تقنية جريدة الجمهورية

موسكو بين القاهرة وبكين.. فى عالم متعدد الأقطاب

تصريحات الرئيس الروسى فلاديمير بوتين حول عمق علاقته الشخصية بالرئيس عبدالفتاح السيسى، وتأكيده أن مصر تُعد أحد أهم شركاء موسكو فى الشرق الأوسط جاءت فى توقيت بالغ الدلالة السياسية، لتكشف عن ملامح استراتيجية روسية جديدة تقوم على إعادة بناء شبكة تحالفات متعددة الأقطاب، تمتد من الشرق الأوسط إلى آسيا، بال...

موسكو بين القاهرة وبكين.. فى عالم متعدد الأقطاب
6 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

تصريحات الرئيس الروسى فلاديمير بوتين حول عمق علاقته الشخصية بالرئيس عبدالفتاح السيسى، وتأكيده أن مصر تُعد أحد أهم شركاء موسكو فى الشرق الأوسط جاءت فى توقيت بالغ الدلالة السياسية، لتكشف عن ملامح استراتيجية روسية جديدة تقوم على إعادة بناء شبكة تحالفات متعددة الأقطاب، تمتد من الشرق الأوسط إلى آسيا، بالتوازى مع التصعيد المستمر فى المواجهة بين روسيا والغرب.

تصريحات بوتين لم تكن مجرد رسائل دبلوماسية بروتوكولية، بل حملت أبعادًا سياسية واقتصادية وجيوسياسية عميقة، خاصة أنها جاءت بعد أيام قليلة من تحركات روسية مكثفة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع التنين الصينى، فى إطار التنسيق المتنامى بين موسكو وبكين لإعادة تشكيل النظام الدولى والذى يقوم على تعدد الاقطاب والقوى ويقبضى على اسطورة القطب الاوحد.

وتعكس إشادة بوتين بالرئيس السيسى، ووصفه بأنه «صديق قريب»، حجم الثقة السياسية التى تشكلت بين القيادتين خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا فى ظل التقارب الواضح فى الرؤى تجاه قضايا الأمن الإقليمى، ومكافحة الإرهاب، والحفاظ على توازنات الدولة الوطنية، ورفض سياسات الفوضى والتدخلات الخارجية.

كما أن تأكيد الرئيس الروسى على استمرار التشاور مع القاهرة بشأن ملفات الشرق الأوسط، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والملف الإيرانى، يوضح أن موسكو تنظر إلى مصر باعتبارها شريكًا سياسيًا محوريًا قادرًا على لعب دور الوسيط الإقليمى المتوازن، وهو ما يتقاطع مع الرؤية الروسية الساعية لتعزيز نفوذها السياسى فى المنطقة بعيدًا عن الهيمنة الغربية التقليدية.

وعلى الصعيد الاقتصادى تعكس المشروعات المشتركة بين البلدين تحول العلاقات المصرية الروسية من مرحلة التعاون التقليدى إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية طويلة الأجل. ويأتى مشروع المحطة النووية فى الضبعة فى مقدمة هذه المشروعات، باعتباره أحد أكبر مشروعات الطاقة فى الشرق الأوسط وأفريقيا، فضلًا عن كونه يمثل بوابة روسية استراتيجية داخل السوق المصرية والأفريقية.

ويهدف مشروع الضبعة للطاقة النووية إلى بناء أربع وحدات من مفاعلات الماء المضغوط بقدرة 1200 ميجاوات لكل وحدة، مزودة بمفاعلات الماء المضغوط من الطراز الروسى (فى فى إى آر-1200- إيه إس إي-2006) من الجيل الثالث المُطور، التى تعد أحدث التقنيات، ولها بالفعل محطات مرجعية تعمل بنجاح؛ فهناك أربع وحدات للطاقة النووية قيد التشغيل من هذا الجيل.

وتعد المحطة النووية بالضبعة أول محطة لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية فى مصر، وتم بناؤها فى مدينة الضبعة بمحافظة مطروح على ساحل البحر المتوسط، وتبعد نحو 300 كيلومتر شمال غرب القاهرة.

ومن المقرر تسليم أول مفاعل من المحطة بنهاية عام 2028 بقدرة 1200 ميجاوات، على أن يتم الانتهاء من كامل المشروع بحلول عام 2030، ما يسهم فى تلبية احتياجات الاستهلاك المنزلى والاحتياجيات الصناعية فى البلاد.

ولا يقتصر الأمر على مشروع الضبعة فقط، بل يمتد أيضًا إلى المنطقة الصناعية الروسية فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والتى تستهدف تحويل القاهرة إلى مركز صناعى ولوجستى يخدم الأسواق العربية والإفريقية، فى إطار توجه روسى واضح نحو تنويع الشراكات الاقتصادية وتقليل الاعتماد على الأسواق الأوروبية التى تأثرت بالعقوبات الغربية المفروضة على موسكو.

و تبدو العلاقة بين روسيا ومصر جزءًا من استراتيجية روسية أوسع ترتبط بشكل مباشر بالتقارب المتسارع بين موسكو وبكين. فزيارة بوتين الأخيرة إلى الصين، وما شهدته من تأكيدات متبادلة حول تعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، عكست إدراكًا روسيًا وصينيًا مشتركًا بضرورة بناء نظام عالمى متعدد الأقطاب، يحد من النفوذ الأمريكى والغربى.

وقد حرص بوتين خلال زيارته لبكين على التأكيد أن العلاقات الروسية الصينية وصلت إلى «أعلى مستوياتها التاريخية»، فى رسالة تعكس حجم التحالف السياسى والاقتصادى والعسكرى بين القوتين، خاصة فى مجالات الطاقة والتكنولوجيا والتجارة الدولية.

ومن هنا، يمكن قراءة التقارب الروسى المصرى باعتباره جزءًا من شبكة تحالفات أوسع تعمل موسكو على بنائها فى الجنوب العالمى، تشمل الصين والهند ودول الشرق الأوسط وأفريقيا، بهدف خلق توازنات دولية جديدة قادرة على مواجهة الضغوط الغربية.

وتدرك القاهرة من جانبها أهمية الحفاظ على سياسة التوازن الاستراتيجى فى علاقاتها الدولية، حيث نجحت خلال السنوات الماضية فى بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الكبرى، سواء الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين، بما يخدم المصالح الوطنية المصرية ويعزز قدرتها على جذب الاستثمارات والتكنولوجيا والمشروعات الكبرى.

كما أن انضمام مصر إلى تجمعات اقتصادية وسياسية دولية جديدة، مثل مجموعة «بريكس»، يمنح هذا التقارب مع موسكو وبكين أبعادًا إضافية تتعلق بإعادة تشكيل مراكز القوة الاقتصادية العالمية، خاصة مع تنامى الحديث عن استخدام العملات المحلية فى التبادل التجارى وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكى.

وختاماً.. تكشف تصريحات بوتين عن أن العلاقات المصرية الروسية تجاوزت مرحلة التعاون الثنائى التقليدى إلى شراكة استراتيجية متكاملة، ترتبط بتحولات أوسع يشهدها النظام الدولى. وبينما تعزز موسكو تحالفها مع بكين، تبدو القاهرة بالنسبة لروسيا بوابة رئيسية نحو الشرق الأوسط وأفريقيا، وشريكًا قادرًا على لعب دور محورى فى معادلات التوازن الإقليمى والدولى خلال السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة