أثار إعجابى ما طرحه بالأمس الأستاذ والصديق الفاضل/ أيمن جبر، رئيس مجلس إدارة جمعية بورسعيد التاريخية بخصوص جريمة هدم مبنى البوستة الفرنسية التاريخى والأثرى، الذى يعود تاريخ إنشائه إلى عام 1867 «أى قبيل افتتاح قناة السويس للملاحة بعامين» فى مدينة بورسعيد.
فليست القضية مجرد مبنى قديم يختفى من شارع عريق أو فيلا تاريخية تتحول إلى كومة من الأنقاض، إنما هى قضية وطن يفقد صفحات من تاريخه وهويته وجزءًا من شخصيته الحضارية التى تراكمت عبر قرون. فما يحدث فى عدد من المحافظات المصرية «وبالخصوص مدينة بورسعيد التى تمتلك ما لا يقل عن ١٠٪ من المبانى التراثية» من هدم لمبان تراثية نادرة لم يعد مجرد وقائع متفرقة، بل أصبح ظاهرة تستدعى تحركًا تشريعيًا عاجلًا قبل أن نفقد ما لا يمكن تعويضه.
لقد صدر القانون رقم 144 لسنة 2006 بهدف حماية المبانى والمنشآت ذات الطراز المعمارى المتميز ومنع العبث بها أو إزالتها، باعتبارها جزءًا من التراث العمرانى المصرى. وكانت الفلسفة التى قام عليها القانون واضحة، الحفاظ على الهوية المعمارية للمدن المصرية وصون الشواهد التى تحكى تاريخها.
لكن التطبيق العملى كشف عن وجود ثغرات قانونية وإجرائية استغلها البعض لتحقيق مكاسب استثمارية سريعة على حساب المصلحة الوطنية.. فأصبحت بعض المبانى التراثية «رغم تسجيلها» عرضة للهدم بعد اللجوء إلى مسارات قانونية أو إدارية تفضى، فى بعض الحالات، إلى رفعها من قوائم الحماية أو الالتفاف على الضوابط المنظمة، لتختفى مبان كانت تمثل قيمة تاريخية ومعمارية لا تقدر بثمن.
والخسارة هنا ليست خسارة عقار فقط، إنما خسارة جزء من الذاكرة المصرية.. فالمبانى التراثية ليست حجارة وأسقفًا، بل سجل مفتوح لتاريخ المجتمع وشاهد على تطور الفن والعمارة ورافد مهم للسياحة الثقافية، التى تسعى دول العالم إلى تنميتها باعتبارها مصدرًا للدخل والقوة الناعمة.
ومن المؤسف أن دولًا كثيرة تنفق المليارات لإحياء مبان يتجاوز عمرها مائة عام، بينما نشهد فى مصر هدم مبانٍ فريدة كان يمكن أن تتحول إلى متاحف أو مراكز ثقافية أو فنادق تراثية أو مقاصد سياحية تضيف للاقتصاد الوطنى بدلًا من استبدالها بكتل خرسانية متشابهة لا تحمل أى قيمة تاريخية أو جمالية.
إن الحفاظ على التراث العمرانى ليس رفاهية ولا يتعارض مع التنمية أو الاستثمار، بل إن الاستثمار الحقيقى هو الذى يوظف هذا التراث ويستفيد منه دون القضاء عليه. وتجارب العديد من دول العالم تؤكد أن المبانى التاريخية أصبحت عنصرًا رئيسيًا فى التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات والسياحة.
ومن هنا فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى سد الثغرات التى كشفت عنها التجربة العملية للقانون رقم 144 لسنة 2006، بما يحقق التوازن بين حقوق الملاك من ناحية وحق المجتمع فى الحفاظ على تراثه من ناحية أخرى، مع وضع آليات أكثر صرامة تمنع التحايل على القانون وتشدد العقوبات على كل من يتسبب عمدًا فى إهدار هذا التراث.
وأوجه، من خلال هذا المقال، نداء إلى الحكومة المصرية بالإسراع فى إحالة مشروع قانون تعديل القانون رقم 144 لسنة 2006 إلى مجلس النواب حتى يناقشه البرلمان ويقره فى أقرب وقت ممكن.. فكل يوم يمر دون تحديث التشريع قد يعنى فقدان مبنى جديد لا يمكن استعادته وإضافة صفحة أخرى إلى سجل خسائر التراث المصرى.
كما نناشد أعضاء مجلس النواب أن يمنحوا هذا المشروع أولوية قصوى لأنه لا يتعلق بمبان فقط، بل بحماية هوية مصر وتاريخها وحق الأجيال القادمة فى أن ترى بأعينها ما صنعه الآباء والأجداد.
إن مصر التى تبهر العالم بترميم طريق الكباش وإحياء القاهرة التاريخية وتطوير المتحف المصرى الكبير قادرة أيضًا على حماية تراثها المعمارى فى المحافظات كافة، إذا توافرت الإرادة التشريعية وسُدت الثغرات القانونية التى تهدد هذا التراث.
فالحضارات لا تقاس بما تبنيه فقط، إنما أيضًا بما تنجح فى الحفاظ عليه. وإذا كانت الآثار الفرعونية عنوانًا لعظمة مصر القديمة فإن المبانى التراثية الحديثة هى سجل مصر فى القرنين التاسع عشر والعشرين وحمايتها ليست مسئولية الحكومة وحدها بل مسئولية وطن بأكمله.
إن إنقاذ التراث العمرانى اليوم ليس دفاعًا عن الماضى، بل استثمار فى المستقبل وحماية لذاكرة أمة تستحق أن تبقى حاضرة فى وجدان أبنائها لا أن تتحول إلى صور فى كتب التاريخ.



