قربة يؤديها المسلمون في عيد الأضحى، تتمثل بذبح أنواع معينة من الأنعام تقربا إلى الله، وإحياءً لذكرى امتثال النبي إبراهيم عليه السلام للأمر الإلهي بذبح ابنه إسماعيل الذي افتُدي بذبح عظيم، ويستحب تقسيمها وإطعام الفقراء منها تعزيزا لقيم التكافل والتراحم.
قصة الأضحية في الأديان السماوية
ترتبط الأضحية -كحال أغلب مناسك الحج- بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، الذي رأى في المنام -ورؤيا الأنبياء وحي- أنه يذبح ابنه. ورغم شدة هذا البلاء، فإن النبي وابنه أبديا طاعة كاملة لله تعالى، ولما همّ إبراهيم بتنفيذ الأمر، فدى الله تعالى الابن بذبح عظيم، لتصبح القصة رمزا للطاعة والتسليم لله، وترتبط بها شعيرة الأضحية في عيد الأضحى.
وقد خلّد القرآن الكريم هذه القصة بقوله تعالى: "فلما بلغ مع السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما وتلّه للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدّقت الرؤيا، إنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم" (الصافات 102-107).
فالأضحية ترتبط في الوجدان الإسلامي بهذه القصة التي أثارت في الوقت نفسه نقاشًا بين العلماء المسلمين، فضلا عن الاختلاف بين الأديان الثلاثة، حول هوية الابن "الذبيح"، بين من قال إنه إسماعيل ومن قال إنه إسحاق. ويرجّح المفسرون المسلمون أن الذبيح هو إسماعيل استنادًا إلى سياق الآيات والروايات المرتبطة بمكة وشعائر الحج، بينما تذهب التوراة إلى أنَّ الذبيح هو إسحاق عليه السلام، وهي الحادثة التي يرمز إليها اليهود عبر النفخ في "الشوفار" (قرن الكبش) في بعض طقوسهم وأعيادهم؛ تأكيداً على ميثاق فداء إسحاق كما يؤكد ذلك التلمود البابلي.
أما في المسيحية؛ فمع تبنيهم لما ورد في نص العهد القديم من أن الذبيح هو إسحاق، فإن اللاهوت المسيحي -كما في رسالة بولس إلى العبرانيين- يرى في هذه الحادثة رمزاً تمهيدياً لرواية صلب المسيح وقيامته. ويتجلى هذا الربط في تفاصيل القصة التي يفسرها آباء الكنيسة كإشارات مسبقة؛ فحملُ إسحاق لحطب المحرقة يرمز لحمل المسيح لصليبه، ورحلة الأيام الثلاثة للوصول إلى الجبل ترمز للأيام الثلاثة التي قضاها المسيح في القبر قبل القيامة، فضلا عن وصف إسحاق في النص التوراتي بالابن "الوحيد المحبوب" كإشارة لبذل المسيح الذي يعتقد المسيحيون أنه الإله الابن. وبذلك، لم يكن فداء إسحاق بالكبش في المنظور المسيحي، إلا إشارةً للحدث الحقيقي الذي تجسد على الصليب، بحسب معتقدهم.
وهنا يبرز اختلاف آخر بين القصة القرآنية التي تتحدث عن الذبح الذي يحيل لأداة واحدة هي السكين، بينما لا يقصر النص التوراتي -كما جاء في سفر التكوين الإصحاح 22- الأمر على الذبح، بل يسمي الحدث محرقة، أي تقديم الذبيحة وتقطيعها ثم حرقها بالكامل على المذبح قربانا لله، وهذا ما يتطلب حطباً وناراً وسكيناً.
المفهوم
في اللغة العربية، تُعرَف الأضحية بعدة أسماء مثل: الأضحية، والضحية، والأضحاة، وكلها ترتبط بمعنى الذبح في وقت الضحى أو في أيام عيد الأضحى، ومن هنا جاءت تسمية عيد الأضحى.
أما في المعنى الشرعي، فالأضحية هي الذبيحة التي تُقدَّم تقربا إلى الله في أيام النحر وفق شروط محددة في الفقه الإسلامي. لذلك، لا يُعدّ ذبح الحيوانات للبيع أو لإعداد الطعام للضيوف أضحية، كما لا يدخل ضمنها الذبح الذي يتم خارج أيام العيد حتى لو كان بنية التقرب إلى الله. وهي تختلف أيضا عن العقيقة، والهدي، وذبائح الكفارات المرتبطة بالحج، لأن لكل منها أحكاما وأهدافا مختلفة.
تاريخيا، شُرِعت الأضحية في السنة الثانية للهجرة، وهي السنة نفسها التي شُرعت فيها صلاة العيدين وزكاة المال، مما يعكس ارتباطها بجملة من الشعائر الدينية ذات البعد التعبدي والاجتماعي.
فالأضحية تحمل أبعادًا روحية واجتماعية، وفي مقدمتها استحضار معاني الصبر والطاعة التي تجلت في موقف إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، إلى جانب تعزيز التكافل الاجتماعي من خلال إطعام المحتاجين ومشاركة الطعام مع الآخرين.
القرابين في التاريخ
على الرغم من كون الأضحية مصطلحا إسلاميا معروفا؛ فإنها تندرج ضمن مفهوم أوسع عرفته البشرية منذ أقدم العصور، هو مفهوم "القربان". حيث حضرت مسألة تقديم القرابين في ديانات وثقافات متعددة، شأنها شأن الصلاة التي تكاد لا تخلو منها شريعة دينية. وهذا الاشتراك في الشعائر قد يُفهم بوصفه أثرًا لوحدة المصدر الإلهي للأديان، بينما يكشف الاختلاف في صور الممارسة والتطبيق عن مدى محافظة الشعوب على تعاليم هذه الأديان، أو انحرافها عنها عبر الزمن.
وقد أشار القرآن الكريم إلى قِدم فكرة القربان في قصة ابني آدم، حين قدم كل منهما قربانًا فتُقبل من أحدهما ولم يُتقبل من الآخر. غير أن بعض الحضارات والديانات الوثنية حولت مفهوم القربان إلى ممارسات دموية قاسية، حتى عرفت البشرية ما يسمى بالقرابين البشرية، حيث كان الإنسان نفسه يُقدَّم قربانًا للآلهة التي خضعت لها بعض الشعوب.
أما في الإسلام؛ فقد ضبط مفهوم القربان ضمن إطار تعبدي وأخلاقي صارم، يقوم على قاعدة أساسية مفادها أن الله "لا يُعبد إلا بما شرع"، ولذلك وضعت الشريعة شروطًا دقيقة للأضحية وسائر القرابين، تتعلق بنوع الذبيحة وسلامتها ووقت ذبحها وكيفيته والنية المصاحبة لها، بحيث لا تصحّ الأضحية إذا اختل شرط من شروطها. كما رفض الإسلام كل أشكال القرابين البشرية والطقوس الدموية العنيفة، وأكد على الإحسان إلى الحيوان والتخفيف عنه في لحظة الذبح.
وفي لفتة تصحيحية مهمة؛ يؤكد القرآن الكريم أن نفع الأضحية لا يعود إلى الله، فليست الدماء أو اللحوم مما يصل إلى الله -"لن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم" (الحج 37)، وإنما يعود للمضحي نفسه بما تعكسه الشعيرة من معاني التقوى والطاعة والإخلاص، ولهذا ارتبطت الأضحية بقيم التكافل الاجتماعي، من خلال إطعام الفقراء والمحتاجين وإشاعة روح المشاركة والتضامن والتراحم داخل المجتمع.
صفات الأضحية
اتفق الفقهاء على أن الأضحية لا تصح إلا من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر (ويدخل فيها الجاموس) والغنم بأنواعها بما يشمل الضأن والمعز، أما غير الأنعام كالحيوانات المتوحشة أو الظباء ونحوها؛ فلا تجزئ في الأضحية باتفاق العلماء.
وقسّموا صفات الأضحية إلى 3 أنواع: صفات مستحبة، وعيوب مانعة من الإجزاء، وصفات مكروهة.
- الصفات المستحبة: اتفقوا على استحباب اختيار الأضحية السليمة الحسنة السمينة، وأن الكبش الأقرن الأبيض من أفضل ما يضحى به. إذ الأصل في الأضحية أن تكون كاملة الخِلقة، سليمة من النقص الظاهر، ومن أجود الأنعام وأكملها خِلقة، بعيدة عن العيوب تحقيقا لمعنى التعظيم في الشعيرة.
- العيوب المانعة من صحة الأضحية: فقد أجمعوا على 4 عيوب رئيسة ورد النص عليها في الحديث النبوي، وهي: العور البيّن، والمرض الظاهر، والعرج الواضح، والهزال الشديد، ثم توسعوا في القياس على هذه العيوب، فألحقوا بها ما كان في معناها أو أشد منها.
- الصفات المكروهة: ذكر العلماء عددا من العيوب التي لا تمنع صحة الأضحية لكنها تخالف كمالها، مثل شق الأذن أو خرقها أو قطع جزء يسير منها، وكسر القرن، وبعض العيوب الشكلية التي لا تؤثر في اللحم.
وقت الأضحية
رغم وجود خلافات جزئية بين الفقهاء حول بداية وقت الأضحية ونهايته، وحول حكم الذبح في ليالي العيد، فإنهم أجمعوا على أن أفضل أوقات التضحية هو اليوم الأول من عيد الأضحى قبل زوال الشمس، باعتباره الوقت الموافق للسنة النبوية.
كما اتفقوا على عدم جواز الذبح قبل دخول يوم العيد، غير أنهم اختلفوا في تحديد بداية الوقت المشروع للأضحية بعد طلوع فجر يوم النحر؛ فمنهم من أجاز الذبح بعد الفجر ولو قبل صلاة العيد، ومنهم من رأى أن وقت الذبح يبدأ بعد انتهاء صلاة وخطبتي العيد حقيقة أو من باب التقدير الزمني.
المندوب في الأضحية
استحب بعض الفقهاء إعداد الأضحية قبل أيام النحر وربطها وتهيئتها، لما في ذلك من إظهار الاستعداد للقربة وتعظيم الشعيرة، كما استحبوا تقليد الأضحية وتزيينها على نحو ما يفعل بالهدي، وسوقها إلى المذبح برفق ومن غير عنف أو جر مؤذ. وبينوا أن آلة الذبح لا بد أن تكون حادة رحمة بالحيوان، وألا يباشر السلخ إلا بعد أن تبرد الذبيحة وتسكن حركتها.
وفي المقابل، كرهوا الانتفاع بالأضحية بعد تعيينها، كحلب لبنها أو جز صوفها أو استخدامها في الركوب والحمل، لأن تعيينها يجعلها مخصصة للقربة، فلا ينبغي أن ينقص منها شيء لمصلحة صاحبها. واستثنوا من ذلك ما تدعو إليه الحاجة أو ما فيه مصلحة للحيوان نفسه، كحلب اللبن إذا خيف الضرر على الأضحية، مع التصدق بما ينتج عنها من لبن أو صوف.
أما في آداب الذبح، فقد اتفقوا على استحباب أن يتولى المضحي ذبح أضحيته بنفسه إن كان يحسن الذبح، فإن لم يحسن الذبح جاز له أن ينيب غيره. واستحبوا توجيه الذبيحة نحو القبلة وإضجاعها على جنبها الأيسر، مع التسمية والتكبير والدعاء بالقبول.


