المنصورة مدينة جميلة بطبيعتها، لكن جمالها الحقيقى فى رأيى يكمن فى البشر، وحين تستثمر فى البشر فإنك توفر على الدولة الكثير مما يُهدر لاحقًا، ولهذا بدا واضحًا لنا أن هذا الاحتفاء بالفن ليس وليد اللحظة، بل هو جزء من رؤية أشمل للتنمية كانت أولويتها بناء الإنسان، وتلك الرؤية هى ما نحتاجه، أكثر مما نحتاج إلى ميزانيات ضخمة، نحتاج إلى مسئول يؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا، وإنما هى إحدى أهم أدوات التنمية.
هذا ما ظل يراودنى طوال الأيام التى قضيتها فى المنصورة، متنقلة بين جامعة المنصورة، ومكتبة مصر العامة، وأنا أتابع فعاليات المهرجان القومى للمسرح المصرى، والبرنامج التدريبى الذى أطلقه المهرجان، برئاسة الفنان محمد رياض بالشراكة مع المجلس القومى للأشخاص ذوى الإعاقة برئاسة الدكتورة إيمان كريم، لاكتشاف وتنمية ورعاية الموهوبين من الأشخاص ذوى الإعاقة ودمجهم فى الفنون والثقافة.
ما عاينته وشاركت فيه لم يكن مقتصرًا على عدد من الفعاليات الفنية، بل كان تجربة حقيقية ومتكاملة تشير إلى وعى طرفيها «المجلس والمهرجان» والقائمين عليهما، وتؤكد أن الاستثمار الحقيقى يبدأ من الإنسان، فللمرة الأولى، لم يكن برنامج ذوى الإعاقة نشاطًا هامشيًا يُضاف إلى جدول المهرجان، إنما كان جزءًا أصيلًا معتنى به ومدروسًا بواسطة خبراء ومدربين محترفين ومعنيين بالتعامل مع ذوى الإعاقة.
شملت الأنشطة المنفذة ورشًا فى الرسم، والسيكودراما، والتمثيل والغناء، وصناعة العرائس من الخامات البيئية، ورعاية الذات، إلى جانب الندوة داخل جامعة المنصورة عن حقوق الأشخاص ذوى الإعاقة، تفاعل معها الجمهور من ذوى الإعاقة وذويهم، وشاركونا آلامهم ومعاناتهم فى العمل وكارت الخدمات المتكاملة وغياب الأنشطة الفنية التى تساعد فى دمج أبنائهم، تقاسمنا الضحكات والبكاء والغضب أحيانًا، وقفنا جميعًا مذهولين أمام نورهان ذات الإعاقة البصرية التى رسمت باقتدار صورًا للرئيس السيسى رئيس الجمهورية ولشخصيات أثرت فى وعيها، عجزنا حقيقة عن أن ندرك كيف استطاعت أناملها أن تصنع هذا الجمال الذى لم يسبق لعينيها أن رأته.
غادرت المنصورة لكن ظل السؤال معلقًا فى ذهنى: لماذا نجحت هذه التجربة على هذا النحو؟
الإجابة وجدتها فى كلمة واحدة: الوعى وتضافر الجهود، فحين يكون المحافظ مدركًا لقيمة الثقافة، لا باعتبارها نشاطًا احتفاليًا، بل باعتبارها وسيلة لبناء الإنسان، فإن كل المؤسسات تبدأ فى التحرك فى الاتجاه نفسه، تتضافر جهودها لتشكل منظومة متكاملة من الجامعة إلى المكتبة إلى رجال الأعمال والمجتمع المدنى.. منظومة يقوم فيها كل طرف بدوره بإخلاص وتفان.
خلال لقائى بمحافظ الدقهلية، فى الاجتماع الذى جمعه بالدكتورة إيمان كريم، المشرف العام على المجلس القومى للأشخاص ذوى الإعاقة، وخلال حضوره ختام الورش بمكتبة مصر العامة، لفتنى أنه لا يتعامل مع الملفات من خلف مكتب، إنما من أرض الواقع على نحو ميدانى، يستمع، يناقش، يوجه، ويتابع تنفيذ ما اتُّفق عليه، وفى الاجتماع، لم تكن القضايا المطروحة مجرد ملاحظات تُدوَّن، بل تحولت إلى توجيهات مباشرة، مع خلق مسارات تواصل بين الجهات المختلفة لتيسير حل مشكلات الأشخاص ذوى الإعاقة داخل المحافظة.
هذا النهج هو ما وجدته فى كل مكان ذهبت إليه، فلم تكن جامعة المنصورة بعيدة عن هذا المشهد، فقد وجدت ترحيبًا كبيرًا من الدكتور محمد عطية، نائب رئيس الجامعة، حيث وجدنا دعمًا واضحًا للأنشطة الموجهة للأشخاص ذوى الإعاقة، وهو ما تُرجم عمليًا من خلال التعاون مع مركز خدمات وتأهيل الأشخاص ذوى الإعاقة، بإدارة الدكتورة نانيس البلتاجى وفريق عملها، الذين بذلوا جهدًا كبيرًا لإنجاح الفعاليات، وهو ذاته الذى وجدته أثناء ورشة الكتابة التى سعدت بإقامتها فى مكتبة مصر العامة ومديرتها الدكتورة رباب عبدالمؤمن وفريق عمل المكتبة المميز، ولم يقتصر الأمر على المؤسسات الحكومية، بل امتد إلى المجتمع المدنى، حيث كان الحضور الفاعل للجمعيات التى شارك أعضاؤها فى الأنشطة والورش.
ربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذى خرجت به من المنصورة، أن النجاح لا تصنعه مؤسسة واحدة، ولا مسئول واحد، إنما تصنعه شبكة من الشركاء يجمعهم هدف واحد، ويقودهم إيمان بأن الإنسان هو الاستثمار الأكثر قيمة.


