رياضة الجزيرة

حين طلبت والدة جاسم الصحيح "خزنة مجوهراتها".. كيف يصنع البيت قصيدة؟

من عبارة عابرة قالتها والدته وهي تشير إلى علبة الدواء، خرجت قصيدة جاسم الصحيح "الخزنة". حكاية عن الإصغاء إلى لغة البيت، حين يتحول الدواء من علامة مرض إلى سجل للعمر والذاكرة والإرث.

حين طلبت والدة جاسم الصحيح "خزنة مجوهراتها".. كيف يصنع البيت قصيدة؟
7 مشاهدة

اقرأ من المصدر

الجزيرة

زيارة المصدر

دخل جاسم الصحيح على والدته، فرأى علبة أدويتها بعيدة عنها. طلبت منه أن يناولها ما سمته: "خزنة مجوهراتي". لم تكن تقصد ذهبا ولا عقدا. كانت تشير إلى علبة الحبوب والأدوية.

يقول الشاعر السعودي في حديثه إلى بودكاست "كناية" على منصة أثير، إن العبارة هزته: "هذا شعر ولا مو شعر؟". ومن تلك اللحظة كتب قصيدته "الخزنة"، حيث لا تعود علبة الدواء شيئا يجاور المريض في أيامه الثقيلة، بل تصبح صندوقا للعمر نفسه، ولما يورثه الجسد للأبناء.

منْ عُلْبَةٍ نَحْوَ أُخْرَى بِتُّ أَرْكُضُ بِي   …   مُسْتَهْلِكاً عُمْرِيَ المَخْزُونَ فِي العُلَبِ

لِي خُزْنَةٌ مِنْ عَقَاقِيرٍ غَنِيتُ بِهَا   …   عَنْ خُزْنَةٍ مِنْ عُقُودِ الدُّرِّ وَالذَّهَبِ

في هذا الانتقال تكمن حكاية القصيدة: ليست الكتابة اختراعا لصورة بعيدة عن الحياة، بل إصغاء إلى صورة كانت موجودة في الكلام اليومي، قبل أن يلتقطها شاعر ويكشف ما تخبئه. ونعيش هذه التفاصيل في الحلقة الكاملة التي يمكن مشاهدتها عبر الرابط التالي: كيف تكون مهندسًا وشاعرًا في الوقت ذاته؟ | بودكاست كناية – جاسم الصحيح

أم لا تسمي الاستعارة باسمها

حين عاد الصحيح إلى ذاكرته في الحلقة، لم يتحدث عن دروس بلاغة تلقاها في المدرسة بقدر ما تحدث عن أمه ولغتها. قال إن كبار السن "يتكلمون شعرا من دون أن يعوا أنهم شعراء"، واستعاد أمثلة من حديثها ظلت عالقة في ذهنه منذ الصبا.

قبل زواجه بسنوات، كانت الأم تقول له: "يا ولدي لا تلبس ثوبا أطول منك تتعثر فيه، ولا تلبس ثوبا أقصر منك يعيبون عليك الناس". لم تكن تشرح له نظرية في التناسب الاجتماعي، بل تستخدم الثوب لتقول ما تراه عن الزواج واختلاف البيئات والقدرة على حمل تبعات الاختيار.

وفي مثال آخر، شبهت الناس بالنخلة. جذع واحد، لكن أجزاءه توزع بحسب مواضعها واستخداماتها: جزء في سقف المسجد، وآخر في سقف الحسينية، وثالث في البيت، ورابع في موضع أقل قدرا. ليست الفكرة في صحة هذا التقسيم أو تعميمه، بل في الطريقة التي تحولت بها النخلة، وهي من أكثر مفردات البيئة الأحسائية حضورا، إلى خريطة أخلاقية لفهم الناس.

هذه ليست "بلاغة البسطاء"، وهي تسمية قد تحمل حكما مسبقا على أصحابها. الأدق أنها بلاغة البيت: لغة لا تحتاج إلى مصطلحات النقد كي تصنع تشبيها نافذا، ولا إلى قصيدة مكتوبة كي تحفظ تجربة كاملة في جملة واحدة.

حين يصير الدواء إرثا

لكن عبارة "خزنة مجوهراتي" لم تمنح الصحيح صورة جميلة فحسب. لقد فتحت أمامه بابا أوسع: ماذا يعني أن يكبر الإنسان بين علب الدواء؟ ومتى تتحول الحبة من علاج عابر إلى سجل للعمر؟

في قصيدة "الخزنة" لا يلمع الدواء لأنه ينهي الألم، بل لأنه يشتري وقتا إضافيا في مواجهة العطب:

إِذَا فَتَحْتُ مِنَ الأَقْرَاصِ عُلْبَتَهَا … ظَفَرْتُ مِنْهَا بِأَيَّامٍ بِلَا عَطَبِ

ثم تنقلب الصورة من تجربة فردية إلى ذاكرة عائلية:

هَذِي كُنُوزِي وَأَخْشَى أَنْ أُوَرِّثَهَا … إِلَى بَنِيَّ فَقَدْ كَانَتْ كُنُوزَ أَبِي

هنا لا يتعامل الشاعر مع المرض بوصفه استعارة مجردة. فـ"الكنوز”" التي يخشى توريثها ليست مالا ولا حليا، بل أمراضا وأدوية وقلقا يعرفه من سبقوه. لذلك تصبح الخزنة سجلا مزدوجا: تسجل ما يأكله الجسد من العمر، وما يحاول الدواء تأجيله، وما يمكن أن يعبر من جيل إلى آخر.

وحين يقول:

هُنَا كِتَابُ حَيَاتِي فِي حَقِيقَتِهَا … حَيْثُ الحُبُوبُ حُرُوفِي وَالضَّنَى أَدَبِي

فهو لا يزين الوجع ولا يحوله إلى بطولة. القصيدة تفعل شيئا آخر: تعيد ترتيب النظر. علبة الأدوية التي قد يمر بها الناس في البيت من دون انتباه، تصبح وثيقة عن هشاشة الجسد، وعن الوقت الذي لا يستعاد لكنه قد يؤجل.

القصيدة تبدأ قبل الورقة

ثمة تصور شائع عن الشعر يفصله عن الحياة العادية: شاعر يجلس أمام الورقة، يبحث في المعاجم، ثم يصنع عالما لا يشبه ما يقال في البيوت. لكن حكاية "الخزنة" تقترح مسارا مختلفا.

الأم قالت عبارتها كي تصل إلى دوائها، لا كي تكتب قصيدة. والابن لم يصنع العبارة، بل التقط المفارقة الكامنة فيها: المجوهرات عادة ما تحفظ لأنها ثمينة، أما الأدوية فتحفظ لأنها ما تبقى للإنسان من وسائل مقاومة الوهن. كلاهما موضوع في خزنة، لكن قيمة كل منهما تقاس في عالم مختلف.

لهذا لا تبدأ القصيدة عند القافية، بل قبلها بكثير: في القدرة على الانتباه إلى اللغة حين تظهر في مكان لا ينتظر فيه أحد الأدب. الشاعر لا ينقل كلام البيت كما هو، بل يضعه في سياق جديد يكشف امتداداته: المرض، العمر، الأب، الأبناء، والخوف من أن يصبح ما ورثه الجسد نصيبا لمن بعده.

ربما لهذا بدت عبارة الأم أكبر من وصف علبة أدوية. هي جملة صغيرة تحمل مفارقة بأن يتحول ما لا يرغب أحد في امتلاكه إلى أغلى ما يملكه حين يصبح شرطا لاستمرار الأيام.

في قصيدة جاسم الصحيح، لا تختفي الأم خلف النص، بل تبقى في أصله: امرأة تشير إلى علبة دوائها وتمنح ابنها، من دون قصد، مفتاح قصيدة عن الجسد والزمن والإرث.

ذلك هو شعر البيت: لا يهبط من برج اللغة، بل يولد حين ينصت أحدهم جيدا إلى ما تقوله الحياة وهي تمضي.

العلامات

مقالات ذات صلة