ليس جديدًا أن أكتب هنا عن التحديات التى تواجه الدولة، وليس جديدًا أن أكتب عن ضرورة الوعى بالمخاطر التى يمكن أن تعيد المنطقة كلها إلى دوائر الفوضى وعدم اليقين. وليس مناسبًا أن نكيل الاتهامات أو نوجّه سهام القدح إلى هذا أو ذاك، لكن ما يعنينى هنا هو الحالة المصرية؛ فهى الشغل والهدف والمبتغي.
لكن الجديد اليوم أن الجغرافيا نفسها تتكلم، وأن الخرائط التى كنا نقرأها يومًا باعتبارها خرائط صامتة تحولت إلى ميادين مفتوحة للأزمات من مضيق هرمز شرقًا إلى باب المندب جنوبًا، تقف منطقتنا أمام واحدة من أكثر لحظاتها حساسية، حيث لم تعد حرية الملاحة مسألة تجارية فقط، ولم يعد أمن الممرات البحرية شأنًا يخص شركات الشحن أو ناقلات النفط، وإنما أصبح جزءًا أصيلاً من معادلات الأمن القومى للدول.
بالأمس، الأول 15 سبتمبر، شددت مصر والسعودية، خلال مباحثات الرئيس عبدالفتاح السيسى والأمير محمد بن سلمان، على ضرورة ضمان حرية وأمن الملاحة فى باب المندب والبحر الأحمر، لقد أظهرت بيانات الشحن التى نقلتها «رويترز» تراجع عدد السفن العابرة لمضيق هرمز إلى أربع سفن فقط يوم الثلاثاء، مقابل متوسط بلغ 18 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، بينما سجل باب المندب عبور 22 سفينة. أرقام صغيرة فى ظاهرها، لكنها تتحدث عن أزمة كبيرة فى واحد من أخطر شرايين التجارة والطاقة فى العالم.
هنا بالضبط ينبغى أن نتوقف قليلاً.
فوسط تلك المخاشنات الفكرية والمناظرات الكبرى حول ما يدور ويجرى بين ظهرانينا وأمام أعيننا، تبرز حزمة من الحقائق التى وجب التنويه إليها، كى نتعلم من دروس مررنا بها من أجل خطوات المستقبل.
فما جرى خلال السنوات الماضية من إعادة بناء لقدرات الدولة، عسكريًا وتنمويًا ولوجستيًا، كان فى معظم مراحله موضع جدل واسع حول ما أسماه البعض «جدول الأولويات»، حتى تحول الأمر، فى أوقات كثيرة، إلى ما يمكن أن نسميه «فتنة الأولويات».
كانت البداية بتلك الأسئلة الكبرى التى دارت حول تحديث وتسليح الجيش المصرى وتنويع مصادر تسليحه.
كانت حاملتا المروحيات من طراز «ميسترال»، جمال عبدالناصر وأنور السادات، موضع تساؤلات كثيرة، ثم جاءت طائرات الرافال والغواصات الحديثة وتطوير القوات البحرية والجوية، بالتوازى مع إنشاء وتطوير قواعد عسكرية وبحرية على الاتجاهات الإستراتيجية المختلفة.
وتكفى الإشارة هنا إلى قواعد محمد نجيب وبرنيس والثالث من يوليو؛ فقاعدة الثالث من يوليو فى جرجوب أُنشئت، بحسب الوصف الرسمي، ضمن منظومة تستهدف تأمين خطوط المواصلات البحرية والحفاظ على الأمن البحرى وحماية مقدرات الدولة الاقتصادية. كما أن برنيس تمثل نقطة ارتكاز إستراتيجية على البحر الأحمر، وتستوعب فى شقها البحرى وحدات كبيرة، بينها حاملات المروحيات والفرقاطات والغواصات كان السؤال وقتها: لماذا؟
لماذا تحتاج مصر إلى كل ذلك وهى دولة تعانى أوجاعًا اقتصادية تاريخية؟ ولماذا هذا الإنفاق على قدرات عسكرية وبحرية فى وقت تبدو فيه البلاد فى حالة سلام؟
لكن المشكلة فى بعض الأسئلة أنها تُطرح من داخل اللحظة، بينما تُبنى الدول على حساب اللحظة القادمة.
وفى الوقت نفسه كان هناك المشروع الضخم لتوسعة وازدواج قناة السويس، وتساءل البعض أيضًا عن جدواه فى ذلك التوقيت، وهل تحتاج حركة الملاحة إلى هذه التوسعات وهذه التكلفة؟
ثم جاءت مشروعات الطرق والسكك الحديدية والموانئ والإسكان، ومحطات معالجة وتحلية المياه، ومشروعات زيادة الرقعة الزراعية، وتوطين الصناعة، إلى جانب برامج الحماية الاجتماعية ومبادرة «حياة كريمة» وغيرها.
مع كل مشروع كان هناك سؤال، ومع كل خطوة كان هناك جدل، ومع كل قرار كانت «فتنة الأولويات» تطل برأسها من جديد، لكننا اليوم لا ننظر إلى خرائط الأمس.
نحن أمام بحر أحمر يواجه تحديات حقيقية، وباب مندبسط أصبح أمنه حاضرًا على مائدة اللقاءات السياسية والعسكرية، ومضيق هرمز الذى يمكن لأى اضطراب فيه أن ينتقل خلال ساعات من الخريطة العسكرية إلى أسعار الطاقة والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد.
ومصر ليست مراقبًا بعيدًا عن هذه الجغرافيا فباب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وقناة السويس هى بوابته الشمالية نحو المتوسط والعالم. وأى اضطراب ممتد فى الممر الأول ينعكس بطبيعته على حركة الملاحة فى الممر الثانى وهنا أتذكر تلك الآية المعجزة التى تحمل بين كلماتها درسًا خالدًا فى الفارق بين رؤية اللحظة ورؤية الصورة كاملة: «ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا».

