بدأ بعض أفراد جيل «زد» وجيل الألفية في إعادة تعريف مفهوم «سنة الفجوة» التي كانت تُخصص تقليدياً لخريجي الجامعات الراغبين في أخذ استراحة قبل بدء حياتهم المهنية. ومع تصاعد الاحتراق الوظيفي، بات شباب عاملون يلجأون إلى ما يُعرف بـ«سنوات الفجوة للبالغين» أو «التقاعد المصغر»، في محاولة للابتعاد مؤقتاً عن ضغوط العمل وإعادة ترتيب حياتهم.
وبفضل التخطيط المالي والادخار، اختارت عالمة البيانات جوليا فاي، البالغة 29 عاماً، ترك وظيفتها ذات الأجر الجيد من دون خطة بديلة، بعد سبع سنوات من العمل في قطاع التكنولوجيا.
الذكاء الاصطناعي دفعها إلى إعادة التفكير في مستقبلها
وقالت فاي، التي كانت تقيم في مانهاتن، لصحيفة «نيويورك بوست»: «هناك كثير من التغييرات في العمل بسبب الذكاء الاصطناعي والتحولات التكنولوجية، ورأيت لنفسي رؤية وفرصة لفعل شيء وبناء شيء خاص بي».
وأضافت: «لقد أحببت عملي بالفعل، لكن بدا أن الوقت مناسب»، مشيرة إلى اعتقادها بأن «ما تبقى لنا هو 5 إلى 10 سنوات من وظائف التكنولوجيا بالشكل الذي نعرفه اليوم».
وقررت فاي أيضاً قضاء فترة التوقف بالقرب من والديها المتقاعدين في غوانغتشو بالصين، حيث قالت إن تكلفة المعيشة أقل بكثير. وتستخدم مدخراتها عند الحاجة، في حين تساعدها الإقامة مع والديها وتأجير شقتها في نيويورك على خفض النفقات.
وخلال فترة التوقف، تخطط فاي لتطوير فكرة منتج تقني خاص بها، إلى جانب تنمية عملها في صناعة المحتوى، الذي أصبح مصدر دخلها الرئيسي.
«سنة الفجوة» ليست خالية من التحديات
رغم أن الابتعاد عن العمل قد يبدو رفاهية، فإن فاي تواجه صعوبة في التعامل مع غياب الروتين الذي كانت تكرهه سابقاً.
ويرى إيه جاي شنايدر، المخطط المالي ومؤسس شركة «Beyond The Green Coaching»، أن التخطيط المالي يجعل خوض تجربة مماثلة أكثر قابلية للتنفيذ.
وقالت شنايدر: «ترتيب أمورك المالية مهم حتى تتمكن من القيام بقفزات كبيرة في حياتك»، موضحة أن الادخار لا يتعلق فقط بالتقاعد أو شراء منزل، بل أيضاً بامتلاك القدرة على مغادرة وظيفة لا يشعر الشخص بالسعادة فيها من دون تعريض نفسه للخطر المالي.
وتنصح الراغبين في أخذ سنة فجوة بخفض نفقاتهم اليومية وزيادة مدخراتهم، مع تحديد تكاليف السفر والإقامة والطعام والأنشطة مسبقاً وتقسيم المبلغ المطلوب على عدد الأشهر المتاحة للادخار.
الاحتراق الوظيفي يدفع الشباب إلى البحث عن بداية جديدة
فاي ليست الوحيدة التي تبحث عن إعادة ترتيب حياتها. ووفقاً للتحالف الوطني للأمراض النفسية، أقرّ 74 في المائة من أفراد جيل «زد» وجيل الألفية بأنهم يعانون مستويات متوسطة إلى مرتفعة من الاحتراق النفسي.
وعلى «تيك توك»، يضم وسم #adultgapyear آلاف المقاطع التي ينتقد فيها الشباب «ثقافة العمل الشاق» والانشغال الدائم. وقال أحد صناع المحتوى في مقطع واسع الانتشار: «ثقافة العمل الشاق ستؤدي إلى سقوط هذا الجيل».
«كنت أعيش اليوم نفسه مراراً»
اختارت تامي أرمسترونغ، البالغة 31 عاماً، المسار نفسه بعد 10 سنوات من العمل سكرتيرة طبية في اسكوتلندا.
وقالت لصحيفة «نيويورك بوست»: «كانت وظيفتي تصبح أكثر رتابة بشكل متزايد. شعرت بأنني أعيش اليوم نفسه مراراً وتكراراً».
وأضافت: «أردت أن أشعر بالحرية مجدداً... وأردت أن أخرج من منطقة الراحة الخاصة بي، وآمل أن أصل إلى نوع من الإدراك لما أريد فعله في حياتي. وأردت أيضاً أن أهدئ جهازي العصبي وأن أعيش بوتيرة أبطأ».
ولبدء سنة الفجوة في يناير (كانون الثاني) 2025، عملت أرمسترونغ لساعات إضافية والتزمت بميزانية صارمة، وضحت بحياتها الاجتماعية وبعض النفقات الشخصية. وخلال رحلاتها، تعتمد على وظائف بدوام جزئي، وبيوت شباب وفنادق ومواقع تخييم منخفضة التكلفة، وأماكن إقامة محلية عندما تسافر مع مجموعات تطوعية.
«كان من الصعب ألا أشعر بالذنب»
قالت أرمسترونغ إن التخلي عن روتين العمل والتكيف مع إنفاق أموال أقل لم يكن سهلاً.
وأضافت: «كانت هناك بالتأكيد لحظات شعرت فيها بالقلق من أن يؤدي ذلك إلى تأخري عن الآخرين في الحياة، وكنت أشعر بالقلق بشأن المال».
وتابعت: «كنت أتحمل كثيراً من الأمور التي لم تكن تتوافق معي لسنوات، لمجرد أنها كانت دائماً كذلك. واضطررت فعلاً إلى التخلص من فكرة أن التراجع ليس فشلاً».
«الحياة ليست مضمونة»
وبعد مرور عام على تبنيها هذا النمط الجديد من الحياة، تعدّ أرمسترونغ اسكوتلندا موطنها حالياً، ولا تملك خططاً للسفر في المستقبل القريب، حتى تتمكن من أخذ الوقت الكافي لتحديد ما تريد فعله بعد ذلك.
وأضافت: «هناك خيارات أخرى للحياة غير المسار التقليدي، والناس يستقرون في حياتهم في سن متأخرة».
وتابعت: «الحياة ليست مضمونة، كما أن العمل الجاد طوال حياتك بهدف الاستمتاع بها في نهاية المطاف بعد التقاعد ليس مضموناً أيضاً».


