تقنية جريدة الجمهورية

من الطباشير إلى الشاشة.. وفن قتَل القضايا

مع انبلاج فجر عام دراسى جديد، أبحث عن اجابات لأكوام من الأسئلة، تدون فى مستطيل أخضر وتمحى مع انتهاء الحصة، لكنها لا تجف من عقول استوعبت قدسية العلم، فمن جيل الطباشير والسبورة الخضراء إلى جيل الحاسوب والإنترنت، ووصولا إلى جيل الشاشة والذكاء الاصطناعى.. تغيرت كثير من الأفكار والاهتمامات بل والقضايا. ك...

من الطباشير إلى الشاشة.. وفن قتَل القضايا
10 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

مع انبلاج فجر عام دراسى جديد،  أبحث عن اجابات لأكوام من الأسئلة،  تدون فى مستطيل أخضر وتمحى مع انتهاء الحصة،  لكنها لا تجف من عقول استوعبت قدسية العلم،  فمن جيل الطباشير والسبورة الخضراء إلى جيل الحاسوب والإنترنت،  ووصولا إلى جيل الشاشة والذكاء الاصطناعى.. تغيرت كثير من الأفكار والاهتمامات بل والقضايا.

كنت أظن،  في سذاجتي القديمة،  أن التاريخ يُكتب بالحبر،  تعلّمت لاحقًا أنه يُكتب بالطباشير،  وهو أصدق تعبيرًا عن حاله.. مادة هشة،  بيضاء،  تتلطخ بها الأصابع،  وتُمحى بحركة كف واحدة،  لكنها « وهنا المفارقة التى لم أفهمها إلا بعد سنوات من ممارسة الكتابة « تترك أثرًا لا تمحوه الممحاة،  جرّب أن تمسح سبورة استُخدمت عشرين عامًا،  ستجد ظلالًا متراكمة كأنها طبقات جيولوجية من المعرفة،  لا يقوى عليها القماش المبلل ولا اللامبالاة.

أما جيل الشاشة،  فحكايته مختلفة تمامًا،  وإن بدت في الظاهر تطورًا،  الشاشة لا تُمحى بكف،  هي تُحدَّث وهذا فارق جوهرى يغفل عنه من يظن أن القضية تقنية بحتة،  المسح فعل عشوائى،  أما التحديث ففعل مقصود،  له مُصمِّم،  وله جدول أعمال،  وله من يقرر أى المعلومات تستحق البقاء فى النسخة الجديدة وأيها يُستبعد بهدوء دون أن يشعر أحد أن شيئًا قد نُزع.

في زمن السبورة،  كانت فلسطين تُدرَّس كجرح مفتوح،  لم تكن «درسًا عابرًا يؤسس لعلم الجغرافيا»،  بل كانت عرَضًا متكررًا يظهر في كل مادة تقريبًا.. فى التاريخ كاحتلال،  فى الجغرافيا كخريطة مبتورة،  فى اللغة العربية كقصيدة غضب،  وفى التربية الدينية كأرض مقدسة مهدورة الحق،  كانت «مفردة انتماء»، 

المعلم الذى كان يخضّب يده بالطباشير وهو يرسم خريطة فلسطين على السبورة،  لم يكن يؤدي وظيفة بيروقراطية بحتة،  بل كان – ربما دون أن يعي – يمارس طقسًا شبه ديني من طقوس توريث الذاكرة،

والآن.. مع «التحولات السياسية والاتفاقيات وإعادة هندسة العلاقات الإقليمية» « وما أثقل هذه المصطلحات،  وما أخفّ ما تُخفيه تحتها « تتجه المناهج،  نحو «تلميع السلام وتقارب الشعوب» وهى عبارة جميلة،  تصلح لإعلان عن معجون أسنان: تلميع.. كأن القضية بقعة سوداء على سطح ناصع،  ويكفي قليل من الجلى الكيميائى لإعادة البريق.

المشكلة أن «السلام» الذى يُراد تلميعه هنا ليس نتاج عدالة تحققت،  بل نتاج ذاكرة أُفرغت.. وهناك فرق شاسع بين المريض الذى تعافى من صدمته لأنه واجهها وتصالح معها،  وبين المريض الذى «نسى» لأن أحدًا محا الذاكرة عنه قسرًا،  الأول إنسان سويّ،  الثانى حالة مَرَضية تحتاج ملفًا طبيًا كاملًا.

جيل الشاشة لن يكبر وهو يكره فلسطين هذا مستبعد،  سيكبر وهو غير مبالٍ بها،  وهذا أخطر بكثير،  الكراهية على الأقل شعور،  أما اللامبالاة فهى موت للقضايا.. يمكنك أن تجادل من يكرهك،  أما من لا يعرف أصلًا أنك موجود فماذا تقول له؟ من أين تبدأ؟

في زمننا كانت الشاشة تعنى التلفاز،  وكان التلفاز ينقل صور المجازر مباشرة إلى غرفة الجلوس،  فتختلط رائحة العشاء برائحة الموت على الشاشة،  ونتعلم « رغمًا عنا « أن العالم غير آمن وغير عادل،  أما شاشة اليوم فخوارزمية ذكية تعرف أن هذا المحتوى «قد يزعجك»،  فتقدّم لك بدلًا منه مقطعًا مضحكًا،  أو إعلانًا لمنتج تجميلي،  لأن رضاك عن التطبيق أهم من انزعاجك من التاريخ.

يبقى السؤال المعلّق كغبار الطباشير فى الهواء: هل ستظل هناك أيادٍ « حقيقية أو رقمية « تصرّ على أن تكتب فلسطين فى كل مكان يُحاول أن يمحوها؟ أم أن الجيل القادم سيتعلم الجغرافيا من خريطة نظيفة،  مرتبة،  خالية من أى «بقعة»؟

مقالات ذات صلة