لسنوات طويلة، كان الوجود الإفريقى فى كأس العالم يرتبط دائمًا بالمفاجآت الفردية والإنجازات الاستثنائية، كان يظهر منتخب ليكتب صفحة جديدة فى تاريخ القارة، ثم يعود المشهد فى النسخة التالية إلى طبيعته، لتبقى الإنجازات الأفريقية محصورة فى محاولات متفرقة لا تعكس دائمًا الإمكانات الحقيقية لكرة القدم داخل القارة السمراء.
لكن مونديال 2026 حمل صورة مختلفة تمامًا، فبعد أقل من أسبوعين على انطلاق البطولة، لم يعد الحديث يدور حول منتخب إفريقى واحد نجح فى خطف الأضواء، وإنما عن قارة كاملة فرضت نفسها بين كبار العالم، بعدما قدمت مستويات فنية لافتة، ونجحت فى منافسة أعرق المدارس الكروية، وأرسلت أكبر عدد من ممثليها إلى الأدوار الإقصائية فى تاريخ مشاركاتها بالمونديال.
ومع نهاية دور المجموعات، كانت القارة السمراء صاحبة أحد أبرز مشاهد البطولة، بعدما نجحت تسع منتخبات من أصل عشرة فى حجز أماكنها بين أفضل 32 منتخبًا فى العالم، وهو رقم لم يسبق أن اقتربت منه أفريقيا طوال تاريخ مشاركاتها فى كأس العالم، ليصبح مونديال 2026 نقطة تحول جديدة فى تاريخ الكرة الإفريقية.
«الفراعنة» يكسرون العقدة
دخل المنتخب المصرى كأس العالم 2026 وهو يحمل حلمًا ظل يطارده منذ أول مشاركة فى مونديال 1934 بإيطاليا، ثلاثة ظهورات سابقة، فى 1934 و1990 و2018، انتهت جميعها بالخروج من الدور الأول، لتبقى بطاقة التأهل إلى الأدوار الإقصائية هدفًا مؤجلاً لجيل بعد جيل، لكن هذه المرة اختلف المشهد.
استهل الفراعنة مشوارهم بمواجهة قوية أمام بلجيكا، أحد أبرز المرشحين فى المجموعة، ونجحوا فى الخروج بنتيجة إيجابية ، قبل أن يواصل الفريق عروضه المنظمة فى الجولة الثانية أمام نيوزيلندا ويحقق أول فوز فى تاريخه، ليصل إلى المباراة الأخيرة أمام إيران وهو يدرك أن نقطة واحدة قد تكون كافية لكتابة التاريخ.
وفى مواجهة اتسمت بالحذر والندية، نجح المنتخب المصرى فى انتزاع تعادل ثمين مع ايران ليصل إلى خمس نقاط محققاً أول تأهل فى تاريخ الكرة المصرية إلى الأدوار الإقصائية بكأس العالم.
المغرب واستمرار المشروع
إذا كان المنتخب المغربى قد فاجأ العالم فى مونديال قطر 2022 ببلوغه نصف النهائي، فإن ما قدمه فى نسخة 2026 حمل رسالة مختلفة تمامًا.
أسود الأطلس دخلوا البطولة هذه المرة دون صفة «الحصان الأسود»، بل باعتبارهم أحد المنتخبات التى ينتظر الجميع مشاهدتها، وهو ما وضع الجهاز الفنى واللاعبين تحت ضغط مختلف، لكن المنتخب تعامل مع تلك الضغوط بهدوء وثقة.
وقدم المغرب مرحلة مجموعات اتسمت بالنضج التكتيكي، فنجح فى جمع 7 نقاط ضمنت له التأهل إلى دور الـ32 كوصيف لمجموعته، مؤكدًا أن الإنجاز التاريخى فى النسخة الماضية لم يكن استثناءً، وإنما بداية لمشروع كروى متكامل يواصل حصد ثماره.
وبهذا التأهل، عادل المغرب الرقم القياسى الإفريقى فى عدد مرات عبور دور المجموعات، ليواصل كتابة فصول جديدة فى تاريخه، ويثبت أنه أحد أبرز ممثلى القارة فى السنوات الأخيرة.
السنغال.. خبرة المواعيد الكبري
دخل منتخب السنغال البطولة وهو يعلم أن سقف الطموحات أصبح مرتفعًا بعد المشاركات المميزة فى النسخ السابقة، لذلك لم يكن الهدف مجرد الظهور المشرف، وإنما مواصلة الحضور بين كبار العالم.
وعلى مدار دور المجموعات، أظهر أسود التيرانجا شخصية المنتخب الكبير، فرغم بعض الصعوبات التى واجهها، والخسارة فى اول مباراتين من فرنسا والنرويج، حافظ الفريق على توازنه فى الجولة الأخيرة، التى شهدت انتصارًا كبيرًا على العراق بخمسة أهداف نظيفة لحسم بطاقة التأهل عن جدارة.
ولم يمنح هذا الفوز السنغال مكانًا فى دور الـ32 فقط، بل قادها أيضًا إلى التأهل للمرة الثالثة فى تاريخها، لتتعادل مع المغرب ونيجيريا وغانا فى صدارة المنتخبات الإفريقية الأكثر عبورًا للدور الإقصائى فى كأس العالم.
غانا.. شخصية استثنائية
دخل المنتخب الغانى البطولة وسط تساؤلات كثيرة حول قدرته على استعادة مكانته بين كبار القارة، بعد سنوات تراجع خلالها حضوره فى البطولات الكبري. لكن «النجوم السوداء» أثبتوا منذ الجولة الأولى أنهم جاءوا للمنافسة، وليس لاكتساب الخبرة.
قدم المنتخب الغانى مباريات اتسمت بالانضباط والالتزام الخططي، ونجح فى البقاء داخل دائرة المنافسة حتى الجولة الأخيرة، قبل أن يحسم تأهله إلى دور الـ32، بأربع نقاط فى المركز الثالث، ليبلغ الأدوار الإقصائية للمرة الثالثة فى تاريخه، معادلًا الرقم القياسى الأفريقى فى عدد مرات تجاوز دور المجموعات.
الجزائر.. من صدمة إلى فرحة
ربما لم ير أى منتخب أفريقى برحلة أكثر صعوبة من المنتخب الجزائرى فى دور المجموعات، فالبداية جاءت قاسية للغاية، بعدما اصطدم بأحد أبرز المرشحين للفوز بالبطولة، منتخب الأرجنتين، وخسر بثلاثة أهداف نظيفة.
ورغم تلك البداية الصعبة، رفض محاربو الصحراء الاستسلام، دخل المنتخب الجولة الثانية وهو يعلم أن أى نتيجة غير الفوز ستعقد موقفه كثيرًا، فقدم أداءً مختلفًا، واستعاد ثقته بنفسه بالفوز على الأردن، ليبقى على آماله قائمة حتى الجولة الثالثة.
وجاءت المواجهة الأخيرة أمام النمسا لتكون واحدة من أكثر مباريات دور المجموعات إثارة، حيث تبادل المنتخبان السيطرة والأهداف فى مباراة انتهت بالتعادل 3/3، وهو التعادل الذى منح الجزائر النقطة التى احتاجتها لحجز مكانها بين أفضل أصحاب المركز الثالث



