لم تمر سوى 75 يومًا على توقيع تركيا مذكرة الدفاع المشترك "مكة"، حتى وقعت مذكرة تفاهم "بدر"، الأمر الذي يطرح تساؤلات بشأن طبيعة الأهداف التركية من وراء تحرك أنقرة بخطوات متسارعة لتعزيز حضورها في الشرق الأوسط، عبر توسيع شبكة علاقاتها الدفاعية والصناعية مع عدد من القوى الإقليمية.
تحالف مكة
يجمع تحالف "مكة" تركيا والسعودية وباكستان، ويرتكز على تعزيز التعاون الدفاعي ومفهوم الردع الجماعي، بما يتضمنه من توجه نحو اعتبار أي هجوم مسلح خارجي يستهدف أحد الأعضاء تهديدا لبقية الأطراف، وفقًا لما تنص عليه بنود الاتفاق.
مذكرة تفاهم بدر
أما مذكرة تفاهم "بدر"، التي تضم تركيا وقطر وباكستان وإندونيسيا، فتتجه بدرجة أكبر نحو التعاون في الصناعات الدفاعية، وتطوير القدرات التقنية، والبحث والتطوير، والتدريب الفني، بما يتيح للدول الأربع الاستفادة من خبراتها وإمكاناتها المختلفة.
تركيا تسعى إلى توسيع نفوذها الجيوسياسي
يرى الدكتور حامد فارس، أستاذ العلاقات الدولية، أن أنقرة تسعى من خلال هذه الاتفاقات إلى توسيع نفوذها الجيوسياسي في الشرق الأوسط، وتعزيز حضورها في الملفات الاستراتيجية، بما يضمن لها موقعًا أكثر تأثيرًا في التوازنات الإقليمية.
وفي حديثه مع مصراوي، يؤكد فارس أن التحركات التركية لا يمكن فصلها عن رغبة أنقرة في ترسيخ وجود مستمر داخل المنطقة، وتوسيع دائرة شراكاتها مع القوى الفاعلة، بما يسمح لها بتعزيز مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية في آن واحد.
يشير أستاذ العلاقات الدولية، إلى أن تركيا لا تكتفي بتطوير علاقاتها مع السعودية وقطر وباكستان، وإنما تتحرك كذلك في ساحات أخرى، من بينها ليبيا والقرن الإفريقي، في إطار استراتيجية أوسع تستهدف توسيع نطاق نفوذها وتأمين مصالحها في المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية.
يضيف أستاذ العلاقات الدولية، أن الاتفاقات الدفاعية تمثل إحدى الأدوات التي تعتمد عليها أنقرة لتثبيت حضورها الإقليمي، إلى جانب توظيف الصناعات العسكرية والتعاون الاقتصادي في بناء علاقات ممتدة مع شركائها.
وبحسب فارس، فإن هذه التحركات لا يمكن وصفها بأنها مجرد خطوات تعاونية منفصلة عن الحسابات الاستراتيجية، إذ تحمل أبعادا جيوسياسية واضحة، تتعلق بتعزيز المكانة الإقليمية لتركيا، وزيادة قدرتها على التأثير في القضايا التي تمس أمن المنطقة ومصالحها.
الصناعات العسكرية
يؤكد أستاذ العلاقات الدولية، أن التوسع في الصناعات الدفاعية يمثل أحد المحاور الأساسية لفهم دوافع أنقرة، إذ لم تعد تجارة السلاح بالنسبة إلى تركيا مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبحت أداة لتعزيز علاقاتها السياسية وتوسيع حضورها في الأسواق الإقليمية والدولية.
يتابع فارس حديثه "فمن خلال الاتفاقات الدفاعية، تستطيع تركيا فتح المجال أمام تصدير منتجاتها العسكرية، وتطوير مشروعات للتصنيع المشترك، وتبادل الخبرات التقنية، إلى جانب تقديم خدمات التدريب والصيانة والدعم الفني".
ينوه أستاذ العلاقات الدولية إلى أن هذه الشراكات تمنح أنقرة فرصة لبناء علاقات طويلة الأمد مع الدول المشاركة، خصوصا عندما ترتبط منظومات التسليح ببرامج تدريب وصيانة وتطوير مستمرة، كما يمكن أن تسهم في دعم الشركات التركية العاملة في مجالات الطائرات المسيرة والأنظمة الإلكترونية والمعدات الدفاعية، وتوسيع قاعدة عملائها في الأسواق الخارجية.
يقول أستاذ العلاقات الدولية إن مذكرة "بدر" تكتسب أهمية خاصة باعتبارها إطارا يسمح بتطوير المصالح الصناعية والتكنولوجية المشتركة، بينما يوفر تحالف "مكة" سياقا أمنيا أوسع للتنسيق بين أطرافه.
عقيدة الوطن الأسبق
يؤكد خبير العلاقات الدولية أن الحسابات التركية لا تقتصر على الجوانب العسكرية والصناعية، بل تمتد إلى أمن الطاقة والممرات البحرية، وهي ملفات تحظى بأهمية كبيرة في الاستراتيجية التركية.
وفي هذا الإطار، تبرز عقيدة "الوطن الأسبق" التي ترتبط بالرؤية التركية لمصالحها البحرية ونفوذها في بحر إيجه والبحر المتوسط والبحر الأسود، حيث تعكس هذه العقيدة اهتمام أنقرة بتعزيز حضورها البحري، وحماية مصالحها الاقتصادية، وتوسيع قدرتها على التأثير في الملفات المرتبطة بالموارد البحرية ومناطق النفوذ، وفقا لرؤية أستاذ العلاقات الدولية.
ويرى فارس أن أمن الطاقة يمثل عاملا محوريا في الحسابات التركية في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة لتلبية احتياجاتها، لأن أنقرة تستورد نحو 98% من احتياجاتها من الطاقة، وهو ما يضع تأمين الإمدادات وتنويع مصادرها ضمن أولويات سياستها الاقتصادية والاستراتيجية.
لمعرفة حالة الطقس الآن اضغط هنا
لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News



