يطرح كتاب الباحث السنغالي مامادو ديوف "أفريقيا في زمن العالم" سؤال "من يكتب تاريخ أفريقيا؟" في قلب النقاش العام. فبين تقرير لجنة تياروي الذي أعاد فتح ملف مجزرة معسكر تياروي عام 1944 في السنغال، وحركة استرداد التراث والتعويضات التي تتسع على مستوى القارة، يتحول السؤال من مسألة أكاديمية إلى مطلب سياسي واجتماعي يطال الاعتراف والعدالة التاريخية.
ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025 قدم المؤرخ مامادو ديوف تقريرا رسميا إلى الرئاسة السنغالية خلص إلى أن إطلاق النار على جنود أفارقة في معسكر تياروي كان متعمدا ومخططا له وأن عدد الضحايا أكبر بكثير من الرواية الفرنسية الرسمية. ولم يقتصر هذا التقرير على إعادة قراءة حدث واحد بل صار جزءا من موجة أوسع تطالب بإعادة كتابة فصول الاستعمار على أساس شهادات الضحايا والأرشيف المحلي. في الوقت نفسه، أطلق الاتحاد الأفريقي مبادرات رسمية لتعزيز موقف موحد حول التعويضات واسترداد الممتلكات الثقافية.
الكتاب منطلق لإعادة كتابة السرد التاريخي
يجمع ديوف في كتاب "أفريقيا في زمن العالم" مقالات نقدية تهدف إلى تفكيك السرديات الاستعمارية وإعادة إدماج أفريقيا في صلب الفكر التاريخي العالمي. ويركز على محاور عدة منها نقد الجداول الزمنية الأوروبية، ودور الأدب والسينما في إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية، وجهود المثقفين الأفارقة في مقاومة الروايات المهيمنة. كما يقدم الكتاب مزيجا من التحليل الأكاديمي والقراءات الثقافية التي تسعى إلى تحويل التاريخ من نص يروى عن أفريقيا إلى تاريخ تشارك القارة في كتابته.
تجمع تجربة ديوف بين العمل المؤسسي والبحث الميداني، من رئاسة لجان رسمية إلى المشاركة في ندوات دولية حول الأرشيف والاسترداد. فقد دعت توصيات لجنة تياروي التي ترأسها إلى اعتذار رسمي ومساءلة قانونية، ما يوضح كيف يمكن للبحث التاريخي أن يتحول إلى أداة للعدالة. ويعكس حضور ديوف في ساحات النقاش الدولية تحول المؤرخ من راصد إلى فاعل يسعى لتغيير شروط الخطاب التاريخي والسياسي.
تداعيات سياسية وثقافية
تشير التحركات التشريعية في فرنسا وخطط الاتحاد الأفريقي لاسترداد التراث وفتح ملف التعويضات إلى أن مسألة من يكتب التاريخ لم تعد حبيسة المكتبات. فاسترداد الأعمال الفنية وإعادة الاعتبار لضحايا المجازر الاستعمارية يفتحان مسارات جديدة للمساءلة والاعتراف. في المقابل، يواجه هذا المسار تحديات عملية وقانونية وسياسية تتطلب توافقا إقليميا ودوليا وإرادة سياسية قوية.
وفي زمن الاستردادات والتعويضات يبقى السؤال الذي يطرحه العنوان قائما وملحا: من يكتب تاريخ أفريقيا؟ كتاب مامادو ديوف لا يقدم إجابة نهائية بل يوسع فضاء السؤال، محولا الكتابة التاريخية إلى ساحة صراع على الذاكرة والعدالة والهوية. في هذا الزمن، يصبح التاريخ ميدان عمل سياسي وثقافي، وكتابة التاريخ مشاركة تتطلب إعادة توزيع السلطة على من يملك حق السرد والاعتراف.


