اقتصاد جريدة الجمهورية

رسالة فى الحياة وليست منة على العباد

إن العبارة الخالدة «خدمة الناس رسالة» ليست مجرد شعار يُرفع، بل هى منهج حياة وقيمة إنسانية ودينية عليا تزن معادن الرجال. عندما يضع الله بين يديك قضاء حوائج الآخرين، أو يقلدك منصبًا يمس مصالحهم، فقد اختصك بنعمة عظيمة تستوجب الشكر بالعمل والتفاني. تتجلى هذه الأمانة فى استشعار المسئولية أمام الله أولاً ...

رسالة فى الحياة وليست منة على العباد
6 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

إن العبارة الخالدة «خدمة الناس رسالة» ليست مجرد شعار يُرفع، بل هى منهج حياة وقيمة إنسانية ودينية عليا تزن معادن الرجال. عندما يضع الله بين يديك قضاء حوائج الآخرين، أو يقلدك منصبًا يمس مصالحهم، فقد اختصك بنعمة عظيمة تستوجب الشكر بالعمل والتفاني.

تتجلى هذه الأمانة فى استشعار المسئولية أمام الله أولاً ثم أمام المجتمع؛ فالطبيب فى عيادته، والموظف فى مكتبه، والمعلم فى صفه، كلهم يحملون فى أعناقهم حقوقًا للعباد وجب أداؤها بإخلاص ودون منّ أو أذي. وقد علمنا النبى صلى الله عليه وسلم عظم هذا الفضل حين قال: «والله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه».

إن السعى فى منافع الخلق يورث الطمأنينة فى القلب، ويجعل صاحبه من أحب الناس إلى الله، فالخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله. فلتكن خدمة الناس ديدننا، ولنحمل هذه الأمانة بحقها مستبشرين بوعد الله بالثبات والتوفيق فى الدنيا والآخرة. والحقيقه أن تمثل خدمة الناس: نبض الإنسانية وباب الرفعة الحقيقي.

وفى عالم يتسارع بخطى مادية، تظل «خدمة الناس» هى الواحة الإنسانية التى تعيد للروح توازنها وللمجتمع تماسكه. إن السعى فى قضاء حوائج الآخرين ومساندتهم ليس مجرد نافلة أو عمل تطوعى عابر، بل هو رسالة وجودية وقيمة عليا ترتقى بها الأمم وتتفاضل من خلالها منازل البشر. وتتعدد صور خدمة الناس وتتسع لتشمل كل تصرف يرفع عن إنسان مشقة أو يدخل على قلبه سرورًا؛ فتبدأ من الكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة، وتمر بإغاثة الملهوف وإعانة الضعيف، وتصل إلى إتقان الموظف لعمله تيسيرًا على المراجعين، وبذل العالم لعلمه والطبيب لخبرته. هذه الصور جميعها تلتقى عند مصب واحد، وهو استشعار المسئولية تجاه الشراكة الإنسانية التى تجمعنا. ولخدمة الناس أثر عميق ينعكس أولاً على صاحبها؛ فهى تطهر النفس من الأنانية والجشع، وتورث القلب طمأنينة وسكينة لا تُشترى بالمال. كما أن التاريخ يخلد دائما أولئك الذين عاشوا من أجل غيرهم، فماتت أجسادهم وظلت أسماؤهم حية ومباركة بين الخلق. وعلى صعيد المجتمع، تشكل هذه القيمة جدار حماية يمنع التفكك وينشر المحبة، حيث يشعر كل فرد بأنه ليس وحيداً فى مواجهة أعباء الحياة. ولا شك إن العطاء لا ينقص من صاحبه شيئاً بل يزيد صاحبه رفعة ومهابة. ولن تضيق يد امتدت لتساعد، ولن يظلم قلب عاش ليرحم. فلنجعل من خدمة الناس أسلوب حياة، ولنوقن بأن صنائع المعروف هى الحصن الحصين الذى يحمى الإنسان فى الدنيا والآخرة، وبأن نفع الآخرين هو أصدق تعبير عن شكر النعم. فى الواقع، قيمة الإنسان الحقيقية تقاس بحجم النفع الذى يقدمه لمن حوله، وكم من العطاء يتركه أثراً فى قلوب الآخرين. فهى ليست مجرد وظيفة يؤديها المرء مقابل أجر، ولا هى وجاهة اجتماعية يُفاخر بها؛ بل هى أمانة ثقيلة فى العنق، ورسالة إنسانية وأخلاقية سامية يتوارثها أصحاب النفوس النبيلة. أن تضع نفسك فى مقام قضاء حوائج الناس وتيسير شئونهم، يعنى أنك أدركت جوهر الوجود الإنسانى القائم على التكافل والتراحم. فالمنصب، أو المكانة، أو حتى القدرة البدنية والمالية، كلها نعم يختبر الله بها عباده ليرى كيف يصنعون بها. والعاقل هو من يجعل من هذه النعم جسراً يعبر عليه الضعيف والمحتاج، وبابا يُفتح لتفريج كرب المكروبين. لقد علمتنا الشرائع السماوية والقيم الإنسانية أن «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس»، وأن السعى فى مصلحة إنسان قد يفوق فى أجره الكثير من العبادات التطوعية. لانها لا تمثل مجرد خدمة عابرة، بلتثبت يبثون الأمل فى روح المجتمع ونؤكد أن الخير مازال حياً. إن الهيئات والمؤسسات والاشخاص التى تجعل من خدمة الناس بوصلتها الأساسية تدرك تماما أن زوال المعوقات والبيروقراطية هو مفتاح التطور والنهضة.

وختاما تزول المناصب، وتتغير الأحوال، وتفنى الأجساد، ولا يبقى فى سجل الأيام إلا الأثر الطيب. سيبقى دعاء مكروب فُرّجت كربته، وثناء إنسان سُهّلت حاجته، هما الذخيرة الحقيقية والإرث الخالد. فلنجعل من خدمة بعضنا البعض رسالة حياة، ولنؤدِّّ هذه الأمانة بحب وإخلاص، لتزهر مجتمعاتنا بالرحمة والتكافل.

حفظ الله مصر

حمى شعبها العظيم وقائدها الحكيم

مقالات ذات صلة