رياضة القاهرة 24

الحسد حقيقة أم وهم نعيشه؟

الحسد حقيقة أم وهم نعيشه؟
26 مشاهدة

اقرأ من المصدر

القاهرة 24

زيارة المصدر

قد ينتقد البعض فكرة الحسد رغم أن القرآن الكريم ذكرها في أكثر من موضع، بغرض التشكيك فيها، بل وإنكار وجودها من الأساس، ويقولون الجملة التي أصبحت على ألسنة كل من يتبنى هذا الطرح: ولماذا لا يوجد حسد في بلاد الغرب؟
وهناك من يضرب أمثلة أيضًا بالكثير من الأثرياء في مجتمعاتنا، ويتساءل: لماذا لا يصيبهم الحسد؟

والحقيقة أن كل ذلك لا يعدو أن يكون تفكيرًا سطحيًا، أو محاولة للتشكيك في أمر عقائدي، أو جهلًا في أفضل الأحوال.
فالحسد في أصله لا يرتبط بطبقة اجتماعية بعينها، وإنما ينشأ حين تجتمع عدة عوامل، في مقدمتها نفس غير سليمة، أو شعور بالنقص، أو مقارنة مستمرة بين الإنسان وغيره، وقد تغذيه أيضًا مشاعر القهر والحرمان.

ومن الخطأ القول إن الحسد غير موجود في المجتمعات الغربية، فالحسد شعور إنساني يمكن أن يوجد في أي مجتمع، لكن الظروف تختلف في مدى تهيئتها لظهوره.

ففي أغلب المجتمعات الغربية، ينشغل الإنسان بحياته بدرجة أكبر، وتكون الحدود بين الحياة الخاصة للأفراد أكثر وضوحًا، فلا يجعل أحد الآخر شغله الشاغل كما يحدث في بعض البيئات داخل مجتمعاتنا.

والقهر الاجتماعي والاقتصادي تحديدًا قد يكونان من أكثر العوامل التي تغذي مشاعر الحقد والمرارة؛ فالإنسان الذي يشعر بأنه محروم أو مسحوق أو عاجز عن تغيير واقعه قد ينظر إلى نعمة غيره بعين مختلفة، خصوصًا إذا كان هذا الآخر قريبًا منه في المستوى الاجتماعي، ثم تغيرت أحواله للأفضل، فيحدث ما يسمى باستكثار النعمة.

ومن هنا يمكن فهم ظاهرة الحسد بين بعض البسطاء، ليس لأن الفقر يجعل الإنسان حسودًا بطبيعته، وإنما لأن الفقر وما يصاحبه أحيانًا من حرمان وقهر ومقارنات اجتماعية قد يخلق بيئة خصبة لهذه المشاعر. ولذلك لا يستوقف الفقير عادة ثراء شخص بعيد عنه كل البعد، بقدر ما قد يستوقفه أن يرى شخصًا كان مثله بالأمس، ثم انتقل إلى طبقة اجتماعية أعلى، فأصبح ما كان يتمنى الوصول إليه واقعًا أمام عينيه.

وهنا لا يكون الحسد مجرد اعتراض على نعمة الآخرين، وإنما قد يتحول إلى انعكاس لشعور أعمق بالعجز والقهر وعدم الرضا عن الواقع.

ولهذا فإن معالجة ظاهرة الحسد لا تكون فقط بالحديث عن أخلاق الحاسد، وإنما أيضًا بفهم البيئة التي تنتج هذه المشاعر، ومحاولة الحد من الفقر والقهر والحرمان، وبناء مجتمع يشعر فيه الإنسان أن نجاح غيره لا يمثل تهديدًا له، وأن الطريق إلى حياة أفضل ليس مغلقًا أمامه.

والخلاصة أن الحسد ليس حكرًا على الفقراء، ولا هو غائب عن الأغنياء، ولا هو ظاهرة شرقية خالصة؛ إنه شعور إنساني، لكن الظروف الاجتماعية قد تمنحه بيئة خصبة للانتشار.
ولهذا أرى أن أبشع ما يمكن أن يعيشه الإنسان ليس مجرد رؤية النعمة في يد غيره، وإنما أن يعيش محرومًا، مقهورًا، عاجزًا عن الوصول إلى ما يراه حقًا طبيعيًا له.

فالفقر ليس مجرد نقص في المال، بل قد يتحول، حين يقترن بالقهر والحرمان، إلى مرارة تملأ النفس وتؤثر في نظرتها إلى الحياة وإلى الآخرين.

وما دون ذلك من شعارات عن جمال الفقر وفضيلته لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة الواقع ومرارته.
وهذا لا يعني أنه لا يوجد أشرار بطبيعتهم، لا يحتاجون إلى سبب أو ظروف حتى يخرج أذاهم.

والحسد المقصود هنا ليس فقط إصابة شخص أو شيء بالعين فيحدث المكروه، وإنما أخطر أنواعه ذلك الذي يُحدث غلًّا داخل قلب الحاسد تجاه شخص آخر؛ فيعيش دائمًا متمنيًا له المصائب والأذى، ولا يتردد أبدًا في أن يصنعهما له كلما توفرت الفرصة لذلك.

مقالات ذات صلة