في سابقة منذ نحو عقدين، أحال مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي، بالتزامن مع تصاعد الأحداث في مضيق هرمز، في حين اعتبرت إيران القرار بأنه "مسيّس".
وصوّت المجلس المؤلف من 35 دولة، اليوم الأربعاء، على قرار إحالة إيران إلى مجلس الأمن، على خلفية "عدم امتثالها" لالتزاماتها في الملف النووي، في خطوة رأى دبلوماسيون بأنها تسعى إلى زيادة الضغوط عليها.
ويأتي القرار بناء على مشروع قدمته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، استند إلى تقارير المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، التي خلصت إلى عدم امتثال إيران لالتزاماتها.
وسبق أن صدرت مثل هذه الإحالة في فبراير/شباط عام 2006، إذ أيّد مشروع القرار -الذي مرره الاتحاد الأوروبي– آنذاك 27 عضوا في الوكالة.
على ماذا ينصّ القرار؟
ويشير القرار إلى أن إيران انتهكت التزاماتها تجاه اتفاق الضمانات والاتفاق النووي، متهما طهران بحجب المعلومات الحقيقية بشأن ما يجري داخل منشآتها، وفق ما أفاد مراسل الجزيرة عيسى الطيبي.
وقال الطيبي إن القرار أشار كذلك إلى منع مفتشي وكالة الطاقة الذرية، من دخول المنشآت النووية الإيرانية، كما طالب إيران بالعودة إلى المفاوضات السياسية دون شروط مسبقة، مع الإشارة إلى تفضيل الحوار والحل السياسي والدبلوماسي في الملف النووي الإيراني.
وأكد القرار أن الإحالة ستتبعها إجراءات أخرى، كما أعرب عن "قلق بالغ إزاء عدم امتثال إيران المستمر لالتزاماتها"، مكررا دعوته لطهران إلى "معالجة عاجلة" لذلك.
ويأتي القرار الأخير متابعة لقرار سابق معتمد في 12 يونيو/حزيران من العام الماضي، أي قبل يوم واحد من بدء إسرائيل قصف منشآت إيران النووية، ثم انضمام الولايات المتحدة إليها في الهجمات بعد فترة وجيزة.
وخلص القرار السابق إلى أن إيران في حالة "عدم امتثال" لتلك الالتزامات، لكن إحالتها إلى مجلس الأمن بسبب هذا الإخلال تطلبت إصدار قرار آخر.
ماذا تعني الإحالة وما تداعياتها؟
وتُعرّض الإحالة إلى مجلس الأمن إيران لعقوبات محتملة وتجميد الأصول، في حال صدر قرار مستقل عن مجلس الأمن، غير أنه من غير المرجّح أن يحدث ذلك، أمام امتلاك روسيا والصين حق نقض القرار في المجلس.
لكن الخطوة تمثل تصعيدا في المواجهة الدبلوماسية بين إيران والغرب، وفق وكالة رويترز، إذ كانت حذرت طهران من أنها سترد إذا اعتُمد القرار.
وبحسب رويترز، فقد حظي القرار بأغلبية 23 صوتا مؤيدا، وثلاثة أصوات معارضة، وامتناع 8 عن التصويت، مشيرة إلى أن الدول التي عارضت القرار هي روسيا والصين والنيجر.
ويرى دبلوماسيون للجزيرة، بأن الإحالة قد تقضي على ما تبقى من قنوات التواصل بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، لا سيما في ما يتعلق بعمليات التفتيش، التي كانت تشهد قدرا محدودا من النقاش.
كيف ردّت إيران؟
وفي ردّه على القرار، قال الممثل الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة في فيينا، رضا نجفي، إن القرار "باطل" ولا معنى له، معتبرا أنه لن ينجح، في ظل معارضة روسيا والصين له في مجلس الأمن.
وأضاف نجفي للجزيرة بأن القرار يمثل محاولة لإعادة فرض العقوبات على إيران، أو تفعيل ما يُعرف بآلية "سناب باك"، مشيرا إلى أن ذلك فشل في المرة السابقة، وستفشل مجددا.
وفي تصريح للتلفزيون الرسمي الإيراني، قال نجفي "لقد اعتُمِد هذا القرار بضغط سياسي من الولايات المتحدة وحلفائها، ونرى أن لا أساس له ولن يحقق أي نتائج".
من جهتها، قالت الخارجية الإيرانية، إن أمريكا والدول الأوروبية مارست الضغط على دول أعضاء مجلس محافظي الوكالة الذرية لتمرير مشروع قرارها، مشدّدة على أنها "لن تحصد سوى الإضرار بنظام عدم الانتشار النووي"، نافية ارتكاب أي حالة من عدم الالتزام بالتعهدات.
لماذا الآن؟
ولا تنفصل الخطوة التي اعتبرت في نظر مراقبين تصعيدا قانونيا كبيرا، عن مجريات التصعيد على مستوى الحرب الدائرة بين واشنطن وطهران.
ويرى الباحث الأول في مركز الجزيرة للدراسات، لقاء مكي أن التقليل من أهمية الإحالة إلى مجلس الأمن، باعتبارها خطوة رمزية أو عديمة الجدوى ليس دقيقا، مشيرا إلى أن القرار حظي بتأييد 23 دولة من أصل 35، وهو ما يعكس برأيه، شبه أغلبية كاسحة.
واعتبر مكي خلال برنامج نقاش الساعة الأربعاء، أن موافقة الترويكا الأوروبية، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، إلى جانب الولايات المتحدة، على نقل الملف إلى مجلس الأمن، تمثل تصعيدا في الضغط السياسي على إيران، وتنقل المواجهة إلى مستوى مختلف، من خلال تكريس الادعاء بأن إيران بدأت بالإخلال الجوهري بالتزاماتها.
ولا تعني الإحالة تلقائيا صدور إجراء عقابي من مجلس الأمن، وفق مكي، لكنها تمنح واشنطن في تقديره، شرعية سياسية أوسع لطرح الملف النووي الإيراني باعتباره خطرا داهما على المجتمع الدولي، مما سيقلل من حجم الرفض للحرب الأمريكية على إيران.
وخلص الباحث إلى أن ذلك سيوفر غطاء سياسيا للرئيس الأمريكي دونالد ترمب لمواصلة الحرب، داخل الولايات المتحدة وفي العالم.
واليوم، كشفت شبكة "سي إن إن" تواصل مساعي الولايات المتحدة لشنّ "ضربات حاسمة" ضد المنشآت النووية الإيرانية تحت الأرض، مشيرة إلى أن عناصر داخل وزارة الحرب الأمريكية عقدت مؤخرا جلسة تخطيط مكثفة بهذا الشأن.
من جهته، رأى الباحث في مركز دراسات الشرق الأوسط، عباس أصلاني، أن توقيت قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية وطبيعته يتجاوزان البعد الفني إلى أبعاد سياسية، مشيرا إلى أن إحالة الملف إلى مجلس الأمن تأتي بعد نحو 20 عاما من آخر إحالة، في ظل تغير كبير في موازين القوى الدولية، وتنامي نفوذ روسيا والصين.
واعتبر أصلاني أن القرار يسعى إلى تشكيل موقف دولي أوسع للضغط على إيران ونقل ملفها النووي إلى مجلس الأمن، رغم إدراك الدول الغربية أن أي تحرك لاحق داخل المجلس قد يصطدم بمعارضة روسيا والصين.
ويربط الباحث بين توقيت القرار والتطورات العسكرية الأخيرة، مشيرا إلى أنه "ليس من باب الصدفة أن يحصل ذلك، بعد أن تهديد ترمب باستهداف جبل رأس الفأس في إيران، معتبرا أن التصعيد داخل الوكالة قد يوفر بالنسبة لواشنطن، ذريعة لتصعيد العمليات العسكرية.
وكان ترمب هدد -الجمعة الماضية- بأن بلاده قد تستهدف جبل رأس الفأس في إيران قريبا، قائلا "نعرف كل تحركات إيران ونوجه لها ضربات قوية".
ويوجد هذا الموقع قرب منشأة نطنز الإيرانية لتخصيب اليورانيوم التي تعرضت لأضرار جسيمة، وهو شديد التحصين ويضم مجمعين من الأنفاق المدفونة على عمق كبير.


