سياسة الجزيرة

صندوق ترمب للعدالة.. تعويض للمظلومين أم مكافأة للحلفاء؟

في مشهد يعكس ذروة الانقسام السياسي في واشنطن، فجرت إدارة ترمب قنبلة قانونية وسياسية بإعلانها إنشاء "صندوق مكافحة تسييس العدالة" بميزانية تبلغ 1.776 مليار دولار، فكيف استقبلها الديمقراطيون؟

صندوق ترمب للعدالة.. تعويض للمظلومين أم مكافأة للحلفاء؟
2 مشاهدة

اقرأ من المصدر

الجزيرة

زيارة المصدر

في خطوة فجّرت جدلاً سياسياً وقانونياً واسعاً في واشنطن، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إنشاء صندوق "مكافحة تسييس العدالة" بميزانية تبلغ ملياراً و776 مليون دولار، مبررة الخطوة بأنها محاولة لإنصاف من تعرضوا لـ"الاستهداف السياسي" خلال سنوات حكم الرئيس السابق جو بايدن، لكن منتقدي المشروع يرون فيه سابقة خطيرة قد تحول أموال الدولة إلى أداة لمكافأة الحلفاء السياسيين تحت غطاء قانوني.

وعلقت صحيفة واشنطن بوست على هذا الرقم قائلة إنه يستحضر تاريخ استقلال أمريكا، وأن ذلك لم يكن صدفة، بل هو رسالة رمزية لجمهور ترمب بأن هذا تذكير بأن إنفاق أموال دافعي الضرائب دون موافقة ممثليهم من شأنه أن يولد مشاعر ثورية.

اقرأ أيضا

وبدأت القصة بدعوى قضائية رفعها ترمب ضد مصلحة الضرائب الأمريكية بسبب تسريب إقراراته الضريبية خلال ولايته الأولى، وانتهت القضية بتسوية غير مسبوقة بين الرئيس والحكومة التي يقودها بنفسه، حيث تنازل ترمب وأبناؤه عن المطالبة بتعويضات مباشرة مقابل إنشاء الصندوق الجديد.

واشنطن بوست: هذه السابقة قد "تصبح قالباً جاهزاً لكل الرؤساء الأمريكيين لإغداق المنافع المالية على الأصدقاء والحلفاء دون مساءلة"

وترى افتتاحية واشنطن بوست أن ما حدث يمثل "نموذجاً جديداً للمدفوعات السياسية"، محذرة من أن هذه السابقة قد "تصبح قالباً جاهزاً لكل الرؤساء الأمريكيين لإغداق المنافع المالية على الأصدقاء والحلفاء دون مساءلة".

ويوضح تقرير في مجلة تايم أن الصندوق سيفتح الباب أمام كل من يعتبر نفسه ضحية لـ"التسييس" أو "الحرب القانونية" لتقديم طلبات تعويض أو الحصول على اعتذار رسمي من الحكومة الأمريكية، وتشير المجلة إلى أن وزارة العدل تؤكد عدم وجود "شروط حزبية" للاستفادة من الأموال، وأن لجنة من 5 أعضاء ستشرف على مراجعة الطلبات.

غير أن جوهر الاعتراض، كما تشير واشنطن بوست، يكمن في طريقة إدارة الصندوق، إذ إن أعضاء اللجنة سيعينهم المدعي العام، مع إمكانية عزلهم من قبل الرئيس، مما يثير مخاوف من غياب الاستقلالية وتحول الأموال إلى أداة سياسية.

وتقول الصحيفة إن هذا الترتيب يعني عملياً أن الأموال "ستذهب فقط إلى الأشخاص الذين يتعاطف معهم الرئيس".

وتزداد هذه المخاوف مع تقارير تحدثت عن احتمال استفادة شخصيات مقربة من ترمب، من بينهم بعض المتهمين في أحداث اقتحام الكابيتول في 6 يناير/كانون الثاني 2021، إضافة إلى شخصيات محافظة خضعت لتحقيقات خلال إدارة بايدن.

في المقابل، تدافع وزارة العدل عن المشروع باعتباره محاولة لـ"تصحيح أخطاء الماضي"، ونقلت تايم عن القائم بأعمال المدعي العام تود بلانش قوله: "لا ينبغي أبداً استخدام آلة الحكومة كسلاح ضد أي أمريكي"، مضيفاً أن الوزارة تسعى إلى "تصحيح الأخطاء التي ارتُكبت سابقاً وضمان عدم تكرارها".

أما عمن سيشملهم هذا التقرير فإن مجلة تايم حددتهم في ثلاث فئات:

  • المتهمين في أحداث 6 يناير/كانون الثاني وهم نحو ألف و600 شخص يزعمون تعرضهم لملاحقات جائرة.
  • حلفاء ترمب وهم الشخصيات التي خضعت لتحقيقات في قضايا الوثائق السرية أو التدخل في الانتخابات.
  • ضحايا ما يسمى "تسييس القانون"، ويشمل ذلك أي مواطن يثبت أنه استُهدف بناءً على معتقداته المحافظة.

لكن المعارضين يعتبرون أن المشكلة لا تتعلق فقط بهدف الصندوق، بل بطبيعته القانونية أيضاً، فبحسب واشنطن بوست، يستطيع أي شخص يدعي تعرضه لملاحقة ظالمة اللجوء أصلاً إلى القضاء التقليدي، أما إنشاء آلية تعويض استثنائية تديرها السلطة التنفيذية مباشرة، فهو التفاف على الضوابط القضائية والتشريعية المعتادة.

كما أعاد المشروع إلى الواجهة الجدل القديم حول سياسة "قدم دعوى قضائية واقبل بالتسوية" التي اتُّهمت إدارات سابقة باستخدامها لتمرير سياسات عبر التسويات القضائية بدلاً من المرور الكامل بالمؤسسات الديمقراطية، إلا أن الصحيفة ترى أن حالة ترمب تبدو أكثر خطورة، لأن الرئيس هنا "يجمع بين صفة المدّعي وصاحب القرار التنفيذي" في آن واحد.

ولإضفاء شرعية على الخطوة، استشهدت وزارة العدل -وفق تقرير تايم- بصناديق تعويض أُنشئت في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، بينها صندوق خُصص لمزارعين من السكان الأصليين اشتكوا من التمييز الحكومي، لكن منتقدي المشروع يشيرون إلى أن تلك الصناديق خضعت لإشراف قضائي واضح، بخلاف صندوق ترمب الذي وُلد من تسوية داخل الإدارة نفسها.

وايدن: صندوق مكافحة تسييس العدالة هو أكثر عمليات نهب أموال دافعي الضرائب وقاحة في تاريخ الرئاسة الأمريكية

الهجوم الديمقراطي جاء سريعاً وعنيفاً، إذ وصف نواب ديمقراطيون المشروع بأنه "شبح فساد لا مثيل له في التاريخ الأمريكي"، واعتبرت السيناتور الديمقراطية إليزابيث وورن أن ما يجري يمثل "مستوى جنونياً من الفساد"، في حين حذر السيناتور رون وايدن من أنه قد يتحول إلى "أكثر عمليات نهب أموال دافعي الضرائب وقاحة في تاريخ الرئاسة الأمريكية".

وبينما يرى أنصار ترمب في الصندوق رد اعتبار لمن تعرضوا لاستهداف سياسي، يرى خصومه أنه يفتح الباب أمام استخدام السلطة التنفيذية لإعادة توزيع الولاءات عبر المال العام، وبين الروايتين، يبقى السؤال الذي يهيمن على واشنطن اليوم هو: هل يمثل الصندوق عدالة تصحيحية طال انتظارها، أم بداية مرحلة جديدة من تسييس التعويضات الحكومية؟

العلامات

مقالات ذات صلة