سياسة جريدة الدستور

(معارضة سياسية) تايهة يا ولاد الحلال!

(معارضة سياسية) تايهة يا ولاد الحلال!
25 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

هل يوجد فى مصر معارضة سياسية بمعناها الحقيقى العلمى الموضوعى؟ كرأى شخصى ومن خلال متابعتى للشأن العام فإجابتى القاطعة هى لا! وجود معارضة سياسية حقيقية لا يشكل مخالفة لقانون أى دولة، بل على العكس فوجودها يعتبر نقطة قوة لأى نظام حكم، كما يعتبر من مخزون قوة الدولة ذاتها. لكن السؤال الأول والأهم ما هى المعارضة السياسية؟ 

أعتقد أننا فى مصر لا زلنا ندور فى فلك فك الالتباس بين المعنى العلمى الموضوعى للمعارضة، وبين ما عداها من مسميات يعتقد بعضنا – على سبيل الخطأ – أنها معارضة!

فحضرتك – كمواطن تريد أن تتفاعل مع الشأن السياسى – حين تنضم فعليا أو فكريا لجماعة تعتمد حمل السلاح كمنهج للوصول للحكم لا يمكن اعتبارك معارضا سياسيا طبقا لعلوم السياسة ومواد القانون، لكنك وباختصار عضوٌ فى جماعة إرهابية يجب محاكمتك جنائيا بتهمة الإرهاب فى حال انضمامك الفعلى لأى من تلك الجماعات. وإن كنتَ فقط تؤيدها فكريا، فأنت مشروع إرهابى لم يتم تفعيله بعد، ولا علاقة لك وبما تفعله فى كلتا الحالتين بمصطلح المعارضة السياسية.

ولو أنك كنت من عامة المواطنين أو حتى نخبتهم الرياضية أو الفنية قد قمتَ بتمويل أى من تلك الجماعات بالمال فى أى مرحلة كانت، فأنت يجب أن تحاكم بتهمة تمويل الإرهاب وهى تهمة لا تسقط بالتقادم. ولا علاقة لهذا الفعل بمصطلح المعارضة السياسية، حتى لو رفعك بعضهم فوق الأعناق خارج مصر أو داخلها، فأنت ممول للإرهاب وهى جريمة وطنية مخلة بالشرف طبقا للرؤية المصرية الشعبية!

ولو أن حضرتك تؤمن مثلا بأنه لا غضاضة فى أن تتنازل مصر عن جزء من أرضها لدولة أخرى عربية أو مسلمة أو لمجموعة من شعب دولة أخرى مهما يكن مسمى هذا التنازل بناء على إيمانك بأن أرض مصر هى جزءٌ من أرض الإسلام مشاعة لكل المسلمين، فلا علاقة لذلك بالمعارضة السياسية، وحضرتك مجرد مشروع خائن وطنى، وحين تتاح لك فرصة العمل العام فسوف تنفذ خيانتك وساعتها يجب محاكمتك بتهمة الخيانة العظمى!

ولو أن حضرتك كمصرى كنت فى الأعوام الثلاثة الأخيرة ممن سبّوا مصر وحاولوا الضغط عليها للانغماس فى معركة ليست معركتها، فحضرتك لست معارضا سياسيا، إنما أنت جزءٌ من قطيع تم امتطاؤه وتوجيهه لتنفيذ رؤى تستهدف التراب الوطنى المصرى!

ولو أن حضرتك مواطن عادى تماما لا تؤيد أى جماعة، لكنك تقوم بكل تفانٍ بنشر وتمرير كل ما يتم إلقاؤه إليك من معلومات مضللة كاذبة دون أن تقوم بأى جهد بحثى للوقوف على صحة أو كذب ما تقوم بنشره، فأنت لست معارضا سياسا، إنما تم تحويلك لمجرد بوق يتم استخدامه دون أى تكلفة وأنك تحولت لأرخص أداة مستخدمة فى المعارك التى تخوضها مصر – مستخدمة ضد مصر -  تحقق كسبا كبيرا لمن يستخدمها دون مقابل مادى تقريبا!

ولو أن حضرتك كنت ممن خرجوا فى مظاهرات رفض لفض الاعتصامات الإرهابية وقمت بسب القوات المسلحة الوطنية فأنت لست معارضا سياسيا مهما تكن مهنتك وموقعك، إنما أنت مجرد تابع لجماعة إرهابية خضعت لعملية غسيل عقل شأنك شأن أى جاهل تم السيطرة على عقله وتحريكه!

الفكرة أن أى ممارسة تقوم على فكرة المطالبة بقيام نظام حكم على أساس دينى طائفى مذهبى، لا يؤمن بأن مصر للمصريين فقط، فهى ممارسة لا علاقة لها بمصطلح المعارضة السياسية. فهؤلاء الذين قاموا بهذه الممارسة ليسوا سياسيين، إنما هم أعضاء فى تنظيمات أيديولوجية خارجة عن الدستور والقانون وخارجة على أسس قيام الدولة ذاتها. وأى نشاط إعلامى يقوم به مواطن عادى بنشر مواد كاذبة دون أن يتحرى دقتها فهذا النشاط لا يسمى معارضة سياسية، إنما هو استخدامٌ بالمجان!

فلو قمنا باستبعاد كل هؤلاء من الكتلة الزاعقة – التى يتصدر صراخها وسائل التواصل وتحرص على استضافة ممثليها القنواتُ غير المصرية - التى تزعم أنها المعارضة السياسية فى مصر، فكم يتبقى من هذه الكتلة؟ وأين هؤلاء؟! 

ولو أن سيادتك كنتَ قد توليت سابقا منصبا وزاريا خدميا مثلا - وأتيحت لك الفرصة لتنفيذ رؤاك النظرية ثم تركتَ منصبك وقررتَ أن تقوم بدور المعارض السياسى وأن تطل علينا من فترة لأخرى وأنت تطوق عنقك بإشارات رمزية غير مصرية، وأن تنظر وتنتقد النظام الحاكم فى نفس الملفات التى كنت تتولاها وفشلت فى تطبيق نظرياتك – فحضرتك لست معارضا سياسيا، إنما مجرد مزايد سياسى ليس إلا وتحتاج أولا إلى تمصير هيئتك وأن تتلفح بعلم مصر حين تجلس أمام أى كاميرا لتخاطب المصريين! 

ولو أن حضرتك شخصية سياسية أنيقة تتمتع بتقمص دور حكيم الزمان السياسى، وتعشق أن تلقى بانتقاداتك للإدارة فى مصر من فترة لأخرى على شكل مقال هنا أو هناك أو تغريدات تتخذ شكل قطعيات ومسلمات، ثم يقوم بالرد على ما تكتبه مواطنون مصريون ويثبتون كذبك، فحضرتك لستَ معارضا سياسيا، لكنك رجل تعشق الضوء وتعشق أن ينظر لك مرويدوك نظرة الناس للطاووس الذى يتباهى بريشه الأنيق!

ولو أن حضرتك كنت سابقا ممن شاركوا فى مشاهد مهمة فى لحظات مفصلية من تاريخ مصر، ثم أثبتت الأيام كارثية ما قمتَ به كعضو لما سمى وقتها ببعثة الدبلوماسية الشعبية، ثم صمتَ سنوات ومصر تخوض المعركة تلو المعركة ومصر تشيَد وتزرع، ثم داعبتك رغبات الشهرة والعودة لأضواء الكاميرات فقررت أن تتقمص دور  المعارض الخبير ببواطن الأمور، ونحن نعلم تاريخك كله حتى منذ دولة مبارك، عفوا فحضرتك لست معارضا سياسيا، لكنك مجرد راغبٍ فى الشهرة وكان يجب عليك أن تعتذر للمصريين عما اقترفته سابقا!

ولو أن حضرتك تنتمى لعائلة كانت تحكم مصر وكنت تمنى نفسك بتوريث مقعد الحكم داخل العائلة، لكَ أو لغيرك، ثم صدمك رفض المصريين لأن يتم توريث مصر، ومن وقتٍ لآخر تطل علينا بوجه شامتٍ فى أوضاع سياسية واقتصادية - أنت تعلم أكثر من غيرك أن حكم العائلة هو المسؤل الأول عنها – وتعتقد أن تلك الأوضاع يمكنها أن تخدع المصريين فيأتون بك محمولا على الأعناق، أنت واهم ولا تعرف شيئا عن المصريين! نعم مبارك هو المسؤل عن سعر الدولار الآن. مسؤلٌ بتجميد مصر وتقديم رشوة جماعية للشعب فى صورة دعم خدع المصريين لسنوات طويلة وأوهمهم أن ستة جنيهات مثلا هى القيمة الحقيقية للدولار، بينما كانت الحقيقة أن أموال مصر يتم إنفاقها لتثبيت سعر وهمى للدولار، وأن ذلك السعر لم يكن أبدا هو قيمة الإنتاج المصرى! 

ولو أن حضرتك تتحرق شوقا لأى منصبٍ ولقد مددت يديك سابقا للشيطان ذاته من أجل هذا المنصب أو ذاك، فأنت لا تمثل المعارضة السياسية فى مصر، لكنك فقط تحلم بالسلطة والنفوذ، وبكل أسفٍ لك وسعادة للمصريين، فأنت لن تنالهما أبدا! 

حين نستبعد كل هذه الوجوه من المشهد السياسى، فماذا يتبقى ممن يعتقدون أنهم ممثلو المعارضة السياسية؟ غالبا لن يتبقى أحد!

المعارضة السياسية التى يمكنها أن تكون من أسس قوة أى نظام حكم، ومن رصيد قوة أى دولة، هى المعارضة التى يجب أن تقوم على عدة أسس...

 أولا يجب أن تقوم على مبدأ احترام القانون والدستور والإيمان بأسس قيام الدولة المدنية الحديثة. 

ثانيا يجب أن تقوم على العلم. العلم بمعناه الشامل. علوم السياسة ومختلف علوم العصر لو أننا سنتحدث عن حزب سياسى معارض حقيقى. فيجب أن يحتوى هذا الحزب على كوادر علمية متخصصة فى السياسة، والإدارة والزراعة والصناعة وكل الأنشطة العصرية القائمة، وعلوم القانون المحلى والدولى. 

ثالثا يجب أن تقوم على احترام الحقائق والمنطق. فحين يصدر قرار عن الحكومة مثلا يتم دراسة هذا القرار دراسة علمية موضوعية حقيقية متجردة من الخصومة السياسية، ويتم الوصول لتقييم للقرار ومدى صوابه لمصر شعبا ودولة، ولا بأس من سؤال الحكومة عن تفاصيل غائبة. وعلى ضوء هذا التقييم يتم اتخاذ الموقف إما بتأييد القرار أو معارضته. وحين تؤيد المعارضة قرارا للنظام الحاكم، فهذا لا يدين المعارضة كما يعتقد البعض. فالمعارضة لا يجب أن تتصرف دائما بمنطق وجوب المعارضة، إنما قدرتها على تقييم الموقف بشكل موضوعى متجرد والحرص على الصالح العام. 

رابعا أن تقوم هذه المعارضة على أساس قوى وهو أن يكون لديها بدائل وحلول حقيقية لما تعارضه من قرارات. فبدون أن تكون قادرة على ذلك فلا شرعية لوجودها. وحين يكون لديها البديل، فلا بأس من نشره فى صحفها أو بأى طريقة نشر، وبهذا تقدم نفسها للشعب كبديل للحكومة القائمة. هذه هى الطريقة الصحيحة ولو كانت طويلة الأمد. فالتفكير بمنطق محاولة خطف ثمار غرس لم يتم أصلا هى طريقة تفكير فاشلة وهى السبب فى المشهد الحالى من افتقار مصر لوجود معارضة سياسية حقيقية. 

خامسا أن تعلم تلك المعارضة فى مصر أن نظام الحكم فى مصر هو نظام رئاسى، وأن الرئيس هو حجر الزاوية فى الحكم، وأن المصريين يحترمون رئيسهم ويتعلقون به ويعتقدون أنه هو الذى يمكنه أن يصوب أى أوضاع خاطئة. هذه طبيعة الشعب المصرى ويجب أن تعمل المعارضة فى هذا الإطار.  أى أن وجود معارضة سياسية حقيقية لا يعنى أنها سوف تقف فى الجهة المقابلة للرئيس، لكن وجودها يعنى أنها سوف تعمل مع الرئيس لتحقيق صالح الشعب، ويمكنها أن تطرح نفسها كبديل لأى حكومة تنفيذية قائمة. أى يجب أن تدرك المعارضة أنها ستعمل فى ظل احترام النظام السياسى والدستورى القائم وأيضا فى ظل احترام شخصية المصريين ومزاجهم السياسى التاريخى. 

والرئيس السيسى قد قرر ألا ينضم لأى حزب سياسى. وهو قرارٌ صائب تماما ويتفق مع هذا الإطار السياسى القائم، ويمنح الفرصة للأحزاب المعارضة الفرصة كاملة لتقديم نفسها كبديل لأى حكومة تنفيذية قائمة. فيمكن للرئيس أن يختار من بينها شخصية تصلح لمنصب رئاسة الوزارة وأن يتم اختيار وزراء ممن ثبت أن لديهم القدرة على طرح بدائل لمشاكل واجهتها الحكومة السابقة. 

إن طموح الوصول للحكم هو طموح مشروع لأى معارضة سياسية حقيقية، ولا شرعية لها دون أن يكون هذا الهدف قائما لديها وبوضوح، لكن الطريق لا يبدأ من آخره. بناء معارضة حقيقية يتطلب خطوات كبرى، ودون تلك تلك الخطوات فإن الحلم بمقعد الرئاسة من قبل البعض هو حلمٌ غير مشروع ولا يمكن تسويقه ببرنامج وهمى عبارة عن وعود لا وجود على قرائن لإمكانية تحقيقها. الطريق يبدأ بأن تثبت المعارضة قدرتها على إثبات وجودها بالطريقة التى ذكرتها. أن تقوم ببناء شعبية لها لا تقوم على شعارات جوفاء أو توزيع معونات، وإنما على تاريخ سياسى لم يبدأ بعد! 

السؤال الآن..هل لدينا الآن فى مصر معارضة سياسية حقيقية بهذا المعنى الشامل؟ 

حتى الآن لا أعتقد، كما لا أعتقد أن السبب فى ذلك هو – كما يروج البعض – المناخُ السياسى السائد. لأن الرئيس صرح كثيرا بأنه يرحب بكل الآراء بشرط أن يكون أصحاب تلك الآراء لديهم المعلومات الحقيقية عما يتحدثون عنه، وأن يكون أيضا لديهم أفكارٌ واقعية قابلة للتحقيق على الأرض. كما طالب الرئيس أن يكون هناك الرأى والرأى الآخر. ويجب ألا ننسى أنه هو صاحب مبادرة الحوار الوطنى وهى المبادرة الرائدة فى منطقة الشرق الأوسط، ولقد قامت الحكومة بالفعل بتنفيذ الكثير من مخرجات هذا الحوار الوطنى. 

لذلك فأنا أعتقد أن أسباب عدم وجود معارضة حقيقية وجادة فى مصر هى أسباب تخص من يزعمون أنهم معارضون. فقطاع كبير منهم لا يمكن وصفهم بالمعارضين السياسيين، وإنما هم ظهير صريح لجماعات راديكالية متطرفة. وعددٌ آخر عبارة عن مغامرين وطالبى شهرة أو نفوذ. وهناك بالقطع مخلصون فى نواياهم، لكنهم ما يزالون أسرى شعارات لا علاقة لها بالسياسة ولا الواقع المصرى. هل يعقل مثلا أن تكون أفكار وشعارات اليسار المصرى عنوانا لمعارضة مصرية سياسية حقيقية؟ وهناك من يمتطى السياسة كنوع من الوجاهة والتلميع السياسى. أين الأحزاب المصرية العريقة؟ غالبيتها للأسف فقد المصداقية الجماهيرية لأسباب منطقية تتعلق بمواقف سابقة فى مراحل الفرز القاسية التى مرت بها مصر فى أعوام الفوضى، وتسلل منتفعين ومرتزقة إلى هذه الأحزاب.  

هناك نقطة فى غاية الأهمية يجب الإشارة إليها، وهى أنه لا يمكن فصل ما نتحدث عنه عن مجمل الظروف السياسية الإقليمة وما تتعرض له منطقة الشرق الأوسط. 

التآمر الغربى الصريح منذ عقود ضد الشرق الأوسط وتحديدا لتصفية قضية فلسطين على حساب الأرض المصرية، ألقى بظلاله على الممارسات السياسية الغربية تجاه مصر. هناك شيزوفرينيا سياسية غربية فيما يتعلق بمصطلح (المعارضة السياسية). فحين يتعلق الأمر بدول الغرب وقوانينها وشعوبها، تصبح أى جماعة راديكالية تعتنق العنف منهجا للممارسة السياسة هى جماعة إرهابية ويتم مواجهتها على هذا الأساس. 

أما فيما يتعلق الأمر بمصر مثلا ومنذ أكثر من أربعة عقود على الأقل، يتم اعتبار أعضاء الجماعات الإرهابية والمتطرفة – حتى الذين أدينوا باقتراف جرائم صريحة – معارضين سياسيين للنظام الحاكم! ثم أضيف مسمى آخر (معارضين إسلاميين للنظام)! هذه الشيزوفرينيا الغربية معروفة المقصد تماما. كان الغرض هو استعمال هؤلاء ضد مصر، ولهذا الاستعمال فقد تم منحهم التمويل والجنسية والمأوى والمنابر الإعلامية. هذه الشيزوفرينيا الغربية المقصودة أوقعت كثيرا من المصريين فى الفخ فتأثروا بالخطاب الغربى وباتوا يعتقدون أن أعضاء هذه الجماعات من الإرهابيين هم معارضون سياسيون! هذه الشيزوفرينيا يجب أن تكون حاضرة دائما فى العقول حتى لا يقع فى الفخ مصريون آخرون!

مقالات ذات صلة