ربما كانت الصدفة البحتة هى التى قدمت، خلال الأيام الماضية، نموذجًا عمليًا - حيًا يشرح بوضوح شديد - الدافع الحقيقى وراء هذا الطرح المنادى بضرورة إعادة النظر فى قانون الأزهر الشريف رقم 103 لسنة 1961م، لا بوصفه قانونًا فقد قيمته التاريخية، وإنما باعتباره إطارًا تشريعيًا لم يعد قادرًا وحده على مواكبة التعقيدات التى وصل إليها الواقع العلمى والدينى والفكرى فى مصر والعالم.
فالمذكرة التوضيحية لهذا القانون، عند صدوره، تحدثت بوضوح عن هدف محورى أراده المشرع للأزهر الشريف، يتمثل فى إعداد عالم دينى يجمع بين علوم الشريعة وعلوم العصر، ويساهم فى النهضة العلمية والإنتاج والمعرفة، بدلًا من أن يبقى معزولًا عن حركة التطور الإنسانى الحديثة، بل إن المذكرة نفسها انتقدت صراحةً النموذج الذى يُنتج رجل دين لا يملك أدوات العصر، كما انتقدت فى المقابل خريجى الجامعات المدنية الذين يملكون الخبرة العلمية دون الإحاطة الكافية بالعلوم الدينية، معتبرة أن النهضة الحقيقية لا تقوم إلا على الجمع بين الجانبين.
ومن هنا جاءت الصدمة التى أثارتها خلال الأيام الماضية حالة الجدل الواسعة، التى عكست حجم الفجوة بين ما تطلبته نية المشرع من مواكبة حركة التطور الإنسانى الحديثة فى مؤسسات الأزهر، وبين الواقع الفعلى، وتلك الصدمة صاحبت الحديث عن استعداد جامعة الأزهر لافتتاح «مركز جامعة الأزهر الشريف للطب النبوى»، وهى القضية التى تحولت سريعًا إلى زوبعة ممتدة على وسائل التواصل الاجتماعى، وفى الأوساط العلمية والطبية والفكرية، وفتحت بابًا واسعًا من التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الدين والعلم، وحول الاتجاه الذى تتحرك إليه بعض مؤسساتنا الأكاديمية والدينية.
ولعل ما زاد من حدة الجدل أن التوقيت الفعلى والسياسى والمجتمعى والمنطقى للإعلان عن نية افتتاح «مركز جامعة الأزهر للطب النبوى» بدا غير مناسب تمامًا، فى لحظة كانت الدولة والمجتمع والأوساط العلمية والقانونية والنقابية تناقش فيها - بقلق بالغ - التداعيات الخطيرة لما عُرف إعلاميًا بقضية «نظام الطيبات»، وما أثارته من جدل واسع حول توظيف المفاهيم الدينية فى المجال العلاجى والطبى خارج الأطر العلمية المعترف بها.
ففى الوقت الذى كانت فيه الدولة تتحرك لمواجهة ما اعتُبر خطرًا يهدد صحة المواطنين وحياة المرضى، إلى حد حجب المواقع والروابط التى أعادت الترويج لهذا النموذج، جاء الحديث عن «الطب النبوى» داخل مؤسسة أكاديمية كبرى بحجم جامعة الأزهر ليعيد فتح الباب أمام نفس الإشكالية الفكرية، حتى وإن اختلفت النوايا أو السياقات.
ذلك لأن جوهر الأزمة فى الحالتين يرتبط بربط العلاج الطبى بمفهوم دينى مباشر، وهو الربط نفسه الذى استخدمه صاحب «نظام الطيبات» فى مخاطبة الناس والتأثير عليهم، بما قد يخلق حالة من الخلط لدى الرأى العام بين الطب القائم على الدليل العلمى والتجربة والبحث، وبين التصورات الدينية أو التراثية المتعلقة بالتداوى.
ومن هنا لم يكن الاعتراض الأساسى متعلقًا فقط باسم المركز، وإنما بالخوف من الرسالة الفكرية التى قد تُفهم مجتمعيًا من وراء هذا الطرح، خاصة فى توقيت شديد الحساسية تسعى فيه الدولة إلى ترسيخ الانضباط العلمى، وحماية المواطنين من أى ممارسات علاجية غير خاضعة للمعايير الطبية الحديثة.
وفور تداول الأخبار المتعلقة بالمركز، انطلقت موجة من الاعتراضات الحادة، ليس فقط من مثقفين أو إعلاميين، بل من أساتذة جامعات وأطباء ومتخصصين، اعتبروا أن الخطوة تمثل تراجعًا عن المفهوم العلمى الحديث للطب، وتثير إشكاليات تتعلق بصورة المؤسسة الدينية والعلمية فى مصر.
ووفق ما نشره موقع «القاهرة 24» بتاريخ 3 مايو 2026م، كتب الدكتور ثروت يوسف الغلبان، أستاذ ورئيس قسم دراسات المعلومات بكلية الآداب جامعة طنطا، عبر حسابه على «فيسبوك»، أن افتتاح مركز جامعة الأزهر للطب النبوى بكل وضوح يعنى مخالفة لأبسط قواعد المعرفة العلمية، ونشرًا للجهل، وإساءة بالغة لسمعة مصر العلمية، لقد مات ابن النبى وأقاربه بين يديه ولم يعالجهم، كما أن شيخ الأزهر وكبار رجال الدين الإسلامى يعالجون فى ألمانيا وليس بالطب النبوى.
كما كتب الدكتور على عبد الراضى، استشارى الصحة النفسية، مناشدًا الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب التدخل لإيقاف هذه الخطوة، معتبرًا أن ما يسمى بالطب النبوى لا يستند إلى المنهج العلمى التجريبى الذى تقوم عليه كليات الطب الحديثة، ومعلوم للجميع أن ذلك قد يفتح باب العلاج بالأعشاب والعلاج الروحانى، ولا وجود لهذه الأقسام فى كليات الطب والصيدلة التى تقوم على التجارب والمعامل.
أما الكاتب الدكتور خالد منتصر، فذهب إلى أبعد من ذلك حين قال إن «الطب لا يُنسب إلى دين»، مؤكدًا أن الطب الحقيقى هو الطب القائم على الدليل العلمى، ذاكرًا أنه لا يوجد طب يسوعى ولا بوذى ولا هندوسى ولا طب موسوى أو حاخامى أو شنتوى أو بهائى أو إلحادى، بل اسمه الطب الذى تم ممارسته فى عصر النبى، وليس الطب النبوى، وممارسات تلك الأيام عولج بها النبى، وعولج بها أبو لهب أيضًا، والنبى قال أنتم أعلم بأمور دنياكم، ولم يصف نفسه بالطبيب.
ذكرنى هذا أيضًا بمناسبة أخرى فى مقترح نص قانون مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين، والذى أعلن الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف فى عام 2017م، تقدم المشيخة به لرئاسة الجمهورية، والذى تضمن نصوصًا شديدة الدلالة على طبيعة الأزمة الفكرية التى كان الأزهر نفسه يدرك خطورتها، فقد نصت المادة السادسة من المشروع على أنه: «لا يجوز طرح المسائل العقائدية محل الخلاف أو التعارض للنقاش العلنى فى وسائل الإعلام على نحو يدفع المؤمنين بها للتصادم أو العنف»، وفى مادته السادسة عشرة ما نصه: «مع عدم الإخلال بالمسئولية الجنائية إذا ارتكب موظف عام أيًا من الأفعال المحظورة الواردة بهذا القانون، يجب على السلطة المختصة وقفه عن العمل للمصلحة العامة لمدة 3 أشهر أو لحين الفصل فى مسئوليته التأديبية».
غير أن المفارقة اللافتة أن هذا المشروع الذى لم يرَ النور، لم تُفعّل روحه نفسها داخل المؤسسة التى تقدمت به، فلم نشهد، على مدار سنوات، تطبيقًا حاسمًا تجاه بعض المنتسبين إلى المؤسسة أو بعض أعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر، ممن ملأوا الفضائيات ومنصات الإعلام بفتاوى وآراء شاذة أو مثيرة للجدل، وطرحوا مسائل عقدية وخلافية للرأى العام بصورة أحدثت حالة من الاضطراب الفكرى والاستقطاب المجتمعى، دون وجود إطار مؤسسى واضح يضبط هذا المشهد أو يحدد مسئولياته.
ويكفى التأمل فى مشروع قانون مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين، ثم النظر إلى الجدل الذى أثاره مشروع «مركز الطب النبوى»، لإدراك حقيقة أكثر عمقًا، أن الأزهر، فى ظل بنيته القانونية الحالية، لم يعد قادرًا بالقدر الكافى على ضبط العلاقة بين الخطاب الدينى والعلمى والإعلامى، ولا على بناء منظومة مؤسسية حديثة تمنع التضارب، أو تحاصر الفوضى، أو تحسم التناقض بين ما يُطرح نظريًا وما يُمارس عمليًا على أرض الواقع.
وبعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذه الآراء، فإن خطورة ما حدث لا تكمن فقط فى الجدل نفسه، بل فى كونه أعاد طرح سؤال شديد الحساسية، هل ما زالت فلسفة قانون الأزهر الحالى، التى أرادت الجمع بين علوم الدين وعلوم العصر، حاضرة بالفعل فى التطبيق المؤسسى؟ أم أننا بدأنا نعود تدريجيًا إلى مسارات تُنتج صدامًا جديدًا بين الخطاب الدينى والمعرفة العلمية الحديثة؟
إن ما جرى يدق ناقوس خطر حقيقى، ليس لأنه يتعلق بمركز أو مسمى بعينه، بل لأنه يكشف حجم الفجوة التى قد تنشأ حين تغيب الرؤية القانونية والتنظيمية الحديثة القادرة على ضبط العلاقة بين التخصصات الدينية والعلمية داخل مؤسسة بحجم الأزهر الشريف، بل إن البعض رأى فى هذه الحالة نموذجًا يعكس - ولو بصورة غير مباشرة - ابتعادًا عن الأسباب الجوهرية التى صدر من أجلها قانون الأزهر نفسه عام 1961م.
ومن هنا، يصبح من المشروع إعادة فتح النقاش حول القانون القائم، لا بهدف الهدم أو الصدام، وإنما بحثًا عن إطار أكثر قدرة على استيعاب تحديات العصر، وأكثر وضوحًا فى تحديد طبيعة الأدوار والاختصاصات والمعايير العلمية والإدارية داخل المؤسسة.
وليس من العدل أن تُقرأ القوانين بمعزل عن لحظتها التاريخية، كما أنه ليس من الدقة أن تُعامل النصوص بوصفها كائنات ثابتة خارج الزمن، فالقانون فى جوهره محاولة بشرية لتنظيم واقع متحرك، فإذا تغير الواقع وبقى النص على حاله، بدأت الفجوة فى الاتساع حتى يصبح القانون نفسه جزءًا من المشكلة لا أداة لحلها، وهذه الحقيقة تبدو بوضوح شديد حين نقترب من قانون الأزهر رقم 103 لسنة 1961م، الذى وُضع فى سياق تاريخى مختلف، ثم وجد نفسه اليوم أمام مؤسسة تغيرت جذريًا فى حجمها ودورها وامتدادها.
ولعل من الإنصاف القول إن ما يُطرح هنا ليس إلا قراءة شاملة للقانون الحالى، وطرحًا لأمثلة كاشفة على ثغراته، تُظهر كيف أن بعض نصوصه لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات التى شهدها الأزهر، سواء داخليًا أو على مستوى دوره الإقليمى والدولى، والأهم من ذلك أن الأزمة الحقيقية التى يواجهها الأزهر اليوم لا تختزلها الأسماء أو القيادات أو الأشخاص وليسوا مسئولين عنها بدورهم داخل هذا القانون، بقدر ما ترتبط بطبيعة قِدم الإطار القانونى نفسه الذى تتحرك المؤسسة داخله، فحتى أكثر القيادات كفاءة وخبرة ستظل محدودة الحركة إذا كانت تعمل فى إطار تشريعى قديم، ترك مساحات واسعة من الغموض، وثغرات تنظيمية، وبنية إدارية لم يعد متوافقة مع طبيعة العصر وتعقيداته.
وربما لو كان الأزهر يعمل اليوم فى ظل قانون حديث، يقوم على الحوكمة المؤسسية، والتوصيف الدقيق للاختصاصات، وتوزيع المسئوليات، وبناء أجهزة فنية ورقابية واستشارية قوية، وتحديد معايير واضحة للكفاءة والتقييم والمتابعة، مع تنظيم دقيق للعلاقة بين المؤسسة والدولة، وبين استقلال الأزهر ودوره الوطنى، لكان الأداء مختلفًا بدرجة كبيرة، ولكانت المؤسسة أكثر قدرة على مواكبة التحولات الفكرية والعلمية والإعلامية المتسارعة.
فالأزهر الآن ليس مجرد مؤسسة دينية محلية، بل أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية فى العالم الإسلامى، وصوت يحظى باحترام بالغ فى عشرات الدول العربية والإسلامية والإفريقية والآسيوية، وتكفى الإشارة إلى حجم الحضور الدولى للإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، واستقبال مشيخة الأزهر المستمر لرؤساء الدول والحكومات والوفود الدبلوماسية، وحجم التأثير الذى تمارسه المؤسسة فى ملفات الحوار الدينى ومواجهة التطرف والتقارب بين الشعوب.
ولو أُعيد بناء هذه المؤسسة بقانون أكثر حداثة ووضوحًا ومرونة، لكان الأزهر قادرًا على لعب أدوار أكبر بكثير فى معالجة أزمات العالم الإسلامى، وتقريب وجهات النظر، ومواجهة الفوضى الفكرية، والتأثير فى المجتمعات العربية والإسلامية التى لا تزال تنظر إليه باعتباره المرجعية السنية الأكبر والأكثر اعتدالًا واحترامًا.
بل إن كثيرًا من القضايا التى تعانى منها المنطقة اليوم، من التطرف، والانقسام المذهبى، وضعف الخطاب الدينى، وفوضى الفتاوى، وتراجع الهوية الثقافية، يمكن للأزهر أن يكون جزءًا من حلها الحقيقى، إذا امتلك الأدوات القانونية والإدارية الحديثة التى تسمح له بالحركة المؤسسية الفعالة، بدلًا من بقائه محكومًا بإطار تشريعى وُضع لعالم آخر، ومرحلة مختلفة تمامًا عن واقعنا الحالى.
وفى نقاشنا لنماذج محدودة من مواد القانون الحالى والتى أدخلته فى مرحلة أشبه باقتراب الموت الإكلينيكى، حيث يظل الكيان حيًا لكن أثره مُقيد، يمكن أن أشير لبعض ثغرات القانون على سبيل المثال لا الحصر على النحو التالى:
وإذا بدأنا بالمادة الثانية من الأحكام العامة:
نجد أنها تحمل فى مضمونها - مدعومة بما ورد فى المذكرة الإيضاحية - تصورًا طموحًا للغاية لدور الأزهر وعلمائه، يقوم على إعداد عالم دينى يجمع بين علوم الشريعة وعلوم العصر، ويكون قادرًا على الإسهام فى نهضة المجتمع والأمة، لا مجرد ناقل للمعرفة الدينية بمعزل عن الواقع، وهذه المادة فى جوهرها تمثل «الفلسفة العليا» للقانون، بل يمكن القول إنها كانت التعبير الأكثر وضوحًا عن مشروعه الفكرى.
لكن الإشكال أن هذه الفلسفة لم تنعكس بالقدر الكافى على البناء التشريعى والتنفيذى اللاحق داخل القانون، وكأن هناك انفصالًا بين الرؤية العامة والآليات المنظمة لها، وهو ما يستفسر عن دور القانون الحالى ومدى نجاحه فعليًا فى تحويل هذا التصور إلى واقع مؤسسى مستقر؟
ثم تأتى المادتان الرابعة والخامسة:
وبينهما تناقض شديد، فالمادة الرابعة تنص على أن شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأى فى كل ما يتصل بالشئون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام، وله الرياسة والتوجيه فى كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية فى الأزهر وهيئاته، ويرأس المجلس الأعلى للأزهر.
وهى مادة تمنح شيخ الأزهر مكانة المرجع الأعلى فى كل ما يتعلق بالشئون الدينية والمتصلين بها، وهى مكانة شديدة الخطورة من حيث التأثير العلمى والدينى داخل مصر وخارجها.
غير أن المادة الخامسة التى تحدد شروط شغل منصب الإمام الأكبر شيخ الأزهر، نصت أن يكون من خريجى إحدى الكليات الأزهرية المتخصصة فى علوم أصول الدين والشريعة والدعوة الإسلامية واللغة العربية، وأن يكون قد تدرج فى تعليمه قبل الجامعى بالمعاهد الدينية الأزهرية!
وهو توصيف غير دقيق للإمكانات العلمية أو المعايير البحثية التى تؤهل لهذا الموقع الاستثنائى، وهنا تبرز واحدة من أكثر الإشكاليات القانونية والفكرية حساسية داخل القانون الحالى والتى تخلق التناقض، وهى المتعلقة بشروط من يتولى منصب الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، فكيف يكون شيخ الأزهر- بحكم القانون - هو المرجع الأعلى فى الشئون الإسلامية والعلوم الدينية، وصاحب الرأى النهائى الذى يُرجع إليه، دون أن يشترط القانون حصوله على أعلى الدرجات العلمية والبحثية المتعارف عليها أكاديميًا فى عصرنا الحديث؟ وكيف يُترك هذا المنصب العالمى، الذى يخاطب العالم كله باسم الإسلام الوسطى، دون اشتراط حد أدنى واضح من الإنتاج العلمى أو الدراسات العليا أو الإسهام البحثى الذى يرسخ هذه المرجعية علميًا ومؤسسيًا؟
فقد شهد الأزهر، فى ظل هذا القانون، تولى شيوخ كبار لم يكونوا حاصلين على الدكتوراه الأكاديمية أو ما يعادلها بالمفهوم الحديث، ولا ينتقص هذا الطرح مطلقًا من قيمة هؤلاء الشيوخ العظام الكبار الذين تولوا مشيخة الأزهر فى ظل هذا القانون، فجميعهم كانوا قممًا فى الفقه والقضاء والعلم والحكمة والتأثير، وتركوا بصمات وطنية ودينية خالدة، لكن الإشكال هنا يتعلق بالنص القانونى نفسه، لا بالأشخاص.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، فالشيخ حسن مأمون الذى تولى مشيخة الأزهر من عام 1964 وحتى عام 1969م، تولى مناصب قضائية ودينية رفيعة وكان من كبار علماء عصره، لم يكن حاصلًا على الدكتوراه الأكاديمية، وكان قد عُين موظفًا قضائيًا بمحكمة الزقازيق الشرعية فى 4 أكتوبر سنة 1919م، وفى أول يوليو سنة 1920م نقل إلى محكمة القاهرة الشرعية، وظل يترقى فى القضاء الشرعى حتى صدر مرسوم ملكى بتعيينه قاضيًا لقضاة السودان فى 3 من يناير سنة 1941م، وفى 16 فبراير سنة 1955م اقترح وزير العدل على مجلس الوزراء إسناد منصب المفتى إلى فضيلة الشيخ حسن مأمون، للانتفاع بعلمه الغزير وكفاءته الممتازة، فوافق مجلس الوزراء على تعيين فضيلته مفتيًا للديار المصرية اعتبارًا من أول مارس سنة 1955 حتى سنة 1964م، وقد تولى فضيلته مشيخة الأزهر بالقرار الجمهورى رقم 2444 لسنة 1964م.
والإمام الأكبر الراحل الشيخ جاد الحق على جاد الحق الذى تولى مشيخة الأزهر من عام 1982م وحتى عام 1996م، وهو واحد من أعظم شيوخ الأزهر فى تاريخه الحديث وأكثرهم تأثيرًا وهيبة، لم يحصل أيضًا على الدكتوراه الأكاديمية المتعارف عليها أو أى دراسات عليا، وإنما حصل على أعلى درجات التعليم الأزهرى فى عصره، فقد عمل بعد التخرج فى المحاكم الشرعية، ثم عُيِّن أمينًا للفتوى بدار الإفتاء المصرية، ثم عاد إلى المحاكم الشرعية قاضيًا فى عام 1954م، ثم انتقل إلى المحاكم المدنية بعد إلغاء القضاء الشرعى، وظلَّ يعمل بالقضاء، ويترقى فى مناصبه حتى عُين مستشارًا بمحاكم الاستئناف فى عام 1976م.
كما عُيِّن الشيخ جاد الحق على جاد الحق مفتيًا للديار المصرية فى عام 1978م، فعمل على تنشيط الدار، والمحافظة على تراثها الفقهى، ثم عُيّن وزيرًا للأوقاف فى عام 1982م، وظلَّ به شهورًا قليلة، اختير بعدها شيخًا للجامع الأزهر فى مارس من نفس العام.
ولعل من أبرز ما يكشف اتساع النص القانونى ومرونته القديمة، أن فضيلة الإمام محمد متولى الشعراوى - بما له من أثر بالغ وميراث دعوى وفكرى هائل فى وجدان الأمة - كاد أن يتولى مشيخة الأزهر الشريف فى ظل نفس مواد قانون 103 القائم حتى اليوم قبل أن يرفض ذلك ويتفرغ لتفسير القرآن الكريم حتى نهاية عمره، رغم أنه لم يكن يحمل الدكتوراه الأكاديمية بالمفهوم الجامعى الحديث، وهو ما يؤكد أن القانون ظل يعتمد، فى جوهره، على المكانة العلمية والدعوية العامة والتقدير الشخصى، والاختيار السياسى أكثر من اعتماده على معايير بحثية وأكاديمية دقيقة ومحددة تتناسب مع طبيعة المنصب فى عصر أصبحت فيه المرجعيات الكبرى تُبنى أيضًا على التوثيق العلمى والإنتاج البحثى والمؤسسية الحديثة.
وهنا لا يكون السؤال انتقاصًا من هؤلاء الأعلام والأفذاذ الكبار، وإنما سؤالًا يتعلق بطبيعة الدولة الحديثة نفسها، وبكيفية بناء المرجعيات الكبرى فى عصر أصبحت فيه المؤسسات العلمية الدولية تُقاس بمعايير البحث والإنتاج الأكاديمى والتخصص الدقيق والتوثيق العلمى، فكيف يمكن أن يكون شيخ الأزهر مرجعًا أعلى لمن هم دونه وظيفيًا بينما قد يكون بعض هؤلاء أكثر منه حصولًا على درجات أكاديمية أو إنتاجًا للبحوث والدراسات العلمية المحكمة؟
إن هيبة المنصب لا ينبغى أن تقوم فقط على التاريخ والمكانة المعنوية، بل يجب أن يدعمها القانون نفسه بمعايير علمية واضحة، تجعل من يتولى هذا المقام صاحب مرجعية موثقة علميًا وبحثيًا وأكاديميًا، بما يتناسب مع خطورة المنصب وحجم تأثيره العالمى، خاصة فى زمن أصبحت فيه المعركة الفكرية والدينية تُخاض بالأدوات العلمية والمعرفية والمؤسسية، لا بالمكانة الرمزية وحدها، وهو ما يفتح باب التساؤل حول طبيعة الأسس التى يُبنى عليها هذا الاختيار فى التطبيق العملى.
ولعل اللافت للنظر أن غالبية شيوخ الأزهر قبل صدور القانون 103 لسنة 1961م، لم يكونوا حاصلين على الشهادات الأكاديمية العليا بالمفهوم الجامعى الحديث، وهو أمر يمكن تفهمه فى سياقه التاريخى، حيث كانت «العالمية» الأزهرية تمثل آنذاك قمة التأهيل العلمى والدينى فى العالم الإسلامى، لكن المفارقة الحقيقية أن القانون نفسه، الذى صدر لاحقًا حاملًا مشروعًا ضخمًا لتطوير الأزهر ونقله إلى مرحلة جديدة - كما أوضحت مذكرته الإيضاحية وكما نصت عليه مادته الثانية - لم ينعكس منه هذا الطموح على شروط اختيار الإمام الأكبر فى مادته الخامسة، ومن هنا تظهر أهمية إعادة النظر فى المادة الخامسة، التى اكتفت بأن يكون شيخ الأزهر من خريجى الأزهر الشريف، دون اشتراط مؤهلات عليا أو معايير علمية دقيقة تتناسب مع حجم المنصب، وهو ما يجعل الاختيار- فى صورته الحالية - أقرب إلى التقدير العام منه إلى منظومة معايير مؤسسية صارمة وواضحة، أو إلى الاختيار السياسى بغض النظر عن القيمة والقدرات العلمية التى تؤهل منصب الإمام الأكبر ليصبح المرجعية الأعلى.
ويتصل بذلك مباشرة الحديث عن المادة السادسة:
الخاصة بطريقة اختيار شيخ الأزهر، والتى تبدو فى حاجة إلى تحديث يوازن بين أمرين: الحفاظ على قدسية واستقلال المنصب، وفى الوقت نفسه وضع آلية أكثر وضوحًا وشفافية تضمن أن يكون الاختيار قائمًا على الكفاءة العلمية والإدارية والخبرة المؤسسية، لا مجرد التوافقات التقليدية عبر الانتخاب داخل هيئة كبار العلماء.
ثم تأتى المادة السابعة المتعلقة بوكلاء الأزهر:
وهى من المواد التى تكشف بوضوح فجوة التطبيق، فالنص الذى يجيز وجود «وكيل أو أكثر» كان يحمل مرونة نظرية، لكنه لم يتحول إلى هيكل إدارى متكامل يواكب اتساع المؤسسة. فالأزهر اليوم لم يعد مؤسسة ذات ملف واحد، بل كيان متعدد الأدوار: تعليمية، دعوية، إفتائية، دولية، وثقافية، ومن ثم، يصبح من الطبيعى التساؤل: لماذا لا يُعاد بناء هذه المادة على أساس تقسيم وظيفى واضح، مثل وكيل للشئون الداخلية، وآخر للشئون الدولية، وثالث للتطوير المؤسسى، بما يحقق توزيعًا رشيدًا للمهام بدل تركزها فى نطاق محدود؟
ويزداد هذا الطرح أهمية إذا وضعنا فى الاعتبار أننا جميعًا نحرص على الحفاظ على قدسية ومكانة منصب الإمام الأكبر شيخ الأزهر، باعتباره منصبًا دستوريًا رفيعًا غير محدد بمدة وغير قابل للعزل وفقًا للدستور، وهذه الحماية الدستورية الواجبة تقتضى فى المقابل بناء هيكل إدارى معاون أكثر قوة ومرونة واستدامة، لأن شاغل هذا المنصب قد يستمر لعقود طويلة وعمر مديد، بما يجعل من الطبيعى أن يحتاج إلى شبكة واسعة من الوكلاء والمعاونين المؤسسيين القادرين على دعم حركة الإدارة والتطوير والمتابعة اليومية، والحفاظ فى الوقت ذاته على مكانة الإمام الأكبر وهيبته، خاصة مع تعاظم الأعباء المحلية والإقليمية والدولية الملقاة على الأزهر الشريف، وفى وقت قد تصبح فيه طبيعة العمر ومتطلبات الصحة عاملًا يستوجب توزيع المسئوليات بصورة أكثر مؤسسية وحداثة، دون أى مساس بصلاحيات الإمام الأكبر أو مكانته الدينية والدستورية الرفيعة.
وفى المادة الثامنة المختصة بهيئات الأزهر:
تبرز الإشكالية بصورة أكبر عند النظر إلى المادة، إذ نجد أن الواقع سبق القانون بسنوات طويلة. فهناك كيانات مؤثرة نشأت وتوسعت دون وجود إطار قانونى خاص لها بقانون الأزهر، مثل رابطة خريجى الأزهر التى تعمل كمنظمة غير حكومية داخل مؤسسة الأزهر الشريف، وأكاديمية الأزهر العالمية للتدريب، وبيت الزكاة والصدقات المصرى، وغيرها من المؤسسات التى أصبحت تمارس أدوارًا محلية ودولية واسعة وموثوقة ومحترمة، وتحتاج لدعم دورها أن تكون جزءًا من بنية قانونية واضحة ومفصلة ومحددة داخل القانون الأصلى، بغض النظر عن أى قانون خاص لها كما فى حالة بيت الزكاة والصدقات المصرى، فهو فى النهاية منتسب للأزهر الشريف وتحت إشراف إمامه الأكبر ويجب أن يتمتع بصورة أكبر بإمكانات الأزهر ومكانته العالمية.
وهنا تظهر أسئلة تنظيمية ومؤسسية جوهرية تتعلق بطبيعة هذه الكيانات وآليات عملها داخل البنية العامة للأزهر الشريف، فى ضوء ما فرضه التطبيق الفعلى والعملى على الأرض من توسع وتعدد فى الأدوار والاختصاصات، فالأمر لم يعد متعلقًا بأشخاص أو أسماء بعينها، وإنما بحاجة إلى إطار قانونى أكثر وضوحًا يحدد الطبيعة التنظيمية لهذه المؤسسات ويدمجها داخل قانون جديد للأزهر، ويحدد آليات إدارتها، والمعايير العامة المنظمة لشغل مواقعها القيادية بها، من حيث الخبرة والكفاءة والتفرغ والارتباط المؤسسى، بما يضمن استقرار العمل المؤسسى واستمراريته، ويمنح هذه الكيانات وضعًا قانونيًا وإداريًا أكثر تحديدًا واتساقًا مع حجم الدور الذى تؤديه محليًا ودوليًا.
ثم تأتى المادة التاسعة وما يليها وحتى المادة الرابعة عشرة، المتعلقة بالمجلس الأعلى للأزهر:
لتكشف إشكالية أخرى تتعلق بتكوين هذا المجلس واختصاصاته. فالتشكيل الحالى يعكس تصورًا تاريخيًا للمؤسسة، بينما الواقع يشير إلى أن الأزهر اليوم يضم تخصصات علمية وطبية وهندسية وإدارية وتقنية لا بد أن يكون لها حضور داخل هذا المجلس، حتى يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات تعكس الطبيعة الفعلية للمؤسسة الحديثة، خاصة بعد أن توزعت كليات جامعة الأزهر فى شبه مناصفة تقريبية بين الكليات الشرعية والعملية.
كما أن هذه المواد لا تزال بحاجة إلى إدخال مفاهيم الحوكمة الحديثة، مثل التخطيط الاستراتيجى، وقياس الأداء، وإدارة المخاطر، وآليات المتابعة والتقييم، وهى مفاهيم أصبحت أساسية فى إدارة المؤسسات الكبرى، لكنها لم تُدمج بصورة كافية فى الإطار القانونى الحالى.
ثم نصل إلى المادة الخامسة عشرة الخاصة بمجمع البحوث الإسلامية:
وهى من أكثر المواد التى تثير تساؤلًا جوهريًا حول مدى تحقيق الهدف الذى أُنشئ من أجله، وجاء فى نصها: «مجمع البحوث الإسلامية هو الهيئة العليا للبحوث الإسلامية وتقوم بالدراسة فى كل ما يتصل بهذه البحوث، وتعمل على تجديد الثقافة الإسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب وآثار التعصب السياسى والمذهبى، وتجليتها فى جوهرها الأصيل الخالص، وتوسيع نطاق العلم بها لكل مستوى وفى كل بيئة وبيان الرأى فيما يجد من مشكلات مذهبية أو اجتماعية تتعلق بالعقيدة، وحمل تبعة الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة».
فالمجمع صُمم ليكون العقل العلمى للأزهر، والمسئول عن تجديد الفكر، وضبط الفتوى، والتعامل مع قضايا التراث والخطاب الدينى، لكن استمرار الجدل حول قضايا الفتوى والتراث والانقسام الفكرى داخل المجال الدينى يفتح باب التساؤل أيضًا: هل أدى المجمع دوره فى مجتمع يعرفه ويعرف أثره بالصورة التى تصورها القانون عند إنشائه، أم أن الواقع تجاوز أدواته التقليدية؟
أما جامعة الأزهر:
فقد أصبحت كيانًا أكاديميًا ضخمًا يتجاوز حدود التصور الذى وُضع عند صدور القانون، حيث تضم اليوم نحو 100 كلية شرعية ومدنية وطبية وهندسية فى آن واحد، أى تعادل تقريبًا عدد كليات جامعة القاهرة والإسكندرية وأسيوط وطنطا والمنصورة مجتمعة، فى نفس الوقت الذى لا تزال بعض النصوص المنظمة لها تنتمى إلى مرحلة لم تكن فيها هذه التوسعات قائمة، وما زال العرف يمنع تقلد الأساتذة من الكليات العملية مثل الطب والهندسة والعلوم والصيدلة وغيرها لمنصب رئيس الجامعة، رغم أن القانون لا يمنع ذلك، ويحق لأى أستاذ عامل مستوفٍ الشروط فى أى كلية عملية الترشح لمنصب رئيس الجامعة، لكن ثغرة فى مواده جعلت العرف يسود أى قانون.
وينسحب الأمر ذاته على المعاهد الأزهرية:
التى تمثل قاعدة التعليم الأزهرى، والتى تحتاج إلى إعادة نظر فى فلسفة المناهج، وربط العلوم الدينية بالعلوم الحديثة، وإعادة تأهيل المعلم، وتطوير أبنيتها وتوفير الموارد اللازمة لذلك بما يتناسب مع متغيرات العصر ومتطلبات المعرفة المعاصرة.
إن ما تكشفه هذه الأمثلة ليس مجرد تفاصيل قانونية على سبيل المثال، بل هو صورة أوسع لفجوة متزايدة بين قانون صيغ فى ستينيات القرن الماضى، ومؤسسة أصبحت اليوم واحدة من أكثر المؤسسات الدينية والتعليمية حضورًا وتأثيرًا فى العالم.
والواجب علينا أن نكون أكثر إلحاحًا من أى وقت مضى لدعم الأزهر بقانون يحافظ على مكانته العالمية واستقلاله وأن نمكنه من خلال قانون جديد متواكب مع العصر لتحقيق رسالته، وأن نجيب على السؤال الحاسم: هل لا يزال القانون 103 قادرًا على إدارة الأزهر كما هو اليوم، أم أن المؤسسة تجاوزت بالفعل الإطار الذى صُمم ليحكمها، إلى درجة تجعل إعادة النظر فيه ضرورة لا خيارًا؟.
وللحديث بقية.


