حاوره / جمال فتحي
ليس لدينا طريق غير الآداب والفنون لاستعادة إنسانيتنا. بعد أن قتلنا الفلسفة
نعيش عصر ” المعرفة الومضية” والأجيال الجديدة ستهزم التحديات
النخبة العربية لا تتميز بالصدق الكافي للإسهام في النهضة
“منتدى أبوظبي للسلم” يقوم على المشتركات الإنسانية الكونية
حاوره / جمال فتحي
عندما يشتد الصخب ويعلو الضجيج ويتهافت السفهاء يميل أصحاب المعرفة والحكماء إلى العزلة والابتعاد ولكنه ليس الابتعاد السلبي وإنما الركون إلى الفعل الأكثر أثرا وهو فعل الكتابة والقراءة وهو ما يفضله الكاتب والمفكر محمد وردي الذي منحته الحياة تجربة واسعة في العمل والعيش في الغرب والشرق على السواء فانفتح على ثقافات مختلفة ومتباينة دفعته لتأمل تجربة التعايش والتسامح بين الشعوب والأجناس واختبر التعدد وتأمل حقيقة الاختلاف فكتب وأصدر:” من أين ندخل إلى التسامح” و”سرديات عربية” وغيرها من الكتب والمقالات ، فضلا عن بحوثه ودراساته في الأنسنة والتنوير وغيرها من القضايا الأدبية والثقافية بشكل عام نشرها في كثير من الدوريات والمجلات المتخصصة فضلا عن إسهامه وإدارته لمجلة “تعايش” التي تصدر عن ” منتدى أبو ظبي للسلم” ولوردي نظرات وتأويلات فلسفية تمس الراهن العربي والإنساني المعاش وترتجي مستقبلا للإنسان نأمل أن تتحقق فيه سعادة البشرية وتتخلص فيه من أحقادها السوداء.. الجمهورية الثقافي التقت وردي وحاورته في أفكاره وكتاباته.
حوار/ جمال فتحي
نريد أن ننطلق في حديثنا عن ثنائية التشدد مقابل التسامح.. لأن العالم العربي طبعاً موجوع في هذه المنطقة فما مدى احتياجنا لفكرة التسامح وكيف نصل لها وكيف ننجو من فخ التشدد المقيت ؟
= التشدد لا يظهر إلا في المجتمعات المأزومة، المجتمعات التي تعاني من مشكلات بنيوية. في هذه المجتمعات تنمو بذرة التشدد والتطرف عموماً. فالواقع العربي في أسوأ حال، يعني مع الأسف الشديد الحال يغني عن الحديث ويغني عن التعريف، من التمزق والاقتتال والأشلاء التي تتطاير والدماء التي تنزف في كل البقاع العربية، يعني هذا أبلغ تعبير عن الواقع الذي وصلت له أو إليه المجتمعات العربية. في النهاية التشدد والتطرف هو مجموعة كبيرة من الأزمات، مجموعة كبيرة من المشكلات تتراكم مع بعضها البعض. تبدأ من التربية والتنشئة الأسرية، وتصل إلى مرحلة التعليم ومرحلة العمل ومرحلة العلاقات الاجتماعية.
هناك مشكلات كثيرة وعديدة من أسباب التطرف، لكن هذا الحديث في الحالات الطبيعية، عندما تكون السيرورة الاجتماعية تمضي قدماً إلى الأفضل، أما عندما تكون رِدة أو نكسة أو عودة إلى الماضي، طبعاً الواقع أو مفهوم التطرف أو التشدد يختلف تماماً. فأنا ما بدأت به كمفهوم للتشدد هو نتيجة المجتمعات المأزومة التي تعاني فشلاً على كل المستويات..
كتبت كثيرا عن التسامح ولك كتب هامة في هذا الشأن منها ” كتابك من أين ندخل إلى التسامح ” وهو أيضا سؤالنا لك؟
بحثت هذه التفاصيل في كتابي المذكور فمن خلال رصدي لسيرة التسامح بآخر حضارتين العربية والغربية، اكتشفت أن في جذورنا الثقافية الأصيلة أكثر عراقة من كل ما يسمى بقيم التسامح في الثقافة الغربية. يعني عندما أتحدث عن قيم التسامح، التسامح في العربية مشتق من السماح، من الجود، من السعة، من المساهلة، والتسامح جزء من تفكيرنا وممارستنا. يعني عندما يقول أو تقول العرب “العفو عند المقدرة من شيم الكرام”، هذه أبلغ صور التسامح.
هذا جانب. الجانب الآخر ثقافة مكارم الأخلاق التي قامت في جوهرها على ما أسميه “تاج الأخلاق” وهو الكرم. وهذه الثقافة هي التي أنتجت “حلف الفضول” التاريخي قبل الإسلام، وهو أرقى وأنبل وأجمل وثيقة حقوقية إنسانية. فالتسامح إذاً في الثقافة العربية ليس طارئاً وليس مكتسباً. ثم جاء الإسلام، أعطاه بُعدا أي “شرعنه” أخلاقياً ودينياً. والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أسسه اجتماعياً من خلال “عهد المدينة”.. وهنا لابد من استعادة الفلسفة القائمة على الوعي العربي تاريخياً قبل الإسلام وبمراحل الإسلام الذهبية الأولى. وولأننا قتلنا الفلسفة بعد ابن رشد فليس لدينا طريق غير الآداب والفنون لاستعادة إنسانيتنا. بعد أن قتلنا الفلسفة.
– تقول ليس لدينا طرق غير الفنون والآداب وهذا عظيم ولكن أين ذهبت الفلسفة؟
= العقل العربي الآن ليس فلسفيا؛ نحن وأدنا الفلسفة على مدى ما يزيد عن 1000 عام. ، الفلسفة قتلناها من زمن ابن رشد. لم يعد ينتج العرب ولا المسلمون فلسفة منذ ابن رشد إطلاقاً. فلو أنهم أنتجوا فلسفة حقيقية لكانوا أنتجوا علماً حقيقياً، لأن العلم هو وليد الفلسفة. العلم بالمعنى العلمي هو وليد الفلسفة، لأن النظر الفلسفي في الوجود عندما يعتمد على المنطق والعقل يصل بيسر وسهولة إلى فرضيات ومقدمات صحيحة ونتائج وهذا هو العلم. فنحن لم نساهم بالعلم بعد عصورنا الزاهية الأولى
وكيف تصل بنا الفنون والآداب إلى ما نطمح إليه من مجتمعات ناضجة ومستنيرة؟
.. إن عتمات النفس القصية وأسرارها العميقة سيبقى العالم إلى ما شاء الله يبحث عنها ولن يصل إلى قرارها. وأجمل من يلامسها وأقرب من يلامسها ويضيء على عتماتها وعيوبها وقباحتها الآداب والفنون. لا الفلسفة، ولا علم الاجتماع، ولا التاريخ، ولا العلوم تستطيع أن تضيء عتمات النفس كما يفعل الأدب الجيد.. لكن للأسف لدينا مشكلة نمذجة وتكرار ونمطية قاتلة للتفرد..
– تحدثت عن دور الآداب، فهل تحدثنا عن شيء من هذا الأدب الذي تعنيه وحجم تأثيره في الإنسان ؟
إذا أردت أن أحكي في هذا الموضوع، سأعطيك مثلاً كتاب “فن الرواية”. انظر ماذا يقول كونديرا: “لقد اكتشفت الرواية واحدة بعد أخرى بطريقتها الخاصة وبمنطقها الخاص مختلف جوانب الوجود”. “تساءلت مع معاصري سرفانتس عما هي المغامرة، وبدأت مع صموئيل ريتشاردسون في فحص ما يدور في داخل الإنسان وفي الكشف عن الحياة السرية للمشاعر، واكتشفت مع بلزاك تجذر الإنسان في التاريخ، وسبرت مع فلوبير أرضاً كانت حتى ذلك الحين مجهولة هي أرض الحياة اليومية، وعكفت مع تولستوي على تدخل اللاعقلاني في القرارات والسلوك البشري”. “إنها تستقصي الزمن؛ اللحظة الماضية التي لا يمكن القبض عليها مع مارسيل بروست، واللحظة الحاضرة التي لا يمكن القبض عليها مع جيمس جويس، وتستوحي مع توماس مان دور الأساطير التي تهدي خطانا وهي الآتية من أعماق الزمن”. “إن الرواية التي لا تكشف جزءاً من الوجود لا يزال مجهولاً هي رواية لا أخلاقية”. ويختم: “إن المعرفة هي أخلاقية الرواية”. ويذهب لأبعد من هذا في كتاب “فن الرواية”، حيث يصل لمرحلة أن الرواية هي صانعة أوروبا وهادي اكتشافاتها.. وقبل كونديرا، هيرمان بروخ يقول إن الإنسان تمكن من اكتشاف ما يمكن للرواية وحدها دون سواها أن تكتشفه..
الكاتب والمفكر محمد وردي مع محاوره مدير القسم الثقافي بالجمهورية
(دور النخبة)
وأين دور النخبة في أزمات المجتمعات العربية؟
المشكلة أنه يوجد عقم عند النخبة أساساً. فالنخبة لا تتميز بالصدق الكافي للإسهام في النهضة المرجوة فالخبة مثلا في عصور النهضة الأوربية بجهودها ودأبها أنتجت عصر الأنوار .
= والمقصود بالنخب هنا .. يعني الأعلى درجة أو الأرقى. لكن بماذا يكون الأرقى؟ بإنتاجه العلمي، بإنتاجه المعرفي، بإنتاجه الثقافي عموماً، في الاقتصاد والاجتماع وغيرها.. هذه هي النخبة
– وكيف يسهم نظام التعليم بشكل عام في المجتمعات العربية في أن يضع المجتمعات على الطريق؟
= هناك علاقة بين التنشئة الأسرية والتعليم.. نحن عندنا مشكلات كبيرة. حتى أرقى الشخصيات، وكل أب وكل أسرة تريد أن ينشأ ابنها مثلها هذا طبيب وهذا محام وهذا ضابط وهكذا “.
= وهذا أصعب ما يمكن، لأنه يقتل التفرد في الشخصية. هذا التفرد ميزة بشرية أرادها الله سبحانه وتعالى على منوال تفرده، على شاكلة تفرده. فهذا التفرد، يعني بمعنى آخر لا يوجد كائن بشري إلا وعنده موهبة وخصوصية فائقة، عليه أن يكتشفها وأن يطورها، فأنت مثلا عندما تأخد ابنك أو بنتك وتكون أنت دكتور فتريده أن يكون دكتورا، لأنك ترى أن “الدكترة” هي الـ “توب” أو القمة.. هذا جزء من التربية والتنشئة الأسرية الخاطئة التي تصيب المجتمعات بالعقم.
بخصوص “منتدى أبو ظبي للسلم” هل قطع شوطاً في اتجاه ترسيخ مبادئ السلم والتسامح كمأ كانت التوقعات عند تأسيسه؟
مع الأسف الشديد المنتدى حقق إنجازات هائلة على المستوى الدولي، معروف على المستوى العالمي ولاقى قبولا هائلا. لكن على المستوى العربي مع الأسف.
وما سبب تغيير ” اسمه” واختيار صيغة جديدة له؟
. نحن نسعى دائماً من خلال منشوراتنا، وملتقياتنا السنوية، حتى نوصل هذه الرسالة إلى الواقع العربي. بالأساس، لما بدأ المنتدى كان اسمه “منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة”. يعني بالأساس هو توجه إسلامي لهذه المجتمعات. لكن فيما بعد صار اسمه “منتدى أبو ظبي للسلم”.. باعتباره صار محفلاً دولياً، يعني صار له مكانة دولية مرموقة، وبطبيعة الحال الخطاب وهو يتوجه إلى المجتمعات المسلمة، هذا الخطاب هو نفسه، هو ذاته يعني إنساني كوني يقوم على المشتركات الإنسانية الكونية، فلذلك بات اسمه منتدى أبوظبي للسلم.
(مشروع مستقبلى)
– قلت لي إن هناك كتب في الطريق تضاف للكتابات السابقة لك.. نريد أن تعطينا فكرة عنها وهل أنت مهموم بإنجاز مشروع معين بمجمل كتاباتك؟
أعمل على إنجاز عدة كتب ودراسات أهمهم وما يعتبر مشروع عمرى عن الحداثة بكل وجوهها مع ما قدمته من نعم لكنها انطوت على نقم كثيرة، هناك خلل في الحداثة.
وكيف رأيت الحداثة وتأثيرها على الإنسان ؟
الحداثة تقدم خيارات هائلة، كلها مرغوبة، كلها مطلوبة، ولكن عليك أن تصبح أسيراً لها..
العلم بدأ يفرض سلطة القوة. شكلا جديدا من أشكال السلطة. القوة مقابل الحق. القوة أو سلطة القوة هذه تجسدت في نظريات نيتشه وفي نظريات آخرين مثل هيجل أساسا وغيره النزعة القومية. وهذا مسار طويل.. العلم بدأ يعمل على تغريب وتشيئ الإنسان. يعني اليوم، التقنيات تقدم لك الكثير وتعد الإنسان بالعجائب، وليس أمامك الخيارات المتاحة كمتلقي كبني آدم عايش إلا إنك تكون مطيعا. ماذا يعني هذا؟ يعني سلبك حريتك، سلبك كرامتك، سلبك قيمتك الوجودية. تشييئك.. تصبح أنت شيئا تنتهي صلاحيته وينكب. لأنه اليوم أساساً بهذه الخوارزميات والرقمنة ، لم يعد مطلوبا المهارة والخبرة، المطلوب الكفاءة. والكفاءة ليست بهذا المعنى إنها مهارة وخبرة، الكفاءة في الطاعة، في الاستجابة للتحديات التي تواجهها الخوارزميات والرقمنة وما شاكل، هذا هو الواقع القائم. صار الناس سكارى وما هم بسكارى، يعني الكل يمسك الموبايل ولا يرى ولا يسمع.
تحديات العصر
.. نختم بسؤال عن الميديا والإعلام الحديث. هل صارت الصورة وكل أشكالها مسيطرة في العصر الجديد وإلى أين يذهب بنا شكل الإعلام الجديد في نظرك ؟
هذه التحولات الجارية سوف تتوالى وتتسارع أكثر من هذا بكثير طبعاً. وهذا أسميه المعرفة الومضية، وأنا صراحة لا تخيفني كثيراً. أنا مطمئن أن الجيل الجديد سوف يتعامل معها. لكن في لحظة ما يجب أن نقر بحقيقة، مفهوم العدالة والقيم وكلها نظريات ليست فاعلة، هكذا تقول لنا التقنيات الحديثة، هذه النظريات ليست فاعلة، القوة هي الفاعلة، فالأمم التي لا تمتلك وسائل أو أدوات القوة سوف تكون مغلوبة دائماً ويحصل بها ما يحصل. لكن أنا مطمئن أن الجيل الجديد سيعرف يتعامل معها مع كل أخطارها، مع كل مثالبها، مع كل مشكلاتها ونقمها، الإنسان قدره أن يواجه هذه التحديات، يعني أساس بقاء الإنسان واستمراريته اكتسبها من مواجهة التحديات، هذا هو شرط الوجود الأول أن ينتصر على التحديات.. وأنا طبعاً دائماً أثق أو على الأقل أميل للثقة بأن العقلاء والحكماء لن يموتوا من الزمان، أعني لن يغيبوا.
– لابد أن ينتصروا.



