دولارات).

ويرى الخبير الاقتصادي أن تخصيص وزارة التضامن الاجتماعي قروضا لتمويل المصروفات الدراسية من خلال بنك ناصر الاجتماعي يكشف حجم الأعباء التي باتت تتحملها الأسر لتعليم أبنائها، رغم النص الدستوري على مجانية التعليم.

ويضيف أن كثيرا من الأسر المصرية تخلت خلال الأعوام الأخيرة عن جوانب عديدة من الترفيه، حتى تتمكن من الوفاء بالاحتياجات التعليمية لأبنائها. فعلى سبيل المثال، تلغي أسر لديها أبناء مقبلون على الثانوية العامة رحلاتها الصيفية، وتدخر تكلفتها لمواجهة النفقات المرتفعة المنتظرة خلال العام الدراسي.

كما زادت تكاليف التعليم الجامعي الخاص شعور بعض الأسر المتوسطة، حتى المنتمية إلى شرائحه الأعلى، بالإحباط، مع إحساسها بأن فرص أبنائها في الحصول على تعليم جيد تتراجع لمصلحة القادرين ماليا. ويحذر دياب من أن تداعيات هذه الأزمة لا تقتصر على الأسر، بل تمتد إلى جودة العملية التعليمية والعلاقة بين المعلم والطالب، بما ينذر باتساع الفجوة بين أجيال حصلت على فرصها بفضل قدرتها المالية، وأخرى حُرمت منها رغم استحقاقها.

العلامات

مقالات ذات صلة