لم يعد خافيا أن العلاقة بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو تزعزعت بشكل كبير بعد توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران من دون إشراك نتنياهو أوحتى أخذ رأيه وهو الذى يعتبر أى وقف للحرب مع إيران من دون تدميرها نهائيا يعد انتصارا لإيران وخسارة شخصية له على الصعيد السياسي, فمما لا شك فيه أن مذكرة التفاهم هذه كشفت حدود النفوذ الإسرائيلى داخل واشنطن، وأظهر تصدعات فى التحالف الذى طالما اعتُبر ركيزة أساسية للسياسة الأمريكية فى المنطقة.
التوتر الذى ظهر على السطح الآن بين ترامب ونتنياهو, لم يكن جديدا ولكن فى كل مرة كان هناك تفاهم أو ترضية أمريكية لإسرائيل تعيد التفاهم وتمحو التوتر قبل ظهوره فى الإعلام, بيد أن هذه المرة لم يفلح أى تفاهم فى رأب الصدع فى ظل اعتماد واشنطن آلية جديدة لإنهاء الصراعات وإعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية، بمعزل عن الرعاية المقدمة لإسرائيل مثل «شيك على بياض» منذ عقود, فضلت واشنطن أن تضع مصالحها الاستراتيجية فوق الاعتبارات التقليدية المرتبطة بدعم إسرائيل.
لقد كان دعم الرؤساء الأمريكيين «جمهوريين وديمقراطيين» لإسرائيل كأنه التزام أخلاقى لاتراجع فيه, التزام معنوى تمثله الحماية الأمريكية لإسرائيل فى مجلس الأمن على مر التاريخ, ونقض أى قرار فى غير صالحها, والتزام مادى بتقديم الأسلحة الأمريكية، فى الوقت المناسب وبالكم الوفير, وكان آخرها على ما حولته واشنطن فى عهد بايدن و أكمل ترامب ليواصل نتنياهو سنوات من القصف فى غزة؛ ويقتل عشرات الآلاف من النساء والأطفال الفلسطينيين، مما أدى إلى إدانة علنية لإسرائيل فى جميع أنحاء العالم, كما لم يفعل ترامب الكثير فى ولايته الثانية للضغط على إسرائيل لوقف قصفها أو وقف التمدد المستمر للجيش الإسرائيلى فى غزة حيث يسيطرالآن تقريبا على ما يصل إلى 70 ٪ من قطاع غزة، كما لم يمنع التوغل الاستيطانى ونهب الممتلكات الفلسطينية فى الضفة الغربية.
الآن رسم الرئيس ترامب خطا أحمر لنتنياهو, بشأن إنهاء الحرب على إيران و تحديد مواقعه فى لبنان تمهيدا للانسحاب حيث تربط المادة الأولى من مذكرة التفاهم الجبهتين «إيران ولبنان» معا دون انفصال, لم يعد بإمكان نتنياهو تحدى ترامب بالقصف فى جنوب لبنان, على الأقل حتى الوصول إلى اتفاق نهائى مع الإيرانيين فى غضون الستين يوما.
بدا واضحا أن الرئيس الأمريكى يحاول إعادة توجيه سياسته فى الشرق الأوسط لجعل إيران حجر الزاوية وهو ما وصفه «سرا» نتنياهو والمقربون منه بالخيانة لإسرائيل من قِبل أفضل حليف وبدا واضحا أن ترامب قد عقد العزم والنية فعليا على التخلى عن «بيبى» الذى يواجه تهما جنائية ومنافسة شرسة قبل انتخابات الخريف حيث يأتى ذلك بالتزامن مع مؤشرات متزايدة على تنامى نفوذ المعارضة الإسرائيلية وتراجع الثقة الشعبية بالحكومة، وسط مخاوف متصاعدة بشأن مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة وغياب رؤية سياسية واضحة للحروب والصراعات التى تخوضها إسرائيل فى المنطقة.
ولأن الرئيس ترامب أراد أن ترسم خطوطه الحمراء تحت عنوان السياسة الأمريكية وليس انقلابا شخصيًا بين صديقين, قرر إدخال نائبه جى دى فانس على نفس الخط والخطة, ومعروف طبعا أن نتنياهو لا يحب فانس, وكثيرا ما تحدث نتنياهو وعدد من وزراء حكومته من المتطرفين عن جى دى فانس بأنه لا يحب إسرائيل, الآن فانس يبرز كمبعوث مفوه مقرب للرئيس فى كل ما يتعلق بإيران، و بالنفط، خرج نائب الرئيس وصرح علنا منتقدا نتنياهو وسياساته تحديدا فى لبنان واصفا إياها بأنها عقبة غير مرغوب فيها أمام مذكرة التفاهم بين واشنطن و طهران, ثم تدخل الرئيس الأمريكى مباشرة لوقف خطوات عسكرية كانت إسرائيل تعتزم تنفيذها فى لبنان، ما عكس قدرة واشنطن على التأثير الفورى فى القرار الإسرائيلى.. فى حين يعيش نتنياهو تحت وطأة ثلاثة ضغوط متزامنة: ضغط الإدارة الأمريكية، وضغط شركائه فى الائتلاف الحكومي، ولا سيما التيارات اليمينية المتشددة، إضافة إلى ضغط الاستحقاق الانتخابى وما يحمله من احتمالات تغيير فى موازين القوى السياسية.
أخيرا فعلها ترامب بأن وضع نتنياهو أمام نفسه و قدراته بعدما بالغ «بيبى» فى تقدير قوته وتجاوز حده, حتى قيل أن نتنياهو يتفاخر بأنه يملى على ترامب ما يفعله لدرجة أن ترامب شخصيا خرج ليصرح قاصدا بكلامه نتنياهو وقال: «سيفعل ما نقوله وأنا الذى أقرر ليس نتنياهو».


