تتواصل الإجراءات بين القاهرة ودمشق لإعادة الرحلات الجوية المباشرة بين العاصمتين بعد توقف لأكثر من عقد، وسط تطور تدريجي في العلاقات بين البلدين.
تلك العودة التي أكد وزير مصري أنها «قريبة»، يرى مراقبون في مصر وسوريا تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها تعزز التقارب بين البلدين، متوقعين أن يكون التعاون الاقتصادي هو قناة التواصل المستمر على المدى المتوسط، على أن تكون عودة التمثيل الدبلوماسي الكامل محل تشاور متواصل.
ومنذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.
وقبل أيام، تسلم الدبلوماسي السوري يحيى دياب رسمياً مهام عمله قائماً بأعمال البعثة السورية في القاهرة بعد اعتماده من السلطات المصرية. وقال مصدر دبلوماسي سوري لـ«الشرق الأوسط» إن القاهرة «اعتمدت أوراق دياب، بعد ترشيحه من الحكومة السورية، لتمثيلها داخل مصر»، وإنه «بدأ عمله فعلياً من العاصمة المصرية».
عودة الطيران المرتقبة
ونقلت شبكة «CNBC عربية»، الاثنين، عن وزير الطيران المدني المصري سامح الحفني أن عودة الطيران المباشر بين مصر وسوريا «ستكون قريباً»، لافتاً إلى مباحثات حالية مع السلطات السورية.
يأتي ذلك بعد نحو أسبوعين من اجتماع بالعاصمة السورية دمشق، في 12 يوليو (تموز) الحالي، ضم دياب، ورئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عمر الحصري، والقائم بأعمال سفارة مصر في دمشق محمد الفقي.
وناقش الجانبان سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال الطيران المدني، لا سيما إعادة الربط الجوي بما يسهم في تنشيط حركة النقل الجوي بين البلدين، وتسهيل حركة المسافرين، وتعزيز العلاقات الثنائية، بحسب بيان هيئة الطيران المدني في سوريا.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، محمد حجازي، أن الحديث عن قرب استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين مصر وسوريا يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية تتجاوز كونها إجراءً يتعلق بحركة النقل الجوي».
وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الاتجاه لاستئناف الرحلات المباشرة يمثل مؤشراً واضحاً على تطور مسار العلاقات المصرية - السورية في إطار رؤية مصرية ثابتة تقوم على دعم وحدة الدولة السورية والحفاظ على مؤسساتها الوطنية، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار سوريا يمثل ركيزة أساسية لاستقرار المشرق العربي والأمن القومي العربي».
وأكد حجازي أن استئناف الطيران لا يتم إلا بعد توافر مستويات مرتفعة من التنسيق الأمني والفني بين سلطات الطيران المدني في البلدين، وهو ما يعكس وجود ثقة متبادلة وإرادة سياسية لدفع العلاقات الثنائية إلى آفاق أوسع.
وشهد التعاون بين مصر وسوريا زخماً لافتاً الأشهر الماضية. وفي يونيو (حزيران) الماضي، التقى وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي بوزير الطاقة السوري محمد البشير، وبحثا سبل تعزيز التعاون المشترك.
وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية - الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيسين لبحث تطورات المنطقة، وتعزيز التعاون.
أعقب هذا زيارة أجراها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة في الثالث من مايو (أيار)، تمخض عنها الإعلان عن تشكيل مجلس أعمال مشترك بين البلدين، وتوسيع مجالات التعاون التجاري والاقتصادي، مع التأكيد على أهمية تنسيق المواقف بشأن التطورات في المنطقة.
وبرأي أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق، عبد القادر عزوز، فإن العودة المرتقبة للطيران المباشر تعزز مسار التقارب بين البلدين، خصوصاً أن عودة العلاقات لطبيعتها تحمل أهمية كبيرة للأمن القومي العربي.
وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك المسار يسهل عودة أعداد كبيرة من الجالية السورية بمصر مباشرة لدمشق، بدلاً من اللجوء لبلدان وسيطة؛ ما يخفف التكاليف، إلى جانب تعزيز التبادل التجاري بين البلدين، وتقليل تكاليف الشحن.
وأشار عزوز إلى أن العودة المرتقبة للرحلات المباشرة «ليست مسألة فنية بقدر ما هي مؤشر على تحسن العلاقات ورغبة سياسية في التقدم بها لمرحلة أفضل، والانطلاق لمستوى جديد من التعاون والشراكة».
تعاون يتصاعد
واستضافت دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادات الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.
ووقتها التقى الرئيس السوري وفد رجال الأعمال المصريين، وتحدث بإيجابية عن العلاقات بين البلدين، ووجَّه دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.
ويرجح عزوز، مع هذا التقارب، اتخاذ إجراءات إضافية مستقبلية تتوج بالعودة الكاملة للتمثيل الدبلوماسي وعودة السفراء، متوقعاً أن يكون المدخل الاقتصادي قناة التواصل المستمرة بين البلدين لمزيد من تنمية العلاقات لمستويات أكبر.
ويؤكد حجازي أن استئناف الرحلات بين القاهرة ودمشق يحمل رسالة سياسية مفادها أن الحوار والانخراط والتعاون باتت أدوات أكثر فاعلية في معالجة أزمات المنطقة، وأن مصر مستمرة في انتهاج سياسة متوازنة تستند إلى دعم الدولة الوطنية، واحترام سيادة الدول، وتعزيز الأمن والاستقرار في الإقليم.


