كما في كل عام، شهدنا خلال شهر رمضان عدداً ضخماً من الإنتاجات التلفزيونية، وهو ما يزيد من صعوبة "أن يرسخ" في ذهنك عمل لا ينسى. لهذا أصبحت الكثير من المسلسلات الرمضانية بالتحديد تُعرض بهدف المتعة الآنية، وتُنسى بعد نهاية الشهر الفضيل، وكأنها ما كانت.
لكن هذا العام بالتحديد، كنا على موعد مع اثنين من المسلسلات التي حظيت باهتمام المشاهدين وإعجابهم. فهل لعبت القصة دوراً في نجاحهما؟ أم أن الفضل يعود إلى الرؤية الإخراجية والبصرية للعملية الإنتاجية؟ أم بسبب ظهور نجوم دون غيرهم؟ أم كان النجاح مزيجاً من ذلك كله؟
"حكاية نرجس" و "عين سحرية" لم يكونا عملين عاديين هذا العام، وباعتقادي أن لقب "المسلسلات التي لا تنسى" تنطبق عليهما بكل تأكيد، خصوصاً أن الأول يستند في أحداثه إلى قصة حقيقية لا زالت تصنع الجدل حتى كتابة هذه السطور، والثاني يقدم فكرة غريبة بأسلوب بصري مبهر، ساهم في نجاحها نجمان لامعان.
من الصعب أن تجد من يجيبك على هذه الأسئلة، ولكن كان بالتأكيد أفضل من يمكن التوجه إليه هو "صاحب الصنعة"، أو كما نعرفه من خلال المسلسلين: The showrunner، المُنتِج محمد مشيش.
بداية استوقفتني التسمية (showrunner)، فلم أعتد رؤيتها في تتر المسلسلات العربية، بينما هي المنتشرة بكثرة في المسلسلات الأمريكية، لهذا، وجدت في هذه السطور أيضاً فرصة جيدة للتعليم والتعرف إلى مغزى هذا المسمى وتعريفه.
قال مشيش في حواره مع CNN بالعربية، إن التسمية تأتي من الولايات المتحدة، وهذا الشخص هو مسؤول عن إتمام العمل كاملاً، بداية من اختيار المخرج والنص والفريق، ومن ثم تحديد درجة التدخل التي سيقوم بها بناء على الفريق الذي يعمل معه. في الكثير من الأحيان هذا الشخص هو من يحل المشاكل، وهو من يجعل الصعب سهلاً، وهو من يجب أن يكون متاحاً طوال الوقت خصوصاً في أوقات التصوير.
وأضاف مشيش: "الـShowrunner هو بمثابة الطبيب النفسي للفريق، يجب عليه الاستماع إلى الجميع، وحل المشاكل، والتأكد أن الناتج النهائي يرقى إلى توقعات الجميع. لعل ما ساعدني كثيراً هو اهتمامي بالتفاصيل، وضرورة أن يكون كل ما بين يدي منظماً، لهذا، كنت دائماً في موقع التصوير، ومن ثم المونتاج، وعند تسجيل الموسيقى، وحتى عند اختيار الملابس والعدسات وغيرها".
وأكد مشيش أن هذه المهمة تتطور مع الخبرة، وهي أيضاً موهبة يمتلكها الشخص ليكون قادراً على فهم العناصر التي تتماشى مع بعضها البعض في العمل الفني. وقال: "على سبيل المثال في مسلسل (عين سحرية)، هشام هلال كاتب كبير يقدم الحياة الشعبية في مصر في أعماله، أما السدير مسعود فهو مخرج سوري يقدم رؤية بصرية بلمسة أمريكية. بالنسبة لكثيرين، هذا التزاوج بين أسلوب هلال ومسعود لا يوجد فيه أي انسجام، ولكن عند الوصول إلى نقطة المنتصف بين الأسلوبين، وجدنا أن المسلسل قدم البيئة الشعبية المصرية بطريقة مختلفة وجديدة لم نعتد عليها سابق".
السر في الرحلة وليس في الناتج النهائي
تحدثنا خلال الحوار عن "الوصفة السحرية" التي تجعل لمسلسلات مثل "عين سحرية" و "حكاية نرجس" وغيرها من مسلسلات قدمها محمد مشيش سابقاً ناجحة، لكنه أكد أن الأمر لا علاقة له بوصفة سحرية، بل بالقصة، والفريق، وكيفية التنفيذ، كما أن بعض الحظ يلعب دوراً أيضاً في النجاح.
وأضاف: "بالنسبة لي في أي عمل أقدمه، الجودة هي شعاري الأول، هو عنصر لا أفرط فيه على الإطلاق، وهذا هو السبب الذي يجعل الأعمال التي أشارك فيها مختلفة، وترقى إلى مستوى عال، حتى وإن كانت مكلفة بعض الشيء، ودائماً ما أسأل نفسي، هل يمكن أن أشاهد هذا العمل نفسه بعد عشر سنوات من اليوم؟".
في "عين سحرية"؛ قال مشيش، إن "الحظ لعب دوراً كبيراً في أنه كان لدينا موضوع يجذب الشباب الذين يشاهدون المسلسلات عبر المنصات الرقمية، وفي نفس الوقت، فكرة المسلسل أعجبت السدير مسعود، فكان مستعداً ومتحمساً للعمل عليه. برغم ذلك، لم يكن العمل على هذا المسلسل بالذات سهلاً، فالسدير مخرج متطلّب لأنه يهتم بالتفاصيل، ويبحث عن الكمال، وبرغم أن القصة جاهزة منذ فترة طويلة، إلا أن الموافقات والقرارات النهائية لم تأت إلا قبل وقت قصير من رمضان، وبالتالي كنا نعمل ضمن جدول صعب".
أما بالنسبة لـ"حكاية نرجس" فالأمر كان "أسهل نوعاً ما"، وفقًا لما قاله مشيش، وأوضح أن "النص جاهز منذ ما يقارب السنة ونصف، ولم نقم إلا ببعض اللمسات الأخيرة، كما أن المخرج سامح علاء هو شخص هادئ بطبعه، ولم يكن هناك تصوير في مواقع كثيرة، بل كان عددها محدوداً". وأضاف: "لعل أكثر ما أسعدني في هذا المسلسل هو أن ريهام عبدالغفور قدمت دوراً تستحقه، وقدمت أفضل ما لديها في دور نرجس، كما قدم حمزة العيلي مثال النجم المجتهد، صاحب الطاقة العالية التي كان يجب أن تتفجر في دور مهم كدوره في المسلسل".
وعن عرض "حكاية نرجس" في الجزء الثاني من رمضان، قال مشيش: "كنت متخوفاً من عرض المسلسل في النصف الثاني، خصوصاً وأن الكثير من المشاهدين قد يبدؤون بفقدان الرغبة والاهتمام بمشاهدة المسلسلات، ولكن رب ضارة نافعة؛ فالمسلسل أخذ حقه، كما مسلسل (عين سحرية) في النصف الأول".
الدراما التلفزيونية من التعريب إلى الاقتباس
سابقاً، عُرف محمد مشيش أيضاً بإنتاج مسلسلات مثل "مفترق طرق" و "قيد مجهول" و "جراند أوتيل". بعض من هذه الأعمال اعتمدت على مفهوم الاقتباس عن أعمال عالمية أو ما يعرف بـadaptation. وهنا أكّد على أهمية التمييز ما بين الاقتباس والتعريب، وضرورة أن يفهم المشاهد العربي أن هناك فرقا في الإنتاج وصناعة القصة بين المفهومين.
وقال مشيش: "في الأعمال المقتبسة عن مسلسلات أخرى، نقوم بشراء الفكرة أو concept، أو الإطار العالم للقصة، ونقوم بتطبيقها على بيئتنا العربية، فمثلا مسلسل (The Good Wife)، أخذنا فكرة العمل، وطبقناها على البيئة المصرية، مع إضافة بعض التفاصيل، وخرجنا بمسلسل (مفترق طرق)، وعلى أية حال هذه الأفكار يمكن تطبيقها في مجتمعات أخرى مثل الهند أو كوريا أو غيره".
وأضاف: "أما فيما يتعلق بالتعريب فالأمر مختلف، إذ يتم تحويل العمل كاملاً بجميع تفاصيله وأحداثه وحتى مواقع التصوير إلى لغة أخرى، كالعربية مثلا، كما يحدث في المسلسلات التركية التي يتم تعريبها، وفي معظم الأحيان يكون مُنتِج المسلسل التركي هو ذاته في النسخة المعرّبة. وهذا الأمر نجح في المسلسلات التركية لأن الأتراك في عاداتهم وتقاليدهم يشبهوننا إلى حد كبير، ولكن من الصعب القيام بذلك في المسلسلات الإسبانية أو الانجليزية للاختلافات الكبيرة في القيم والعادات والتقاليد".
ولم يُخفِ محمد مشيش رغبته في اكتشاف عالم السينما قريباً، خصوصاً وأنه لازم العمل الدرامي التلفزيوني لسنوات، ويرى أنه حتى اليوم لم يجد الشكل السينمائي المتفرد الذي يرغب بالعمل فيه، برغم أن التلفزيون في التنفيذ والإنتاج أصعب من السينما، إذ أن تقديم عمل تلفزيوني واحد يتطلب تصوير ساعات طويلة لإنتاج 15 حلقة، في مقابل تصوير فيلم لإنتاج ساعة ونصف.
أما عن الأثر الذي يرغب بتقديمه من خلال المسلسلات، ولنأخذ "حكاية نرجس" مثالاً؛ قال مشيش إن هناك الكثير من العادات والتقاليد في مجتمعاتنا التي تظلم المرأة، خصوصاً فيما يتعلق بموضوع الإنجاب، ومن هنا يرى أن قصة المسلسل تأتي لتؤكد أن الخير والشر لا يعيشان في المطلق بيننا، فكم من شخص شرير لديه جانب خيّر، وكم من شخص طيب لديه جانب شرير".
وأضاف مشيش: "أعتقد أن سامح علاء نجح في تقديم قصة تعرض كيف نصنع الوحوش من حولنا من خلال التنمر والابتزاز، كما أنه نجح أيضا في أن يقدم قصة صعبة في مجتمع يُعرف عنه الصوت العالي، والازدحام، والصراخ وغيره، بصورة هادئة تركز على الشخصيات وتعايشها مع محيطها".


