قالت الدكتورة تمارا حداد الكاتبة والباحثة السياسية الفلسطينية، إن مدن الضفة الغربية المحتلة تشهد خلال المرحلة الراهنة تصعيدًا متواصلًا في الإجراءات العسكرية والاستيطانية الإسرائيلية، في إطار سياسة تتجاوز الاعتبارات الأمنية المعلنة لتطال إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي والسياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأكد حداد في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، أن عمليات الاقتحام الواسعة، وهدم المنازل، وتشديد القيود على الحركة، وتوسيع المستوطنات، وإقامة البؤر الاستيطانية الجديدة، جميعها تشكل حلقات مترابطة ضمن استراتيجية تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب تغييرها مستقبلًا.
وأشارت حداد إلى أن محافظات شمال الضفة الغربية، لا سيما جنين وطولكرم ونور شمس، تبرز بوصفها نموذجًا لهذه السياسة، حيث تتكرر العمليات العسكرية التي تترافق مع تدمير البنية التحتية وإجبار العديد من السكان على مغادرة منازلهم بصورة مؤقتة أو دائمة، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة من أن يتحول النزوح المؤقت إلى تغيير ديمغرافي طويل الأمد يخدم المشروع الاستيطاني.
وتابعت: "في الوقت ذاته، يستمر التوسع الاستيطاني بوتيرة متسارعة، عبر المصادقة على آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، والاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية، وربط المستوطنات بشبكات طرق وبنى تحتية متطورة، بما يؤدي إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية وعزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض، وتقليص المساحات المتاحة للتوسع العمراني الفلسطيني، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على فرص قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
وأضافت حداد أن هذه الإجراءات تعتبر انتقالًا تدريجيًا من سياسة إدارة الاحتلال إلى سياسة تكريس الضم الفعلي، من خلال فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية دون إعلان رسمي، وهو ما يتجلى في توسيع صلاحيات المجالس الاستيطانية، وتعزيز الوجود المدني الإسرائيلي داخل الأراضي المحتلة، وتقييد دور المؤسسات الفلسطينية.
الحرم الإبراهيمي يتعرض لانتهاكات تمس وضعه التاريخي والقانوني للمكان
وتابعت حداد لا تقتصر هذه السياسات على الأرض والسكان، بل تمتد إلى المقدسات الإسلامية والمسيحية، حيث يشهد الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل سلسلة متواصلة من الإجراءات التي يعتبرها الفلسطينيون مساسًا بالوضع التاريخي والقانوني للمكان، من خلال فرض قيود على المصلين، وتنفيذ أعمال إنشائية داخل الحرم، ومنع رفع الأذان في فترات متكررة، وسط مخاوف من فرض واقع جديد يخدم مشاريع التهويد.
واختتمت حداد تصريحاتها قائلة: «في المحصلة، فإن مجمل هذه الإجراءات تعكس توجهًا نحو إعادة صياغة الواقع في الضفة الغربية، ليس فقط عبر السيطرة الأمنية، وإنما أيضًا عبر إحداث تغييرات ديمغرافية وجغرافية ودينية تؤثر في مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتفرض تحديات كبيرة أمام أي مسار سياسي يستند إلى حل الدولتين أو إلى الحفاظ على الوضع القانوني والتاريخي للمقدسات الإسلامية والمسيحية».


