على مدار عامين أو ثلاثة أعوام، أصبح من المعتاد الإشادة بحسن إدارة أندية مثل برايتون وبرنتفورد وبورنموث، ثم الانتقال للحديث عن أمور أخرى. فما الذي يمكن قوله أكثر من ذلك؟ صحيح أن هذه الأندية نجحت في تحقيق أقصى استفادة ممكنة من مواردها المحدودة نسبياً، لكن هذا الوصف ينطوي ضمناً على افتراضٍ بأن سقف طموحاتها لا يتجاوز نيل الثناء والإشادة على احتلال مراكز في منتصف جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز أو أعلى قليلاً. ربما يمثل هذا الموسم فرصة لتغيير ذلك؛ فباستثناء آرسنال، تمر جميع الأندية الكبرى بمرحلة انتقالية جوهرية. ورغم أن مانشستر سيتي استهل الموسم بسبعة انتصارات متتالية، فإن هناك احتمالاً وارداً بأن تؤدي العقوبات المترتبة على انتهاكاته المتعددة للوائح الدوري الإنجليزي الممتاز إلى خروجه من سباق المراكز الخمسة الأولى. وفي ظل هذا الوضع، لماذا لا تتمكن إحدى هذه الأندية الصغيرة - التي تتميز بكفاءة عالية - من التأهل لدوري أبطال أوروبا؟
بدأ برينتفورد عطلة نهاية الأسبوع في المركز الرابع في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز، وسط شعورٍ طفيف بالإحباط بسبب تعادله في أربع مباريات. وربما شعر الفريق أيضاً بأنه كان بإمكانه تحقيق نتيجة أفضل في الجولة الماضية؛ فقد كان متقدماً على ليفربول بهدف نظيف، قبل أن يرتكب ييهور يرموليوك حماقةً بالتدخل برأسه مع جيريمي جاكيه، مما أدى إلى طرده قبيل نهاية الشوط الأول. انتهت المباراة بخسارة برنتفورد بهدفين مقابل هدف وحيد، وسط شعور بضياع فرصة ثمينة. أما بورنموث، فلم تكن بدايته تحت قيادة المدير الفني ماركو روز سهلة، لكن فوزه في الجولة نفسها بنتيجة هدفين دون رد على سندرلاند قد يشير إلى مستقبلٍ أكثر إشراقاً.
وهكذا، تُركت مهمة قيادة «أندية المستوى الثاني» لفريق برايتون، الذي أدى دوره ببراعةٍ فائقة؛ إذ واصل مسلسل انتصاراته المتتالية، محققاً انتصاراً ساحقاً بخماسية نظيفة. وكان كريستال بالاس قد حالفه الحظ في النجاة من ضغطٍ هائلٍ تعرض له في الشوط الأول أمام نوتنغهام فورست في الجولة قبل الماضية، لكنه وجد نفسه يعاني مجدداً في المراحل الأولى من هذه المباراة، لتستقبل شباكه ثلاثة أهداف في غضون عشر دقائق فقط. ربما كان الهدف الأول - الذي جاء إثر كرة عرضية حوّلها جايدي كانفوت بالخطأ إلى مرمى فريقه - ضربة حظ، لكنه كان خطأً نجم عن الضغط المكثف الذي بدأ به برايتون المباراة. أما الهدف الثاني، الذي جاء بتسديدة متقنة من دييغو غوميز من داخل نصف ملعب كريستال بالاس، فقد عكس ثقة هائلة يتمتع بها الفريق. واللافت أن 11 لاعباً مختلفاً من برايتون قد سجلوا أهدافاً في الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم؛ ليصبح الفريق نموذجاً للعمل الجماعي الذي لا يعتمد على النجوم.

ويبدو الفارق جلياً مقارنة بشهر فبراير (شباط) الماضي، حين واجه برايتون فريق كريستال بالاس؛ إذ خسر برايتون حينها بنتيجة هدف دون رد، وهو ما يعني أنه لم يحقق سوى فوز واحد في آخر 12 مباراة له في الدوري الإنجليزي الممتاز. في ذلك الوقت، بدأت حالة من التذمر العام تتصاعد، ووصلت إلى حد المطالبة بإقالة المدير الفني فابيان هورتزيلر. إلا أن إدارة برايتون رفضت الاستجابة لحالة الذعر تلك وحافظت على ثقتها في هورزلر، الذي قاد في النهاية النادي الواقع على الساحل الجنوبي إلى إنهاء الموسم في المركز الثامن. وقد كافأ رئيس النادي توني بلوم المدرب هورزلر بتمديد عقده حتى عام 2029، ويجني النادي الآن ثمار الثقة التي وضعها في المدرب الألماني الشاب. ومع رحيل لاعبين مثل كارلوس باليبا، ويان بول فان هيك، وداني ويلبيك، وجيمس ميلنر خلال الصيف، أثيرت تساؤلات حول قدرة الفريق على مواصلة نهج التجديد المستمر.
وقد شهدت قائمة التعاقدات الجديدة مزيجاً معتاداً يجمع بين الخبرة في الدوري الإنجليزي والمواهب القادمة من خارج الأضواء. فالمدافع لوكا فوشكوفيتش، البالغ من العمر 19 عاماً - والذي قضى الموسم الماضي معاراً من توتنهام إلى هامبورغ - يبدو وكأنه يلعب للفريق منذ فترة طويلة. من كان يتصور، حين تبادل توتنهام وبرايتون المدافعين - بانتقال فان هيك إلى لندن - أن برايتون سيخرج بالصفقة الأفضل؟ كما تألق لاعب خط الوسط الإسباني تشيما أندريس، البالغ من العمر 21 عاماً والقادم من شتوتغارت؛ إذ لفت الأنظار بشدة عند مشاركته بديلاً أمام آرسنال، وواصل تقديم أداء متميز في المباراتين التاليتين.
لكن اللاعب الأبرز هذا الموسم هو اسم مألوف للغاية: باسكال غروس، الذي عاد إلى الفريق في يناير (كانون الثاني) الماضي بعد قضاء موسم ونصف في صفوف بوروسيا دورتموند. لم ينجح أي لاعب في الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم في تقديم تمريرات حاسمة أكثر من غروس (4 تمريرات)، كما أنه الأكثر ركضاً داخل الملعب، فضلاً عن تسجيله ثلاثة أهداف. ويبلغ متوسط تمريراته المفتاحية 3.0 في المباراة الواحدة، وهو المعدل الأعلى في الدوري. لقد كانت عودة هذا اللاعب، الذي يبلغ الآن 35 عاماً، خطوة موفقة للغاية من جانب برايتون. وأظهر الانتصار على آرسنال قبل فترة التوقف الدولي أن برايتون لا يكتفي فقط بجمع النقاط أمام الفرق الأقل شأناً في الدوري، أو حتى بمنافسة الكبار، بل يمتلك القدرة على اكتساحهم أيضاً. فقد وجد آرسنال نفسه محاصراً تماماً بفضل الضغط المكثف الذي مارسه برايتون؛ ورغم أن هدفين جاءا من تسديدتين بعيدتي المدى في الشوط الأول قد ساعدا الفريق، فإن الحقيقة هي أن برايتون فرض هيمنته على المباراة بشكل لافت للنظر.

ويبقى السؤال المطروح هو: هل يستطيع برايتون الحفاظ على هذا الأداء؟ فكما أصبحت سياسته في سوق الانتقالات سمةً مألوفة في الدوري الإنجليزي الممتاز، بات تراجع مستوى الفريق في منتصف الموسم أمراً معتاداً أيضاً؛ إذ لم يحقق الفريق أي فوز في شهر ديسمبر (كانون الأول) منذ عام 2023. فهل يمتلك هذا التشكيل القوة الكافية لمواصلة المنافسة؟ يبدو أن المشاركة الأوروبية لا تؤثر سلباً على برايتون كما حدث في تجربته القارية الأولى، أو كما يبدو أنها تستنزف فرقاً مثل بورنموث وكريستال بالاس وسندرلاند؛ وهو ما قد يعكس التباين في مستوى المنافسة في بطولة دوري المؤتمر الأوروبي.
بفوزه في المرحلة الماضية بنتيجة 5-صفر، أصبح برايتون متأخراً بخمس نقاط عن المتصدر مانشستر سيتي، مع 23 هدفاً في سبع مباريات، وهو الرقم الأعلى في الدوري، وخمس مباريات دون استقبال أهداف وفارق أهداف يبلغ زائد 18، أي أفضل بستة أهداف من سيتي. وقال هورزلر لشبكة «سكاي سبورتس»: «قبل بضعة أشهر (بعد الخسارة أمام بالاس) كنا في وضع مختلف، وقلت إنني سأواصل الضغط للحصول على فرصة أخرى للتغلب عليهم، لذا أنا سعيد لأننا حققنا ذلك اليوم». وأضاف: «هذا ليس عرضاً فردياً، لذا فإنني أعيد الفضل إلى لاعبي فريقي وطاقمي الفني. آمل أن يكون الجميع قد استمتعوا بالمباراة».

بينما سجل إيرلينغ هالاند ثمانية من أهداف مانشستر سيتي ليتصدر سباق الحذاء الذهبي، بينما سجل برايتون أهدافه بفضل 11 لاعباً مختلفاً. وقال لويس دانك مدافع برايتون لراديو هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «إذا لاحظت، فإن الأهداف موزعة على عدد كبير من اللاعبين، وهذا أمر يساعدنا كثيراً. الجميع لدينا يساهم ويساعد الفريق». وأضاف: «إذا نظرتم إلى عدد المباريات التي حافظنا فيها على شباكنا نظيفة، أعتقد أن هذا هو أكبر عدد سجلناه في هذه المرحلة من الموسم، لذا نحن سعداء جداً بذلك أيضاً».
يعتمد نجاح برايتون في الموسم الجديد على الضغط المستمر، وهي السمة المميزة للفوز الساحق 3-صفر الذي حققه الفريق الشهر الماضي على حامل اللقب آرسنال، والذي ترك المدرب ميكل أرتيتا يبحث عن إجابات بعد أول هزيمة لفريقه هذا الموسم. ورفض دانك الحديث عن المنافسة على اللقب في هذه المرحلة المبكرة من الموسم، بينما أبدى هورزلر نفس القدر من التصميم على كبح التوقعات. وقال: «بالنسبة لي، الأهم هو الجوانب التي يمكننا تحسينها... من الجيد الاحتفال بالفوز، لكن يجب أن ندرك أن هناك مجالاً للتحسن، خاصةً على مستوى اللاعبين الأفراد». وأضاف: «علينا أن نواصل المسيرة. لا يمكننا أن نشعر بالرضا. علينا أن نواصل الضغط، وأن نبقى متواضعين، وأن نفهم أسباب نجاحنا في الوقت الحالي حتى نتمكن من الحفاظ على هذا المستوى».
ويحقق الفريق هذه النتائج في ظل غياب كل من كاورو ميتوما، ويانكوبا مينتي، وماتس فيفر، ومن المتوقع عودة هؤلاء اللاعبين جميعاً في مرحلة ما خلال الشهر المقبل. وهذا يشير إلى مدى عمق وقوة قائمة برايتون. فبالنسبة لنادٍ لم يعتد على أجواء دوري أبطال أوروبا، يُعد الوصول إلى المراكز الخمسة الأولى خطوةً كبيرةً للغاية؛ إذ غالباً ما يمثل الأمر حاجزاً ذهنياً بقدر ما يمثل تحدياً من جوانب أخرى. لكن إذا كان لأيٍّ من هذه الأندية - التي تقع خارج دائرة الكبار المعتادين - أن تتألق في دوري أبطال أوروبا، فربما ستكون الفرصة الأكبر من نصيب برايتون هذا الموسم.
* «خدمة الغارديان»


