61 سنة إلا عشرين يومًا تفصل ما بين ثورة 23 يوليو 1952، وثورة 30 يونيو/3 يوليو 2013، لذا لا يمكن أن نعتبر الثانية تكرارًا للأولى. بالتأكيد هناك العديد من جوانب التباين بينهما، أبرز تلك الجوانب أن مجموعة «الضباط الأحرار» استبقوا الشارع وانطلقوا نيابة عنه، فيما تحرك الشعب في 30 يونيو، وكان الشعب مهددًا من جماعة الإرهاب المسماة جماعة الإخوان، لذا تحركت القوات المسلحة، وعلى رأسها القائد العام وزير الدفاع وقتها الفريق أول عبدالفتاح السيسى، ومعه قادة الجيش، لحماية الملايين، وذلك واجبهم الدستورى.
الفارق الكبير يتمثل فيما واجهته كل ثورة في لحظاتها الأولى، وفى ذلك فإن ضباط يوليو كانوا محظوظين؛ فالملك فاروق تفهم الأمر، وتنازل عن العرش، وغادر إلى إيطاليا متمنيًا التوفيق للواء محمد نجيب ورفاقه من الضباط الأحرار..كما بارك رجال وقادة الأحزاب ما حدث، وإن وقعت خلافات سياسية فيما بعد..وحتى الطبقة التي أضيرت من بعض إجراءات الثورة كظمت غيظها، لكنها لم ترفع سلاحًا ضد الثورة..أما في ثورة 30 يونيو، فقد واجهنا منذ اللحظة الأولى جماعة إرهابية رفعت السلاح، واستعانت بالقوى الأجنبية، وصاحت في إحدى المظاهرات: «واحد.. اتنين.. الأسطول السادس فين؟»، والمقصود الأسطول السادس الأمريكى الذى كان متواجدًا وقتها فى البحر المتوسط.. وهكذا خضنا حربًا ضارية ضد جماعة إرهابية حاولت شق الإجماع الوطنى، وإحداث انقسام وحرب أهلية تنتهى بطلب حماية دولية، بما يعنى عمليًا تهديدًا لاستقلال مصر وسيادتها..لكن روح 30 يونيو، والتماسك الشعبي القوى، انتهيا إلى دحر الإرهاب والإرهابيين..صحيح أن التضحيات كانت كبيرة، والكلفة الإنسانية والاقتصادية عالية، لكن فى النهاية انتصرت الثورة، وانتصرت مصر والمصريون.
>>>
وبغض النظر عن هذه التفاصيل المهمة وغيرها، التى يجب أن يعنى بها المتخصصون من الباحثين والدارسين، فإن المسار العام للثورتين يقول إن ثمة تواصلًا وتكاملًا بينهما، ولا غرابة في ذلك..حيث نعرف جميعًا أن العمل والبناء الوطني يقومان على التواصل والتراكم؛ فكل حقبة تسلم إلى التي تليها، ويتم البناء عليها، وكل جيل يستكمل ما بدأه الجيل السابق، ولا يحاول هدمه، ولا الانتقاص منه، أو نقضه، وقد يعدل أو يصحح فيه بهدف دعمه وتقويته.. والخبرة والثقافة المصرية تعليان من تلك القاعدة، ويقول المثل، أو الحكمة الشعبية: «الباني طالع، والفاحت نازل”..مجالات عديدة سوف نجد فيها التواصل والتكامل بين الثورتين، ولنتأمل مجال علاقات مصر بمحيطها الجغرافي والدولي.
في كتاب «فلسفة الثورة» للرئيس جمال عبد الناصر، سوف نقرأ حديثًا عن الدوائر الثلاث التي تهتم بها مصر، وهي: الدائرة العربية، والدائرة الإسلامية، والدائرة الأفريقية، وهذه الدوائر تهتم بها مصر إلى اليوم، فالدائرة العربية تحكمنا بها اعتبارات عديدة جغرافية وتاريخية وثقافية، ويكفي أن جامعة الدول العربية، منذ تأسيسها قبل أكثر من ثمانين عامًا، مقرها القاهرة وتعمل منها..أما الدائرة الإسلامية، فهي تتشابك في جانب منها مع عالمنا العربي، وتمتد إلى ما حوله، مثل تركيا، وباكستان، وإيران، وماليزيا، وإندونيسيا، فضلًا عن عديد من جمهوريات آسيا الوسطى، وقد نشطت مصر علاقاتها مع هذه الدول في السنوات العشر الأخيرة.
ويجب القول إن علاقاتنا الإفريقية كان قد شابها الفتور منذ نهاية التسعينيات، لأسباب عديدة، وقام الرئيس عبد الفتاح السيسى بإعادة الروح إلى تلك العلاقات، وآخرها الزيارة الناجحة التي قام بها السيد الرئيس هذا الأسبوع إلى تنزانيا.. وربما يكون الرئيس السيسى صاحب أكثر الزيارات إلى دول القارة في تاريخ مصر، إذ يقوم سنويًا بأكثر من زيارة..وعادةً تكون الزيارة تدشينًا لعلاقات قوية، ولمظاهر التعاون فى الجوانب التنموية والثقافية والاقتصادية، وقد اكتسبت المؤسسات والشركات المصرية خبرات واسعة فى التعاون مع دول القارة، وإقامة مشروعات مشتركة هناك فى مجالات السدود والكهرباء وغيرها..غير أن ما يُحسب لثورة 30 يونيو والجمهورية الجديدة أنها أضافت إلى الدوائر الثلاث دائرةً جديدة، رابعة، هى الدائرة المتوسطية بشكل خاص، ويمكن القول، بقدر من التوسع، الدائرة الأوروبية.
كان المعلم العظيم رفاعة رافع الطهطاوي من أوائل الذين نبهوا إلى أهمية وعمق الارتباط المصرى بدول حوض البحر المتوسط، وجاء ذلك فى عدد من مقالاته وكتبه، خاصة كتابه المتميز «مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية». ثم جاء من بعده الدكتور طه حسين ليؤكد هذا البعد في كتابه المهم «مستقبل الثقافة في مصر».
صدر كتاب الطهطاوي في أعقاب افتتاح قناة السويس سنة 1869، وصدر كتاب طه حسين على خلفية توقيع معاهدة سنة 1936، وتكونت مدرسة في الفكر المصري تتبنى هذا البعد..ولم يكن ذلك تزيدًا فكريًا، فالثابت أن علاقات مصر قديمة بدول المتوسط، خاصة اليونان؛ فقد جاء فلاسفة اليونان القديمة إلى مصر، وتعلموا فيها. واستقى فيثاغورس نظريته الرياضية والهندسية الشهيرة من تأمله بناء الهرم الأكبر، كما تعلم طاليس، مؤسس الفلسفة الإغريقية، من مصر القديمة، وكذلك أفلاطون. وفيما بعد، كانت أكاديمية الإسكندرية القديمة، أو المكتبة، هي الجامعة الكبرى في العصر اليوناني المتأخر، ثم العصر الروماني.
وجاءت بعض الأحداث لتؤكد هذا المعنى؛ فعقب تأميم مصر لقناة السويس سنة 1956، قررت شركة القناة سحب كل المرشدين والضباط بالقناة، والهدف أن تعجز مصر عن تشغيلها وإدارتها..لكن الحكومة اليونانية طلبت من مرشديها البقاء في مصر، وتصرفوا كمصريين، وأكثر من ذلك، أمكن لهم الاستعانة بمرشدين بدلاء من يوغوسلافيا، وقاموا بتدريب مجموعات من المرشدين المصريين، والمهم أن القناة لم تتعطل، وظلت تعمل بالكفاءة نفسها، وكانت هناك جاليات يونانية وإيطالية قوية في الإسكندرية والمدن الساحلية المصرية، وفي كل المواقف الصعبة التي مرت بها مصر، وحرب سنة 1967 نموذجًا، كانت تلك الدول سندًا قويًا لنا.
ويحسب للجمهورية الجديدة، والرئيس السيسي شخصيًا، أن مصر خطت تلك الخطوة، فصارت علاقاتنا بدول المتوسط استراتيجية، وهناك شراكة كبيرة في عدد من المجالات..والضرورة الجغرافية تقول إننا نتشارك بحرًا واحدًا، لذا يجب أن تتحول القواسم المشتركة إلى علاقات قوية ونافعة..ولا يصح أن يَفْهَم بعضنا أن إضافة الدائرة المتوسطية جاءت على حساب الدوائر السابقة: الأفريقية، والعربية، أو الإسلامية..وبالإضافة إلى ذلك، هناك حالة من التوازن في العلاقات الدولية، فكثيرون في العالم يتحدثون عن استقطاب صيني– روسى فى مقابل الولايات المتحدة، لكن مصر تتمتع بعلاقات جيدة مع كل الأطراف، فى إطار ما يدعم مصالح مصر وأمنها القومى والوطنى.
أسست ثورة يوليو 1952 الجمهورية الأولى، وأقامت ثورة 30 يونيو الجمهورية الجديدة، وما بين الجمهوريتين وشائج مشتركة، فضلًا عن استمرار القضايا الرئيسة: الاستقلال، والسيادة الوطنية، والحرص على وجود جيش وطنى قوى، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والتوسع فى التنمية الاقتصادية المستدامة، وتقديم خدمات للمواطنين بما يؤدى إلى جودة الحياة..أما ملفات مثل التعليم، والصحة، والثقافة، فهناك تواصل واستمرار في الاهتمام بها، والحرص عليها



