صحة جريدة الجمهورية

المرأة: معجزة للخَلْق

إذا تأمل الإنسان في أعظم آيات الله تعالى في هذا الكون، فإن السماوات والأرض والجبال والبحار والنجوم تملأ قلبه رهبةً وإعجاباً. ومع ذلك، وبين هذه الآيات الكونية العظيمة، توجد معجزة حيّة يجدد الله تعالى بها الحياة الإنسانية جيلاً بعد جيل، ألا وهي المرأة. وعندما نستعرض صفحات التاريخ، نرى إمبراطوريات عظيم...

المرأة: معجزة للخَلْق
2 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

إذا تأمل الإنسان في أعظم آيات الله تعالى في هذا الكون، فإن السماوات والأرض والجبال والبحار والنجوم تملأ قلبه رهبةً وإعجاباً. ومع ذلك، وبين هذه الآيات الكونية العظيمة، توجد معجزة حيّة يجدد الله تعالى بها الحياة الإنسانية جيلاً بعد جيل، ألا وهي المرأة.

وعندما نستعرض صفحات التاريخ، نرى إمبراطوريات عظيمة، وصروحاً شامخة، واكتشافات علمية غيرت وجه العالم، وحكمة الفلاسفة، وإنجازات القادة والعظماء.

والناس بحق يكرمون أولئك الذين صنعوا التاريخ، ولكنهم كثيراً ما يغفلون عن أعظم حقيقة، وهي أن كل واحد من هؤلاء دخل هذا العالم أولاً عن طريق امرأة.

إنها حقيقة لا تقبل الجدل: فمنذ سيدنا آدم عليه السلام، جاء كل نبي ورسول، وكل ولي صالح، وكل ملك وحاكم، وكل عالم ومفكر، وكل غني وفقير، وكل عامل ومبدع، إلى هذه الدنيا عبر رحم امرأة، وذلك كله بأمر الله تعالى وتقديره.

فالمرأة ليست مجرد فرد في المجتمع، بل هي أُم الإنسانية، والجسر الحي الذي جعله الله تعالى بين العدم والوجود، والذي لولاه لما استمرت الحياة البشرية على وجه الأرض.

إن النظام الذي اختاره الله تعالى لخلق الإنسان من أعظم دلائل حكمته. فلم يجعل استمرار البشرية في مصنع، ولا في آلة، ولا في أي وسيلة صناعية، بل أودع هذه الأمانة العظيمة في رحم المرأة، ذلك الموطن المقدس الذي تبدأ فيه رحلة كل إنسان إلى الحياة الدنيا.

ولمدة تقارب تسعة أشهر، تتقاسم الأم مع جنينها غذاءها، وأكسجينها، وقوتها، وراحتها، ونومها، وطاقتها. وخلال هذه الرحلة المباركة، يمر جسدها ونفسها وعواطفها بتغيرات هائلة لا يدرك حقيقتها إلا من عاشها.

ثم تأتي لحظة الولادة، وهي من أعظم ما يتحمله الجسد البشري من مشقة وألم. وعلى الحد الفاصل بين الحياة والموت، تضع الأم مولوداً جديداً أودع الله تعالى فيه الروح، فتحتضن هذه التضحية بكل حب، لتستمر مسيرة الإنسانية.

ومع ذلك، فإن عطائها لا ينتهي عند الولادة، بل هناك تبدأ مرحلة جديدة من البذل والعطاء.

فيحوّل جسدها غذاءها إلى لبن، فتغذي طفلها وتحفظ حياته. وتضحي بنومها، وراحتها، ووقتها، وكثيراً ما تضحي بأحلامها وطموحاتها، من أجل رعاية طفلها الضعيف وحمايته وتربيته.

إنها خدمة عظيمة لا يمكن لأي قيمة مادية في الدنيا أن تفي بحقها.

يفتخر كثير من الرجال بالقوة الجسدية والقدرة الظاهرة، ولكن لو أُسند إلى ذلك الرجل نفسه حمل مسؤولية رعاية مولود جديد ليلاً ونهاراً، مع السهر والبكاء والمرض والإرضاع والرعاية المستمرة، لأدرك سريعاً مدى عظمة هذه المسؤولية وثقلها.

وليس في ذلك انتقاص من الرجل، بل هو من كمال حكمة الله في خلقه.

فالقوة الحقيقية لا تُقاس بعضلات الجسد، وإنما تُقاس بالصبر، والرحمة، والتحمل، والتضحية، والشفقة، والمحبة غير المشروطة.

وفي هذه الصفات تتجلى بطولة صامتة تظهرها ملايين الأمهات كل يوم، دون أن يلتفت إليها كثير من الناس.

لقد أودع الله تعالى في طبيعة المرأة من الصبر، والحنان، والثبات، والقدرة النفسية، ما يجعل حضنها أول وطن للإنسان، وأول مدرسة، وأول تجربة يعيش فيها معنى الحب الذي لا ينتظر مقابلاً.

ومع أن الأمومة من أعظم الأوسمة التي منحها الله تعالى للمرأة، فإن كرامتها لا تقتصر على الأمومة وحدها.

فهي ابنة تستحق الحب والرعاية، وهي أخت تستحق الاحترام والتقدير، وهي زوجة وفية تستحق المودة وحسن المعاشرة، وهي عالمة تطلب العلم، ومعلمة تبني الأجيال، وطبيبة تداوي المرضى، ورائدة أعمال، وقائدة تخدم مجتمعها، وقبل كل ذلك هي أمة لله تعالى، تُقاس منزلتها عنده بالإيمان، والتقوى، والاستقامة، وحسن الخلق.

إن كل مرحلة من مراحل حياة المرأة مملوءة بالشرف، والغاية، والكرامة، والقيمة العظيمة عند الله سبحانه وتعالى.

لقد منح القرآن الكريم المرأة، ولا سيما الأم، مكانة سامية، وذكّر الإنسان مراراً بعظيم ما تتحمله أمه من مشقة.

  • قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾
  • وقال سبحانه: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾
  • كما قال تعالى في وصف العلاقة المباركة بين الزوجين: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

إن هذه الآيات الكريمة لا تكتفي بوصف حقائق الحياة، بل تجعل تكريم المرأة والاعتراف بتضحيات الأم أصلاً من أصول الإيمان، والأخلاق، والشكر، والحضارة الإنسانية.

منذ سيدنا آدم عليه السلام وحتى يومنا هذا، دخل كل إنسان وطئت قدماه هذه الأرض عبر بوابة واحدة، هي رحم المرأة، وذلك بأمر الله تعالى، فكل نبي، وكل ولي، وكل عالم، وكل مصلح، وكل قائد، وكل معلم، وكل عامل، وكل ملك، كان يوماً طفلاً ضعيفاً يعتمد اعتماداً كاملاً على حب أمه، ورعايتها، وصبرها، وتضحيتها.

فلولا المرأة، لما وُجدت الأسرة، ولولا الأسرة، لما قامت المجتمعات، ولولا المجتمعات، لما وُجدت الأمم، ولولا المرأة، لتوقفت الحضارة الإنسانية بأسرها.

ليست هذه كلمات شاعر، بل هي حقيقة لا يمكن إنكارها.

أيها الرجل… لا تنسَ أبداً أن أول بيت سكنته كان رحم امرأة، وأن أول معلمة في حياتك كانت أمك.

إن البشرية اليوم، والرجال على وجه الخصوص، بحاجة إلى وقفة صادقة مع ضمائرهم.

فكل نجاح، وكل إنجاز، وكل منصب، وكل لقب، وكل مكانة بلغها الإنسان، إنما قامت على حياة بدأت أولاً تحت رعاية امرأة.

  • إن احترام المرأة ليس منّةً تُمنح لها، بل هو وفاء لدينٍ لا يمكن للبشر أن يؤدوه كاملاً.
  • احمها.
  • وأكرمها.
  • وأحبها.
  • واعترف بتضحياتها.
  • وأعطها المكانة التي منحها الله تعالى لها.
  • فالمجتمع الذي يكرم نساءه، ينشئ أجيالاً كريمة، ويقوي الأسرة، ويحفظ الأخلاق، ويبني حضارة باقية.
  • أما المجتمع الذي يهين المرأة، فإنه لا يدمر المرأة وحدها، بل يبدأ في تدمير نفسه ببطء.

رسالة صامتة إلى كل رجل

أيها الرجل…

  • إذا افتخرت بقوتك، فتذكر بدايتك.
  • لقد كنت يوماً طفلاً عاجزاً، يعتمد كل نفس من أنفاسه، وكل نبضة من قلبه، وكل أمل في حياته، على وجود امرأة.
  • كل خلية في جسدك تشهد على تضحيتها.
  • وكل نجاح وصلت إليه يعود في أصله إلى صبرها.
  • وكل خطوة تخطوها اليوم بدأت بحب أمك، ورعايتها، وصبرها.

السلام على كل أم صالحة، جعل الله الجنة تحت قدميها، كما أخبر بذلك سيدنا محمد ﷺ.

والسلام على كل امرأة أكرمها الله تعالى بنعمة احتضان الحياة الإنسانية، فجعلها المعجزة الحية للخلق، والبوابة العظمى التي يدخل منها الإنسان إلى هذا العالم.

مقالات ذات صلة