عام الجزيرة

بين الذكريات والدموع.. حمد بن جاسم يروي الوجه الإنساني للأمير الوالد

لم يكن الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني يتحدث هذه المرة بصفته رئيسا سابقا للوزراء ووزيرا للخارجية، بل بلسان صديق فقد رفيق عمره.

بين الذكريات والدموع.. حمد بن جاسم يروي الوجه الإنساني للأمير الوالد
13 مشاهدة

اقرأ من المصدر

الجزيرة

زيارة المصدر

تحدث كرجل شارك الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحلة امتدت أكثر من أربعة عقود، شهدت ولادة قطر الحديثة، وانتهت عند لحظة وداع وصفها بأنها من أصعب لحظات حياته.

وفي حلقة خاصة من برنامج "المقابلة" مع الإعلامي علي الظفيري، غلبت فيه الذكريات على السياسة، واختلطت الإنجازات بالمشاعر، وصف الشيخ حمد بن جاسم رحيل الأمير الوالد بأنه "أمر جلل"، ليس بالنسبة لعائلته فحسب، وإنما بالنسبة لدولة ارتبط اسمها بمرحلة تحول تاريخية قادها الشيخ حمد بن خليفة.

وقال إن الأمير الوالد كان يردد دائما أن "عائلتي هي قطر"، وإنه ربى أبناءه على أن مصلحة الدولة تعلو على كل اعتبار، معتبرا أن هذه القناعة كانت المعيار الذي حكم قراراته السياسية والاقتصادية طوال سنوات توليه المسؤولية.

وأوضح أن علاقته بالأمير الوالد بدأت منذ الطفولة بحكم الصداقة التي جمعت والديهما، قبل أن تتحول إلى علاقة عمل مباشرة منذ عام 1982 عندما كان الشيخ حمد وليا للعهد.

وقال إن تلك السنوات أتاحت له متابعة أسلوبه في القيادة عن قرب، مشيرا إلى أنه كان قائدا يستمع إلى مختلف الآراء قبل اتخاذ القرار، لكنه لا يتردد في الحسم عندما يقتنع بما يراه مناسبا، كما كان يمتلك شجاعة التراجع عن القرار إذا تبين له أنه لم يكن صائبا.

وأضاف أن الأمير الوالد لم يكن يبحث عن مسؤول يحمل أخطاء الآخرين، بل كان يعتبر نفسه المسؤول الأول عن أي تقصير يقع داخل فريقه، ويقيس أداء المسؤولين بحجم ما يحققونه من إنجازات، لا بالأخطاء الفردية التي يمكن تصويبها.

ويرى الشيخ حمد بن جاسم أن هذه الثقافة الإدارية أسهمت في بناء فريق عمل ظل يعمل معه لسنوات طويلة، وأسست لمرحلة مختلفة في إدارة الدولة.

بناء مؤسسات حديثة

وأشار إلى أن قطر في مطلع الثمانينيات كانت دولة مستقرة، لكن الأمير الوالد كان يرى أن الاستقرار وحده لا يكفي، وأن المطلوب هو بناء مؤسسات حديثة تقوم على الانضباط وسيادة القانون. وأضاف أن تلك المرحلة شهدت إصلاحات داخل أجهزة الدولة ومؤسساتها، كما شملت إعادة تنظيم العمل الإداري والقضائي، وهي خطوات أثارت نقاشا واسعا في حينها، لكنها أرست، بحسب قوله، أسس الدولة الحديثة.

وكشف أن الأمير الوالد كان يشكل فرق عمل صغيرة لمناقشة الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويحرص على الاستماع إلى جميع الآراء قبل اتخاذ القرار، معتبرا أن نجاح أي مشروع يبدأ بحسن التخطيط، لا بردود الفعل الآنية.

ويرى الشيخ حمد بن جاسم أن الرهان الأكبر في تلك المرحلة كان مشروع استثمار الغاز، موضحا أن قطر كانت تعاني ظروفا مالية صعبة وديونا مرتفعة، فيما كانت أسعار النفط منخفضة، ولم يكن الغاز يحظى بالاهتمام الذي يتمتع به اليوم.

ورغم ذلك، أصر الأمير الوالد على المضي في المشروع، انطلاقا من قناعته بأن مستقبل البلاد يعتمد على استثمار حقل الشمال، حتى إن الحكومة كانت، بحسب تعبيره، تحتفل أحيانا بنجاحها في توفير رواتب الموظفين، بينما كانت تفاوض في الوقت نفسه على تمويل مشاريع بمليارات الدولارات.

منظور طويل الأمد

وقال إن الأمير الوالد لم يكن يفكر بمنطق الاحتياجات الآنية، بل بمنظور طويل الأمد، مستشهدا بقراراته المتعلقة بالمشاريع الكبرى. فعندما اقترحت الجهات المختصة إنشاء ميناء بطاقة استيعابية محدودة، طالب بمضاعفة قدرته عدة مرات، كما طلب زيادة الطاقة الاستيعابية للمطار الجديد إلى مستويات رأى البعض أنها مبالغ فيها آنذاك، قبل أن تثبت السنوات صحة تلك الرؤية مع النمو الذي شهدته البلاد.

وأضاف أن الأمير الوالد كان يتعامل مع الأزمات بهدوء لافت، ويطلب عرض المشكلة كاملة قبل البحث عن حلولها، ولم يكن يفضل الحلول المؤقتة، بل كان يميل إلى معالجة جذور الأزمات، حتى لو استدعى ذلك اتخاذ قرارات صعبة.

وتطرق الشيخ حمد بن جاسم إلى بدايات تأسيس الخطوط الجوية القطرية، موضحا أن المشروع بدأ في ظل إمكانات مالية محدودة، وأن الأمير الوالد وفر له الدعم والثقة للمضي فيه، حتى أصبحت الشركة لاحقا واحدة من أبرز شركات الطيران في العالم.

كما أشار إلى أن عائدات الغاز لم توجه إلى الإنفاق الاستهلاكي، وإنما إلى بناء البنية التحتية، وإنشاء جهاز قطر للاستثمار، الذي تحول لاحقا إلى أحد أكبر الصناديق السيادية عالميا.

تأسيس قناة الجزيرة

وفي حديثه عن الإعلام، قال الشيخ حمد بن جاسم إن تأسيس قناة الجزيرة جاء انطلاقا من قناعة الأمير الوالد بأهمية وجود منبر إعلامي مستقل في العالم العربي. وأضاف أن القناة واجهت منذ انطلاقها ضغوطا سياسية متواصلة، وأن قطر تلقت مطالب متكررة بإغلاقها أو الحد من دورها، فضلا عن عروض لشرائها، لكن الأمير الوالد تمسك باستمرارها، معتبرا أن حرية الإعلام جزء من مشروع الدولة، وهو ما تجسد أيضا في قراره إلغاء وزارة الإعلام.

وعلى الصعيد السياسي، أوضح أن الأمير الوالد كان مؤمنا بالعمل الخليجي والعربي في الوقت نفسه، وأن القضية الفلسطينية احتلت مكانة خاصة في اهتمامه. وقال إن هذا الاهتمام استمر حتى أيامه الأخيرة، إذ كان يتابع أخبار المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، ويسأل عن تفاصيلها، بما في ذلك نوعية المواد الغذائية التي ترسل إلى سكان القطاع، في انعكاس لارتباطه المستمر بالقضية الفلسطينية.

كما استعاد الشيخ حمد بن جاسم اهتمام الأمير الوالد بالهوية الوطنية، مشيرا إلى متابعته الشخصية لمشروع إعادة تأهيل سوق واقف، ودعمه للمتاحف والفنون، وإيمانه بأهمية الاستثمار في التعليم، وهو ما انعكس في دعم المدينة التعليمية ومشاريع تطوير القطاعين الصحي والثقافي.

التنازل عن الحكم

ووصف قرار التنازل عن الحكم عام 2013 بأنه أحد أكثر القرارات جرأة في تاريخ المنطقة، موضحا أن الأمير الوالد كان يفكر فيه منذ سنوات، وأنه رأى في انتقال السلطة إلى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ضمانا لاستمرار مشروع الدولة وتجديد دمائها. وأضاف أن القرار لم يكن وليد لحظته، بل جاء بعد تقييم طويل لمرحلة بناء المؤسسات وإعداد جيل جديد قادر على تحمل المسؤولية.

وأكد أن الأمير الوالد، بعد مغادرته الحكم، التزم بعدم التدخل في إدارة الدولة، مكتفيا بمتابعة مسيرة قطر والاطمئنان إلى استمرار مشروعها التنموي، معربا عن سعادته بما تحقق في عهد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي رأى فيه امتدادا للمسار الذي بدأه.

واستعاد الشيخ حمد بن جاسم عددا من المواقف الإنسانية التي قال إنها تعكس شخصية الأمير الوالد، ومنها قوة ذاكرته ووفاؤه لمن عرفهم في شبابه، إذ عاد بعد سنوات من ترك الحكم إلى متجر صغير في منطقة الريان القديمة بحثا عن صاحبه الذي كان يساعده في طفولته، كما كان لا يتردد في الاعتذار إذا شعر بأنه أخطأ في حق أحد، حتى لو مرت سنوات طويلة على ذلك.

وأضاف أن الأمير الوالد ظل يحتفظ بعادة متابعة المشاريع ميدانيا، والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة، والاستماع إلى آراء العاملين، معتبرا أن نجاحه لم يكن نتيجة وفرة الموارد وحدها، بل ثمرة رؤية بعيدة المدى وإصرار على تنفيذها رغم الصعوبات.

وعندما سئل الشيخ حمد بن جاسم في ختام الحوار عما فقده برحيل الأمير الوالد، توقف للحظات وغلبه التأثر، قبل أن يكتفي بالقول إن الحديث عن هذا الفقد صعب، في لحظة اختزلت علاقة امتدت أكثر من أربعة عقود، جمعت بين قائد قاد مشروعا غير وجه قطر، ورفيق درب شاركه كثيرا من محطات ذلك المشروع، وظل حتى اللحظة الأخيرة شاهدا على مسيرته.

العلامات

مقالات ذات صلة