وأكدت أن بوصلتها السياسية تستند إلى حقوق الإنسان والقانون الدولي قبل أي حسابات سياسية. كما فتحت رئيسة سلوفينيا في حديثها مع علي الظفيري مقدم برنامج "المقابلة" على قناة الجزيرة، ملفا شائكا يتعلق بالتدخلات الخارجية في الديمقراطيات الأوروبية، وتحديدا ما أثير حول شركة "بلاك كيوب" الإسرائيلية والتأثير في مسار الانتخابات، مؤكدة أن أي محاولة للتأثير في خيارات الناخبين من خارج الدولة تمثل اعتداء على جوهر العملية الديمقراطية.
وقالت إن السلوفينيين أصيبوا بالصدمة عندما ظهرت قضية "بلاك كيوب"، لأن التدخل الخارجي في الانتخابات أثناء الحملات الانتخابية لا يمثل مجرد منافسة سياسية، بل يشكل تهديدا مباشرا للديمقراطية.
وأشارت إلى أن سلوفينيا ليست الدولة الوحيدة التي واجهت مثل هذه الظواهر، لافتة إلى تجارب شهدتها دول أوروبية أخرى، مثل المجر ورومانيا وقبرص والمملكة المتحدة خلال استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، معتبرة أن ما حدث في بلادها كشف أن التدخلات لم تعد ظاهرة بعيدة أو معزولة.
وأوضحت الرئيسة السلوفينية أن وجود شركة "بلاك كيوب" في سلوفينيا أصبح حقيقة لا يمكن إنكارها، وأن التحقيقات كشفت أن أشخاصا جرى تصويرهم بشكل سري، وأن المواد التي نُشرت للرأي العام كانت مجتزأة ولا تعكس كامل اللقاءات التي أجريت معهم.
وأضافت أن التحدي الأكبر يكمن في معرفة الجهة التي طلبت هذه الخدمات ومن قامت بتمويلها، معتبرة أن هذا السؤال يحمل أبعادا قانونية وسياسية معقدة، لكنه لا يلغي ضرورة الوصول إلى الحقيقة.
وترى موسار أن على سلوفينيا، بالتعاون مع الدول الأخرى، إجراء تحقيق شامل وسريع وإعلان نتائجه أمام الرأي العام، لأن عدم معالجة القضية سيجعلها تبقى عبئا سياسيا وأخلاقيا لسنوات طويلة.
وأكدت أن ما حدث لم يكن مجانيا، لأن الخدمات الاستخباراتية والسياسية لا تقدم بلا مقابل، مشددة على أن معرفة الجهة التي دفعت ثمن هذه العمليات أمر ضروري لحماية الديمقراطية ومنع تكرارها.
التأثير على الناخبين
وعن حجم التدخلات الخارجية في الانتخابات الأوروبية، تقول موسار إن القضية يجب النظر إليها في إطار أوسع، مشيرة إلى أن التأثير في العمليات الانتخابية ليس أمرا جديدا، وأن دولا عدة تمارس هذا النوع من النفوذ.
وأضافت أن روسيا والصين وإسرائيل ليست وحدها في هذا المجال، وأن هناك دولا أخرى تحاول التأثير في الانتخابات بطرق مختلفة، خصوصاً مع التطور الكبير في الأدوات الرقمية والتكنولوجية.
وأشارت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت التأثير على الناخبين أكثر سهولة، وأن تقنيات التسويق غير المباشر والرسائل الموجهة أصبحت تستخدم سياسيا للتأثير في خيارات الأفراد.
وتستحضر موسار قضية "كامبريدج أناليتيكا"، التي أثارت جدلا واسعا خلال استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والانتخابات الرئاسية الأمريكية، موضحة أن تحليل بيانات الناخبين واستخدامها لتوجيه الرسائل السياسية كشف مدى خطورة الأدوات الحديثة في التأثير في السلوك الانتخابي.
وتقول إن هذه التقنيات أصبحت أكثر تطورا، وإن البيانات الشخصية ووسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تتحول إلى أدوات للتأثير السياسي غير المرئي.
لكنها تميز بين هذا النوع من التأثير وبين قضية "بلاك كيوب"، موضحة أن الأخيرة ارتبطت، بحسب ما ذكرته، بالتصوير السري والتنصت غير القانوني واستهداف تيار سياسي معين قبل الانتخابات.
وتؤكد أن تدخل جهات أجنبية للتأثير في العملية الانتخابية الداخلية لأي دولة أمر بالغ الخطورة، لأنه يمس حق الشعوب في اختيار ممثليها بحرية.
وعبرت الرئيسة السلوفينية عن حزنها وخيبة أملها تجاه ما يجري في غزة، مستحضرة خلفيتها المهنية كمحامية متخصصة في حقوق الإنسان، ومؤكدة أن الدفاع عن كرامة الإنسان كان دائما محور مسيرتها.
وعن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قالت موسار إنها تابعتها "بكثير من الحزن وبقدر كبير من خيبة الأمل السياسية"، مشيرة إلى أن مسيرتها المهنية الطويلة في مجال حقوق الإنسان جعلتها ترى أن الدفاع عن كرامة الإنسان ليس خيارا سياسيا بل مسؤولية.
وقالت إن موقف الشعب السلوفيني من القضية الفلسطينية مرتبط بتجربة تاريخية عميقة، موضحة أن السلوفينيين عاشوا خلال الحرب العالمية الثانية معاناة كبيرة على يد النازيين والفاشيين، حيث هجر نحو 63 ألف سلوفيني، كما أن تجربة الإبادة في سربرنيتسا خلال حرب البوسنة تركت أثرا عميقا في الذاكرة السلوفينية.
وأضافت أن الفلسطينيين يفتقدون إلى وطن، وأن استمرار غياب هذا الوطن يعني استمرار غياب السلام والأمن للطرفين، مؤكدة أن حل الدولتين هو الخيار الوحيد القادر على تحقيق الأمن للإسرائيليين ومنح الفلسطينيين حقوقهم الأساسية.
وانتقدت استمرار تغيير الواقع على الأرض، قائلة إن الخطوط الفاصلة تتغير باستمرار لكن ليس لصالح الفلسطينيين، متسائلة: "إلى أين النهاية؟".
وتطرق الحوار إلى الإجراءات التي اتخذتها سلوفينيا خلال عهد موسار، ومنها الاعتراف بدولة فلسطين، وحظر دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، إضافة إلى منع استيراد منتجات من المستوطنات وفرض قيود على مبيعات الأسلحة لإسرائيل.
العلم الفلسطيني رمز لمعاناة الشعوب
وكشفت موسار أنها رفعت العلم الفلسطيني على القصر الرئاسي بعد إزالة العلم من مبنى الحكومة، موضحة أن هذا العلم بالنسبة إليها لا يرمز فقط إلى معاناة الفلسطينيين، بل إلى معاناة الشعوب في مختلف مناطق العالم.
وأشارت إلى اليمن والسودان وغيرها من مناطق النزاعات، قائلة إن العالم يشهد اليوم أكثر من مئة نزاع مسلح، وهو أعلى رقم منذ الحرب العالمية الثانية.
وحول تقارب بعض تيارات اليمين الأوروبي مع إسرائيل، قالت موسار إنها لا تملك إجابة كاملة، لكنها ترى أن بعض الأحزاب اليمينية تتضامن مع بعضها البعض مهما كانت الظروف.
وأكدت أن الصداقة السياسية لا تعني الصمت عن الخطأ، مشددة على أن الصديق الحقيقي هو من يقول لصديقه إن ما يفعله غير صحيح.
وتمسكت بالحوار باعتباره السبيل الوحيد للحلول، وأن العالم لن يصل إلى نتيجة إذا تحول الخلاف السياسي إلى رفض للاستماع للآخر.
دور قطر الإقليمي
وفي حديثها عن دور قطر الإقليمي، أشادت الرئيسة السلوفينية بالدور الذي تقوم به الدوحة في ملفات الوساطة، خاصة في ما يتعلق بالأزمات الإقليمية، وقالت إن قطر بذلت "جهداً هائلاً" في هذا المسار، معتبرة أن وجود وسيط عربي في هذه العمليات أمر إيجابي ومهم.
وأكدت موسار أن العلاقات الدولية يجب أن تقوم على البحث عن القواسم المشتركة، حتى مع وجود خلافات في وجهات النظر بين الدول، مشيرة إلى أن الأولويات التي يجب أن تجمع الجميع تتمثل في مكافحة الإرهاب وتحقيق السلام والأمن العالميين.
وشددت على أن الأمم المتحدة تبقى المنصة الأهم للحوار بين الدول، لافتة إلى أن أيا من الدول لم تغادر المنظمة الدولية حتى الآن، وهو ما يعكس استمرار إيمان المجتمع الدولي بها باعتبارها الإطار الأفضل لمناقشة القضايا العالمية.
وأضافت أن الدول العربية في كثير من الملفات تمثل "صوت العقل"، مؤكدة أن التعاون والحوار داخل المؤسسات الدولية يظلان السبيل الأفضل لمعالجة الأزمات بدلا من التصعيد والصراعات
وانتقدت موسار أداء الاتحاد الأوروبي، معتبرة أنه قوة اقتصادية كبيرة لكنه يظهر سياسيا كأنه "قزم" بسبب غياب موقف موحد في السياسة الخارجية.
وقالت إن أوروبا بحاجة إلى تغيير طريقة تفكيرها إذا أرادت أن تكون لاعبا مؤثرا عالميا، مشيرة إلى أن الانقسام الأوروبي ظهر في ملفات مثل فلسطين وأوكرانيا.
وأكدت دعمها لتوسيع الاتحاد الأوروبي ليشمل دول غرب البلقان وأوكرانيا ومولدوفا وجورجيا، لكنها انتقدت بطء إجراءات الانضمام.
وعن الحرب الروسية الأوكرانية، قالت موسار إن بعض الدول الأوروبية تخشى روسيا بسبب تاريخ طويل يعود إلى الحقبة السوفياتية، خصوصا دول البلطيق.
وأكدت أن روسيا انتهكت القانون الدولي عندما هاجمت أوكرانيا، وأن احترام الحدود المعترف بها دوليا أمر أساسي.
لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة الحوار، قائلة إنها كانت من الأصوات التي طالبت بحضور روسيا في مؤتمرات السلام، لأن تحقيق السلام دون الحديث مع الطرف الآخر أمر غير ممكن.
وأضافت أن أوروبا فشلت جزئيا بسبب ضعف وحدتها، داعية إلى سياسة خارجية أوروبية أكثر قوة وتماسكا.
العلاقة مع واشنطن والناتو
وحول العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة، قالت موسار إن التحالف مع واشنطن داخل حلف الناتو مهم، لكنها شددت على ضرورة الصراحة بين الحلفاء.
وأشارت إلى أن دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لأوروبا للاعتماد أكثر على نفسها دفاعيا كانت بمثابة جرس إنذار، معتبرة أن على أوروبا تعزيز قدراتها الدفاعية.
وانتقدت مواقف أمريكية تجاه اتفاقية المناخ والمحكمة الجنائية الدولية، مؤكدة رفضها معاقبة القضاة بسبب قيامهم بعملهم.
وعن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، قالت موسار إن الحرب كانت خطأ، وإن الحوار كان يمكن أن يمنع التصعيد.
وأكدت أن الشرق الأوسط يحتاج إلى إشراك جميع الأطراف، بما فيها إيران وإسرائيل، وأن التحدث عبر فوهات البنادق ليس طريقا للسلام.
ورفضت تحديد من انتصر في الحرب، قائلة إن الأهم هو توقف الحروب، سواء في فلسطين أو لبنان أو غيرهما.
القانون الدولي وأزمة الفيتو
وفي ختام الحوار، وجهت موسار انتقادات لاستخدام حق النقض في مجلس الأمن، معتبرة أن بعض الدول الكبرى تستخدم الفيتو بطريقة تضعف النظام الدولي.
وقالت إن روسيا تستخدم الفيتو في ملف أوكرانيا، وإن الولايات المتحدة تستخدمه في ملفات مرتبطة بإسرائيل، داعية إلى بحث ما إذا كان يمكن استخدام الفيتو في قضايا الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.
وأكدت أنها ستواصل الدفاع عن القانون الدولي، محذرة من أن فقدان القيم وسيادة القانون سيقود العالم إلى الفوضى.


