عام جريدة الدستور

مصر تدفع فاتورة الصراع فى السودان

شهدت الأيام الماضية، حملة شبه منظمة على مصر، شنتها مجموعات سودانية، اتهمت فيها القاهرة بأنها قصفت مئات من المواطنين داخل الأراضي السودانية، كانوا يبحثون عن الذهب في الجبال الواقعة على الحدود بين البلدين، وهؤلاء يُسمون (الدَّهابة)، الكلمة التي أصبحت مرادفًا لكل من يبحث عن الذهب دون غطاء قانوني.. حيث

مصر تدفع فاتورة الصراع فى السودان
13 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

شهدت الأيام الماضية، حملة شبه منظمة على مصر، شنتها مجموعات سودانية، اتهمت فيها القاهرة بأنها قصفت مئات من المواطنين داخل الأراضى السودانية، كانوا يبحثون عن الذهب فى الجبال الواقعة على الحدود بين البلدين، وهؤلاء يُسمون «الدَّهابة»، الكلمة التى أصبحت مرادفًا لكل من يبحث عن الذهب دون غطاء قانونى.. حيث تشكلت عصابات وجماعات داخل كل من مصر والسودان تعمل وسط الجبال، وتقوم بهذه المهمة التى تحقق مالًا وفيرًا لهم، ولمن يقفون خلف عملهم غير القانونى.

المُتابع الجيد يدرك أن تاريخ العلاقة بين مصر والسودان لا يخلو من منغصات، تراكمت عبر عقود.. ربما تكون القاعدة هى التوتر، والهدوء استثناء.. ما إن تستقر العلاقات على وتيرة إيجابية لفترة إلا وتلحقها نقيصة.. فى الحالتين تلعب الأهداف السياسية دورًا فى تفكيك أى بوادر للتلاحم الشعبى.. فى زمن الرئيس السودانى السابق عمر البشير، وبعده بقليل، لعب منتمون لجماعة الإخوان الإرهابية، دورًا مهمًا فى توتير العلاقات مع القاهرة.. بعضها كان أقرب إلى المكايدة السياسية، بسبب خشونة النظام المصرى، فى عهد الرئيس الراحل حسنى مبارك، فى تعامله مع جماعة الإخوان، والتى ازدادت فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى.. البعض الآخر له علاقة بتوازنات القوى داخل النظام السودانى بعد الثورة على البشير، حيث جرت محاولات لجذب القادة الجدد بعيدًا عن القاهرة، خوفًا من البطش بالحركات الإرهابية، وفى مقدمتها الإخوان، أو «الكيزان» كما يطلق عليهم فى السودان، والتى تضعهم القاهرة على لائحة الإرهاب.
هدأ الكيزان نسبيًا حيال القاهرة، بعد أن تغلغلوا داخل الجيش السودانى.. وجدوا أن من مصلحتهم عدم تصعيد الخصومة مع النظام المصرى، الذى يعلم بالطبع خريطة تسللهم داخل الدولة وقبضهم على مفاتيح مهمة بالسودان.. فى هذه اللحظة اندلعت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع.. ووجد الكيزان خطورة فى التعاون والتنسيق بين القاهرة والخرطوم فى الملفات الأمنية، خصوصًا بعد انتقال الحكومة السودانية، بقيادة الفريق عبدالفتاح البرهان إلى بورتسودان بعد انقلاب ميليشيا الدعم السريع، بقيادة حميدتى على الجيش السودانى، ومجاولة الإطاحة بالبرهان، ثم عادت تدريجيًا إلى الخرطوم، عقب انسحاب قوات الدعم السريع منها.. مما يعنى، أن قوات الدعم السريع ليس من مصلحتها تطوير العلاقات الرسمية والشعبية بين مصر والسودان.. وكجزء كبير من الحملة التى تُشن على القاهرة، كان ملف تجاوزات بعض المقيمين، الذى وقف خلفه نشطاء قريبون ومستفيدون من حكومة «تأسيس» الموازية فى السودان.. وهو ما يتكرر بشأن ملف «الدَّهابة» مؤخرًا.
عدد كبير ممن ساعدوا فى تغذية الحملة على وسائل التواصل الاجتماعى ضد الاستهداف المصرى لـ«الدَّهابة»، كان هدفهم الإيحاء، بأن رئيس المجلس الانتقالى السودانى عبدالفتاح البرهان «متواطؤ» على شعبه.. وهو من سمح للطيران المصرى بالقصف داخل الأراضى السودانية، بالتالى، يبدو ضعيفًا وهشًا وراضخًا لحسابات تاريخية سلبية تُضمرها القاهرة نحو بلدهم.. وترسيخ هذه السردية يخدم رؤية حكومة «تأسيس»، فى المطالبة بسلطة مدنية، وخروج الجيش تمامًا من الحياة السياسية حفاظًا على مقدرات السودان.. كذلك، فإن الانتقادات والاتهامات الموجهة إلى مصر، تفيد فى إحراجها سودانيًا وإفريقيًا.. كى تظهر كأنها دولة «معتدية»، طامعة وطامحة فى الاستيلاء على موارد السودان.. ويصب هذا الاتجاه فى خانة محاولة عدم تكرار العمليات العسكرية على الحدود، سواء داخل السودان أو حتى داخل مصر، مما يسمح بحرية تنقل مجرمين يريدون ايقاع الضرر بمصر مستقبلًا، وجعل المنطقة الجغرافية الجنوبية رخوة أمنيًا، ومن السهل انتقال عناصر متطرفة من خلالها إلى العمق المصرى.
القاهرة انتبهت إلى هذه الخطة، خصوصًا مع ظهور معلومات، قالت إن من أرادوا عبور الحدود تحت لافتة «الدُهابة» قُدِر عددهم بنحو مئة ألف شخص من جنسيات مختلفة، اندس وسطهم إرهابيون من غرب إفريقيا التى تعج بالمتطرفين المتأسلمين، بغرض التمركز فى جنوب مصر، ومحاولة تكرار سيناريو سيناء الإرهابى فى شرق البلاد، والذى تمكنت قوات الأمن المصرية من قطع الطريق على اكتماله، ومنعه من الوصول إلى هدفه فى عزل منطقة سيناء عن باقى الأراضى المصرية.
لذلك، وبعد اشتعال الفضاء الإلكترونى بين مواطنين وسياسيين وباحثين وإعلاميين من البلدين، أصدرت القوات المسلحة المصرية بيانًا، تحدث عن استهداف آلاف ممن يطلق عليهم «دهًّابة» داخل حدود البلاد، وبحوزتهم أموالًا طائلة.. وجدت أجهزة الأمن وسط هؤلاء تشكيلة متنوعة من المجرمين: إرهابيون ومهربو بشر ولاجئون وتجار مخدرات.. تم إلقاء القبض على المئات، وفى روايات أخرى «غير رسمية» آلاف.. وبدت العملية أكبر من مطاردة «دهَّابة» أو اعتداء على حدود السودان.. ولم تصدر حكومة الخرطوم بيانًا توضيحيًا للأمر، وهل هناك تنسيق مع نظيرتها فى القاهرة أم لا؟.. لكن محسوبين ومؤيدين لحكومة «تأسيس»، ومقرها مدينة نيالا فى ولاية جنوب دارفور، وتقودها قوات الدعم السريع، استغلوا صورًا نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعى، تُظهر هائمين فى الصحراء، لا أحد يعلم متى وأين التُقِطت، وقيل إنها تؤكد أن الطيران المصرى قصف مواطنين داخل الأراضى السودانية!!.
واتخذت هذه الصور ذريعة لتوجيه انتقادات واتهامات للحكومتين فى الخرطوم والقاهرة.. وتم استغلال الدعم المصرى الواضح للمؤسسة العسكرية فى السودان، لتأكيد وجود شبهة تعاون من جانب الثانية، وجرى تسييس الموقف برمته.. إذ خرجت المطاردة المصرية لمجرمين على الحدود من مجال «الدَّهابة» إلى الاعتداء السافر على مواطنين سودانيين.. أخذت المسألة تكبر وتتدحرج مثل كرة الثلج، بما أزعج أطرافًا حريصة على أمن واستقرار السودان، وتسعى للحفاظ على علاقة جيدة بين البلدين.
لقد استخدم القصف الجوى ضد «الدَّهابة»، لأنهم كانوا طليعة لإرهابيين يريدون التمركز داخل بقعة جديدة فى مصر.. يسعون إلى طرد شركات عالمية من الاستثمار فى المعادن بجنوب البلاد.. والفوضى بيئة صالحة لعبور المتطرفين، واشاعة الخوف فى عقول المستثمرين.. الأمر الذى انتبهت إليه القاهرة مبكرًا، وكان اللجوء إلى القسوة فى التعامل مع هؤلاء تعبيرًا عن خطورة بالغة، إذا تمكنوا من الوصول إلى هدفهم النهائى.
ما حدث فى جنوب مصر من قصف لما يطلق عليهم «دهَّابة» أكبر من قطع أرجل وأيادى من يعملون فى هذا المجال.. إنما يرمى إلى الحفاظ على الهدوء على الحدود بلا مساس بسيادة السودان، وضمن خطة تتبناها قوات الأمن المصرية، شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، لتجفيف منابع الإرهابيين ومهربى البشر والمخدرات، والعاملين فى مجال الهجرة غير الشرعية.. لذا، جاء اضفاء طابع سياسى على التحركات، بغرض تخريب العلاقات بين القاهرة والخرطوم، ضمن تقديرات تتعلق بالأزمة المحتدمة فى السودان، خصوصًا لو علمنا أن ثمًّة تعاونًا استخباراتيًا يجرى الآن بين إسرائيل وحميدتى، الذى يتلقى دعمًا عسكريًا من تل أبيب عبر تشاد ومن خلال إثيوبيا.. وكذلك، موافقة الحكومة الإسرائيلية على تقنين أوضاع المهاجرين السودانيين إليها، شريطة انخراطهم فى القتال ضمن صفوف الجيش الإسرائيلى.
*
لقد جاء بيان الجيش المصرى كاشفًا حاسمًا.. إذ أوضح أنه قام بتنفيذ «حملة مُكبَّرة»، بالاشتراك مع قوات الشرطة، على حدود البلاد الجنوبية، ضد «بؤر إجرامية» اتهمها بممارسة أنشطة غير مشروعة، منها الاتجار بالمخدرات، والسلاح، والتنقيب غير المشروع عن الذهب، والهجرة غير الشرعية.. وأسفرت الحملة عن ضبط أكثر من مائتى عنصر، بينهم مائة وستة وثلاثون أجنبيًا.. وكان ناشطون قد تداولوا على مدى الأيام الماضية، مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعى، تُظهر تسلل أفراد داخل حدود مصر الجنوبية مع السودان، وسط معلومات عن تنقيب غير مشروع عن الذهب فى مصر، ومناشدات للسلطات المصرية باتخاذ اللازم حيال ذلك.
قال المتحدث العسكرى للجيش المصرى، فى بيانه، إنه «فى إطار المهام التى تقوم بها القوات المسلحة لحماية الأمن القومى، والحفاظ على المقدرات والمكتسبات الاقتصادية للوطن، قامت القوات المسلحة بالتعاون مع عناصر وزارة الداخلية، بتنفيذ حملة مُكبَّرة بقطاع المنطقة الجنوبية العسكرية، ضد عدد من البؤر الإجرامية التى تستغلها التنظيمات والشبكات الإجرامية، لممارسة أنشطة غير مشروعة منها، الاتجار بالمواد المخدرة والسلاح- التنقيب غير المشروع عن الذهب- الهجرة غير الشرعية، بما يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومى، فضلًا عن تأثيراتها السلبية على الاستقرار الاقتصادى ومناخ الاستثمار وجهود التنمية المستدامة».
وأسفرت المداهمات، وفق بيان المتحدث، عن «ضبط عدد من الأفراد المتورطين فى تلك الأنشطة غير المشروعة، من بينهم سبعة وثمانين مصريًا ومائة وستة وثلاثين أجنبيًا، وأربعة عشر عربة من طرازات متنوعة، وأجهزة اتصال لاسلكية، ومبالغ مالية بالجنيه المصرى والعملات الأجنبية، بالإضافة إلى كميات من الأسلحة والذخائر غير المرخصة، ومصادرة أعداد كبيرة من المعدات والأجهزة المستخدمة فى عمليات التنقيب العشوائى عن الثروات التعدينية، بالإضافة إلى ضبط عدد من العناصر المتسللة التى لا تحمل مستندات إقامة رسمية بالدولة».. وأوضح أنه تمت إحالة المقبوض عليهم والمضبوطات إلى الجهات القضائية المختصة، لاتخاذ الإجراءات القانونية «وفق المواثيق الدولية ومعايير القانون الدولى الإنسانى».
وبالتزامن مع بدء الحملة، أعلن المتحدث، عن قيام عدد من المتسللين بطرق غير شرعية إلى الأراضى المصرية بـ «تسليم أنفسهم للنقاط والتمركزات الأمنية، وتم ترحيلهم إلى بلادهم مع مراعاة احتياجاتهم الإنسانية كافّة».. وشدد البيان المصرى على مواصلة قوات إنفاذ القانون «مهامها الميدانية المكثفة لتطهير البؤر الإجرامية، وملاحقة العناصر الخارجة عن القانون، فى إطار جهودها المستمرة لتأمين حدود الدولة وترسيخ دعائم الأمن والاستقرار».. كما أكد «احتفاظ الدولة المصرية بجميع الخيارات المتاحة للتعامل مع التهديدات كافّة، وامتلاكها القدرة على حماية أراضيها ومقدرات شعبها فى ظل جميع الظروف».. وهو ما استوجب تحية وشكر وتقدير القوات المسلحة، لما كان «استجابة لنداء الشركات والعاملين فى قطاع التعدين فى مصر، فى مواجهة إجرام عصابات التعدين العشوائى وفرض سلطة الدولة، وترحيل المعدنين الأجانب إلى خارج أرض الوطن».
*
قال وزير الخارجية، د. بدر عبدالعاطى، مصر، فى نوفمبر 2025، «تقسيم السودان خط أحمر، لن تسمح مصر لأحد بتجاوزه».. وقد عززت مصر الأمن على طول حدودها الجنوبية الغربية لمنع امتداد العنف والإرهاب إلى أراضيها فى ظل احتدام الحرب الأهلية فى السودان جنوب مصر.. وعندما سيطر مقاتلو الدعم السريع على المثلث الحدودى بين مصر وليبيا والسودان، منتصف 2025، فأمَّنوا لأنفسهم طريقًا لنقل الأسلحة والمعدات الأخرى من قاعدة جوية مغلقة فى منطقة الكفرة، قالت صحيفة «سودان تايمز»، إنه «يُقال إن هذه الشحنات تشمل ذخيرة وأسلحة خفيفة، وربما قطع غيار للمعدات المدرعة، وهى مؤنٌ بالغة الأهمية لجيش يستنزف موارده بسرعة فى المعارك الدائرة.. وتدفق هذه الأسلحة لا يقوى شوكة فريق على الآخر فقط، ولكن يُطيل أمد الحرب عن طريق الدعم الخارجى بدلًا من إعلاء الحلول السياسية».
توُعد الهجمات التى استهدفت قوافل الدعم السريع تصعيدًا فى الموقف المصرى فى الصراع السودانى، بعد أن ظلت الحكومة المصرية، حتى عهد قريب، تدعم الحكومة السودانية المعترف بها دوليًا، بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، بالدعم الفنى وسبل الإمداد والتموين، لكنها التزمت الحياد فيما عدا ذلك.. وأعلنت السلطات المصرية فى ديسمبر 2025، أن أمنها القومى مرتبط مباشرة بأمن السودان، ورسمت خطوطًا حمراء لا يجوز تجاوزها فى الصراع السودانى، كالحفاظ على وحدة أراضى السودان، ورفض محاولة الدعم السريع تشكيل حكومة موازية قد تهدد هذه الوحدة.. وقد تأذت هذه الوحدة جرَّاء سيطرة الدعم السريع على إقليم دارفور، عقب سقوط الفاشر، عاصمة شمال دارفور، فى أكتوبر 2025، وكانت شمال دارفور آخر معاقل الحكومة فى غرب السودان.
وأعلن محمد حمدان دقلو، الشهير بـ«حميدتى»، قائد الدعم السريع، عن تشكيل حكومة موازية فى الأراضى التى تسيطر عليها قوات الدعم السريع فى يوليو 2025.. وكانت قواته آنذاك تسيطر على معظم إقليم دارفور، وعلى شطر كبير من جنوب السودان.. وقد كان سقوط الفاشر السبب فى تغيير موقف مصر من الصراع السودانى، إذ ساعد سقوطها حميدتى على توطيد سلطته فى غرب السودان.. وقد استقبلت مصر منذ نشوب الصراع السودانى ملايين السودانيين الذين فروا إليها من أعمال العنف، وأخذ بعضهم يعودون إلى السودان بعد نجاح القوات المسلحة السودانية فى استعادة منطقة الخرطوم العام الماضى.. إلا أن المحللين يخشون أن يتحول الصراع السودانى إلى صراع إقليمى أوسع نطاقًا، إذ تدعم كلٌ من مصر وقطر والسعودية وتركيا حكومة البرهان، بينما يدعم حفتر والإمارات الدعم السريع.. وتوصل خبراء من الأمم المتحدة، إلى أن الإمارات هى التى تزود قوات الدعم السريع بالأسلحة، بينما تنفى أبو ظبى دعمها لها.. وتعتقد السلطات المصرية، أن سيطرة الدعم السريع على غرب السودان، قد يسمح للجماعات الإرهابية النشطة فى منطقة الساحل بالزحف إلى جنوب غربى مصر، «القتال المتواصل فى السودان يُشكل فى حد ذاته تهديدًا للأمن القومى المصرى».. ولذا، تسعى مصر إلى ردع هذا التهديد، بمواصلة الدعوة إلى حل سلمى للصراع السودانى المستعر منذ نحو ثلاث سنوات، بما يحافظ على وحدة السودان.. وكما تقول صحيفة «سودان تريبيون»، إن «مصلحة مصر الحقيقية تكمن فى إنهاء الحرب، لا فى إطالتها، فاستقرار السودان ضرورة استراتيجية للقاهرة، إذ يُشكل منطقة عازلة رئيسية فى جنوبها، وعدم الاستقرار بها يُنذر بفوضى إقليمية وتهديدات أمنية لا يمكن التنبؤ بها».
*
لذلك، فإن مصر تتعامل اليوم مع واحدة من أعقد الأزمات التى عرفتها حدودها الجنوبية منذ عقود، وهى الأزمة السودانية، التى لم تعد مجرد حرب أهلية فى دولة مجاورة، بل تحولت إلى مسألة إقليمية عميقة التأثير على الأمن القومى المصرى.. فمع تمدد الصراع، وتشظى القوى العسكرية والسياسية السودانية، وتزايد الانخراط الإقليمى والدولى فى مسارات الحرب، تجد القاهرة نفسها أمام تحدٍ مُركب، يتجاوز حسابات الدولة التقليدية، ويشمل تفاعلات إنسانية واجتماعية وسياسية، تمتد إلى قلب المجتمع المصرى ذاته.
وتُشكّل الحرب السودانية، كما تقول أمانى الطويل، ضغطًا سياسيًا مضاعفًا على الدولة المصرية، ليس فقط بسبب أهمية السودان الحيوية بالنسبة إلى أمن وادى النيل، وإنما أيضًا بسبب انزعاج الرأى العام المصرى من مشاهد الانهيار وتقدم المليشيات، والخشية من أن تنتقل تداعيات الحرب- أمنيًا وديموجرافيًا- إلى الداخل المصرى.. ويذهب جزء من الأصوات العامة والإعلامية إلى الدعوة لموقف مصرى أكثر حزمًا، يحمى الحدود ويضمن عدم تحول السودان إلى ساحة تهديد مباشر للمصالح المصرية.. كل ذلك يجعل معضلة السودان شأنًا مصريًا بامتياز، ويضع القاهرة أمام سؤال محورى: ماذا يمكن لمصر أن تفعل فى ظل حرب لا أفق قريبًا لنهايتها؟.
فى هذا السياق المضطرب، تبرز قضية اللاجئين السودانيين فى مصر كأحد أهم أبعاد الأزمة، بل كنافذة، نرى من خلالها هشاشة الوضع السودانى وانعكاساته على الحياة اليومية فى مصر.. لقد استقبلت مصر منذ اندلاع الحرب موجات بشرية واسعة من السودان، حيث دخل الملايين عبر الحدود الجنوبية، بعضها عبر طرق رسمية، وبعضها الآخر فى ظروف إنسانية قاسية.. واللافت، أن هذه الموجات لم تقتصر على الفئات الفقيرة أو النازحة فقط، بل شملت أيضًا نخبًا سياسية ومهنية وإعلامية سودانية، تجد فى القاهرة فضاءً آمنًا نسبيًا لممارسة نشاطها، وتعيد من خلالها إنتاج رواية الأزمة فى المحافل الدولية.
ورغم أن مصر تعتمد سياسة إنسانية واضحة، تقوم على عدم إنشاء مخيمات للاجئين، مما يسمح لهم بالاندماج داخل المدن المصرية، إلا أن هذه السياسة- على أهميتها- لم تعد كافية أمام ضخامة الوجود السودانى وتنوع تركيبته وامتداد أمده.. فالأزمة السودانية من النوع المُزمن، والعودة القريبة للاجئين، تبدو أقرب إلى الأمنيات منها إلى الواقع، نظرًا لتعقّد المشهد العسكرى والسياسى فى السودان وغياب تسوية قابلة للحياة.
هذا الواقع، يجعل من الضرورى إعادة التفكير فى مقاربة أكثر شمولًا لاستضافة السودانيين فى مصر، تقوم على تصور طويل المدى، بدلًا من الإجراءات قصيرة الأجل التى تفرضها ضغوط اللحظة.. ولا تقتصر المشكلة على الجانب القانونى.. فإن كان دمج اللاجئين داخل المجتمع المصرى يحقق فائدة إنسانية واجتماعية، لكنه يتحول إلى تحدٍ، حين تتسع الأعداد وتزداد الضغوط على الخدمات العامة، من تعليم وصحة وسكن.. ويحتاج الأمر إلى بنية مؤسسية مخصصة: مدارس موازية أو فصول دعم، برامج مهنيّة لدمج الشباب، آليات تنظيم سوق العمل، وحملات توعية لتجنب الاحتكاكات الاجتماعية فى المناطق التى تتداخل فيها الجاليات السودانية والمصريين.. هذه الإجراءات ليست ترفًا، بل ضرورة مُلحّة لتجنب تولّد مشاعر سلبية أو نزعات تمييزية، قد يُغذيها التوتر الاقتصادى أو الضغط على الخدمات.
وهنا، يصبح دور المجتمع الدولى مركزيًا.. فمصر فى نهاية المطاف، دولة متوسطة الدخل، تتحمل أعباء إنسانية مضاعفة، بينما يظل الدعم الدولى أدنى كثيرًا من حجم الأزمة.. فالمجتمع الدولى يستفيد من استقرار مصر واستيعابها لموجات النزوح، لكنه لا يقدم ما يكفى لضمان استدامة هذا الدور.. لذلك، تُصبح القاهرة بحاجة إلى إطار دعم جديد من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى والمؤسسات الخليجية والمانحين، لتمويل برامج الإدماج، وتطوير البنية الصحية والتعليمية فى المحافظات التى تستقبل أعدادًا كبيرة من السودانيين، مثل القاهرة الكبرى وأسوان.
ولأن جزءًا من النخب السودانية بكافة أنواعها السياسية والاقتصادية والفكرية، أصبح يمارس دوره من القاهرة، فإن تطوير إطار قانونى واضح لوجودهم، يساعد مصر فى تنظيم هذا الوجود، بشكل يخدم الاستقرار الاجتماعى، ويُقلل من فرص استخدام الأراضى المصرية كنقطة صراع سياسى سودانى داخلى، أو كمنصة لاختراقات خارجية.. كما يتيح لمصر القدرة على التأثير الإيجابى فى خطاب هذه النخب تجاه مستقبل السودان، بما ينسجم مع رؤية مصر لوحدة الدولة السودانية وترتيبات أمنها متعدد الأبعاد.
على الجانب السياسى، تدرك القاهرة، أن الأزمة السودانية ليست مجرد صراع داخلى، بل هى ساحة مفتوحة لتنافس إقليمى حاد، تتداخل فيها مصالح قوى عربية وإفريقية، ثم تتسع لاحقًا لتشمل القوى الكبرى التى ترى فى السودان موقعًا استراتيجيًا مرتبطًا بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي.. لذلك تحتاج مصر إلى حذر شديد فى مواقفها، فهى من جهة لا تستطيع تبنى سياسة منحازة لطرف بعينه، حتى لا تخسر قدرة الوساطة أو تؤجج حساسيات داخل السودان، ومن جهة أخرى، تشعر بأن استمرار الحرب يهدد استقرار حدودها، ويخلق واقعًا جغرافيًا وسياسيًا جديدًا، على نحو قد يضر بمصالحها الحيوية.. وفى ظل هذه البيئة المُركبة، تعتمد مصر مقاربة تقوم على دعم وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، مع الحفاظ على قنوات اتصال مع القوى المدنية، والانفتاح على أى تسوية سياسية قابلة للحياة.. لكن قدرة مصر على التأثير على الأطراف السودانية تبقى محدودة؛ بفعل تشظى القوى والولاءات، وتزايد النفوذ الخارجى فى الحرب.. ومع ذلك، تظل القاهرة صاحبة المصلحة الأكبر فى منع تفكك السودان، أو رسم ترتيبات أمنية جديدة فى الإقليم.
وعلى مستوى الحدود، فإن مصر تواجه واقعًا أمنيًا حساسًا.. فالتدفقات البشرية الكبيرة عبر معابر الجنوب، وتنوع الخلفيات الاجتماعية للوافدين، يفرض على الأجهزة المصرية حالة استنفار دائم، لمنع تسرب السلاح والعناصر الخطرة.. وفى الوقت نفسه، السماح بالعبور الإنسانى الضروري.. وتحتاج السياسة الحدودية هنا إلى توازن دقيق بين الحماية والمرونة، لأن التشدد المفرط قد يدفع المدنيين إلى طرق غير قانونية، ويغذى شبكات التهريب، بينما الانفتاح المبالغ فيه قد يتم استغلاله لأغراض تهريب سلاح أو تمركز جبهات صراع داخل الأراضى المصرية.. وفى مواجهة هذه التحديات، تبدو القاهرة مطالبة بسياسة مُركبة تشمل: تعزيز دورها فى المبادرات الإقليمية الخاصة بالحل السياسى، النظر إلى منظومة استضافة اللاجئين على أساس طويل المدى، المطالبة بدعم دولى منظم ومستدام، وتنظيم الوجود السودانى سياسيًا واجتماعيًا، بما يمنع استخدامه ضد مصالح مصر أو تحويله إلى عبء داخلى.
*
■■ وبعد..
فقد حددت مصر خطوطها الحمراء فى السودان فى الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ورفض التقسيم، مما يعنى رفضًا قاطعًا لأى محاولة لتقسيم السودان، أو إنشاء كيانات موازية مثل دولة فى دارفور تحت سيطرة قوات الدعم السريع، حيث تعتبر مصر ذلك تهديدًا مباشرًا لأمنها القومى، ولن تسمح بوجود أى كيانات تهدد أمنها على الأراضى السودانية، سواء كان التقسيم جغرافيًّا أو عرقيًّا أو ثقافيًّا.. حماية مؤسسات الدولة السودانية من الانهيار، خصوصًا الجيش السودانى، الذى تعتبره مصر قلب الأمة السودانية ورمزًا للدولة، والضامن الوحيد للحفاظ على مؤسسات الدولة وشكلها، إذ إن انهيار الجيوش يؤدى إلى فوضى شاملة.. رفض مساواة الجيش الوطنى بالميليشيات غير الشرعية، ومن ثمَّ، عدم القبول بأى صيغة تساوى بين الجيش السودانى الشرعى وبين قوات الدعم السريع أو أى ميليشيات مسلحة غير شرعية، ورفض وجود دولتين أو قسمين داخل الدولة الواحدة، حيث تكون هناك حكومة حقيقية ومنشقون.
لقد عملت مصر على الحيلولة دون إنشاء تحالفات خارجية، تهدف إلى تقسيم السودان وفقًا لمصالح دولية وإقليمية، ورفض وجود أى قوات دولية داخل السودان، مع التأكيد على ضرورة سحب كل المرتزقة ووقف دعم الميليشيات وتدفق الأسلحة.. كذلك، حماية الأمن المائى المصرى، ومنع أى سيناريو يُهدد تدفق مياه النيل الأزرق، خصوصًا فى ظل محاولات قوات الدعم السريع السيطرة على مناطق النيل الأزرق وإنشاء تماس مع الحدود الإثيوبية.. ومنع الكارثة الإنسانية والأمنية، برفض أى سيناريو يؤدى إلى تدفق ملايين اللاجئين عبر الحدود المصرية، أو انتشار الإرهاب والجريمة المنظمة، أو استفحال سياسات التجويع والحصار التى تؤدى إلى وفيات جماعية وانتشار الأمراض.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.

مقالات ذات صلة