تحتاج الصناعة المصرية لمزيد من العمالة الفنية المدربة، وقد وجدت جهة حكومية أنشئت خصيصًا لهذا الغرض، وهى مصلحة الكفاية الإنتاجية والتدريب المهنى التابعة لوزارة الصناعة، والتى كان من المفترض أن تكون المصدر الرئيسى لإعداد وتأهيل العمالة الفنية التى تحتاجها المصانع.
لكن السؤال الذى يفرض نفسه بقوة: هل ما زالت المصلحة تؤدى رسالتها التى أنشئت من أجلها؟ أم أن دورها تراجع .
يؤكد المستثمرون أن نقص العمالة الفنية المدربة أصبحت أحد أهم أسباب انخفاض الإنتاجية، وارتفاع نسب الفاقد، وزيادة تكاليف التشغيل، بل وتراجع القدرة على التوسع،وفى المقابل، تمتلك مصلحة الكفاية الإنتاجية عشرات مراكز التدريب والمدارس الفنية، التى كان من المفترض أن تمد السوق سنويًا بآلاف الفنيين المدربين فى مختلف التخصصات الصناعية. لكن هذا لم يتحقق لأسباب عديدة أهمها أن جميع مراكز التدريب وورشها خاوية وغير صالحة لا المعدات ولا مدربين منذ سنوات طويلة وتراكم المشاكل والمعوقات دون حلول.
وعدم تحديث المناهج لتواكب التكنولوجيا الحديثة، وهو ما ينعكس على مستوى الخريجين. وأصبح هناك متسع بين التدريب واحتياجات المصانع التى تضطر إلى إعادة تدريب العمال من الصفر بعد تعيينهم، رغم حصولهم على شهادات تدريب أو تعليم فنى من مصلحة الكفاية الإنتاجية وهو ما يمثل عبئًا ماليًا إضافيًا على المستثمرين، وهو ما يثير علامات استفهام وتساؤلات حول مدى توافق برامج التدريب الحالية التى تطبقها مصلحة الكفاية الإنتاجية مع احتياجات الصناعة. كما أن الثورة الصناعية الرابعة، والتوسع فى الرقمنة، تتطلب مهارات جديدة فى مجالات عديدة مثل التحكم الآلي، والروبوتات، والبرمجة الصناعية، والصيانة الذكية، وهى تخصصات تحتاج إلى تطوير مستمر للمناهج والإمكانيات.
هناك العديد من الانتقادات يوجهها القطاع الصناعى والمستثمرون لأداء ونشاط مصلحة الكفاية الإنتاجية فى السنوات الأخيرة حيث إنه أصبح يتركز بصورة أكبر على منح التراخيص لبعض الجهات الخاصة لإنشاء فصول أو مراكز تدريب مهني، بينما تراجع الاهتمام بتطوير منظومة التدريب الحكومية نفسها لغياب المعايير الصارمة للترخيص، وأيضاً الرقابة المستمرة على جودة التدريب، لعدم توافر الورش والمعدات والمدربين المؤهلين، حتى تحولت بعض الكيانات إلى مشروعات تهدف إلى تحقيق أرباح دون تقديم تدريب.
فالصناعة تحتاج إلى ثورة فى التدريب وإعادة إحياء دور مصلحة الكفاية الإنتاجية فى التدريب وهذا يتطلب خطة شاملة لتحديث جميع مراكز التدريب وورشها. وإدخال أحدث التكنولوجيات الصناعية فى برامج التدريب. والاستعانة بخبراء من القطاع الصناعى فى إعداد المناهج. مع ربط التدريب الفعلى باحتياجات المصانع وسوق العمل. وأن يتم تقييم أداء المراكز بصورة دورية وفق مؤشرات واضحة مع توفير حوافز للمتدربين للالتحاق بالمهن الصناعية.
لا شك أن إعادة هيكلة مصلحة الكفاية الإنتاجية، وتحديث مراكزها، وربطها مباشرة بالمناطق الصناعية واحتياجات المستثمرين، قد يكون أحد أهم ملفات الإصلاح خلال المرحلة المقبلة، حتى تستعيد دورها كمؤسسة وطنية لتخريج الكوادر الفنية، بدلاً من أن يُنظر إليها باعتبارها جهة إدارية يقتصر دورها على الإجراءات والتراخيص. فالاستثمار فى الإنسان هو الاستثمار الأكثر ربحًا، ولا يمكن بناء صناعة قوية دون منظومة تدريب مهنى قوية، قادرة على تخريج فنيين يمتلكون المهارة والانضباط والكفاءة التى تتطلبها الصناعة الحديثة.



