رياضة جريدة الجمهورية

فى مديح الصمت «٢»

تحدثنا بالأمس عن تلك الحكمة المفقودة والتى لا يعرفها الكثيرون والتى نستلهمها من اليوم وهى الصمت ، يواصل أديبنا زكى نجيب محمود بقوله «فمن باب الصمت أن تختار لجلوسك مكانًا مستورًا تخلو فيه إلى نفسك، أو إلى من تتحدَّث إليه من الأصدقاء فيكون لك بهذا التخفِّى وجود واضح بارز؛ ومن باب الجلَبة والصياح أن تج...

فى مديح الصمت «٢»
12 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

تحدثنا بالأمس عن تلك الحكمة المفقودة والتى لا يعرفها الكثيرون والتى نستلهمها من اليوم وهى الصمت ، يواصل أديبنا زكى نجيب محمود بقوله «فمن باب الصمت أن تختار لجلوسك مكانًا مستورًا تخلو فيه إلى نفسك، أو إلى من تتحدَّث إليه من الأصدقاء فيكون لك بهذا التخفِّى وجود واضح بارز؛ ومن باب الجلَبة والصياح أن تجلس مكشوفًا على طوار الشارع فى المقهي، حيث تُصبِح جزءًا من بضائع الدكاكين وحركة المرور»!

ومن الصمت أن تختار لملابسك وأثاث منزلك ألوانًا خافتة هادئة يرتاح إليها البصر، كما أن من الجلَبة والصياح أن تختار هذه الأشياء من ذوات الألوان الصارخة الزاعقة التى تَلفت الأنظار رغم الأنوف.

ومن الصمت أن تُعلِن عن عيادتك إن كنت طبيبًا، أو مكتبك إن كنت محاميًا، أو دكانك إن كنت تاجرًا؛ بلافتة صغيرة مُتواضِعة، كما أن من الجلَبة والصياح أن تُعلِن عن نفسك بلافتة طويلة عريضة تَسد على الناس مَسالِك الطريق، واذكُر دائمًا أن ارتفاع الصوت قد يدل على تفاهة الصائت؛ فالكلب الذى ينبح لا يَعض – كما يقول الإنجليز – وكلما ازدادت الشاة صياحًا، قَل على ظهرها الصوف – كما يقول الإنجليز كذلك – والضفدعة الهزيلة الضئيلة تملأ الآفاق ضجة ونقيقًا.

يستحيل أن تكون من الصاخبين ومن العاملين فى وقت واحد؛ ويستحيل أن تكون من الصائحين ومن المُفكِّرين فى وقت واحد؛ فقد يتعذَّر أن يجتمع الكلام والعمل، لأن الفكرة إذا طافَت برأسك فصِحْت بها كلامًا، انتهى بذلك أمرها؛ أما إذا حبستها فى نفسك، وأغلقت دونها صدرك بمَغالِيق الصمت، فقد تتفجَّر فى صورة عمل عاجلاً أو آجلاً.

كذلك مُحال أن تضج وتُفكِّر فى آن معًا؛ هلَّا سألت نفسك يومًا: لماذا اختار اليونان لآلهتهم جبل الأولمب، ولم يُسكِنوهم دارًا فى ساحة السوق؟ وهل جاءك فى الأساطير أن «جوبتر» كان يخلق الكائنات بإيماءة خفيفة دون أن ينطق إلا قليلاً، أو يتحرَّك إلا يسيرًا؟

هل سألت نفسك يومًا: لماذا يصوم غاندى عن الكلام يومًا فى كل أسبوع؟ وهل وقفت دقيقة أو دقيقتين كلما قصُّوا عليك سيرة النبي، فتسأل: لماذا اختار الله لنبيه الصحراء الصامتة مَنبِتًا، ولماذا اختار له مَغارة معزولة فى سكون الجبل مَهبِطًا لوَحيه؟

أين يسكن الفيلسوف فيما تظن؟ أيَسكن برجًا – سواء كان البرج من عاجٍ أو خشب – أم يسكن غرفة تُطِل بشُرفتها ونوافذها على العتبة الخضراء؟

ألست تُؤثِر للعالم الباحث أن يعتزل فى مكان هادئ بين كتبه وأنابيبه، ثم ألست تُؤثِر للشاعر أن «يجوب وحيدًا كالسحابة» – كما يقول «وِردِزْوِرْث» شاعر الإنجليز؟

أيهما أقرب إلى الشعور الدينى الصحيح فيما تظن: رجل فتح المِذياع على آخره ساعة تلاوة القرآن، فجعل من القراءة ضجة ترُج الهواء رجًّا؛ أم رجل جعل التلاوة همسًا فى أذنه لا يكاد يسمعه من يجلس إلى جواره؟ أتحسب أنه من قبيل المُصادَفة العمياء أن تواضَع الناس فى كل زمان وفى كل مكان وفى جميع الأديان أن تكون بيوت الله – مساجد كانت أو كنائس أو معابد أو ما شئت لها أن تكون – خافتة الضوء خافضة الصوت، إذا أُضيئت فبالقنديل الضئيل، أو ما يُشبِهه، وإذا تكلَّم فيها مُتكلِّم فهمسًا، أو مشى على أرضها ماشٍ فعلى أطراف أصابعه؟ ثم هل يخلو من المعنى أن يُوعَد المؤمنون جَنة لا يسمعون فيها لغوًا؟

أنت أقرب إلى الله فى صمتك منك فى صخبك وضجتك، ولهذا اختار المُتعبِّدون صوامع فى الجبل، ولم يختاروا الميادين الفخمة فى كبريات المدن!

خُذها عنى نصيحة ناصح: ضَع ثقتك فيمن يتلعثم إذا تكلَّم، أضعاف أضعاف ما تضعها فيمن يُكثِر من الجدل والنقاش؛ فالأرجح أن يُنتِج الأول عملاً ينفعك وينفعه، والأرجح ألا يُنتِج الثانى شيئًا ذا غَناء؛ ولعل «فورد» – صاحب الثراء الضخم وصاحب السيارة المعروفة – لعله لم يكُن مُحسِنًا فقط حين جعل من مبادئه أن يبدأ فى مصانعه باستخدام الأبكم، بل لعله كان فى ذلك رجلاً من رجال الأعمال الذين حالَفهم صواب الرأي؛ فمع البكَم إنتاج وعمل، ومع الثرثرة مَضيعة للوقت والمجهود؛ ورحم الله مالكًا حين قال: «لا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل».. ورحم الله ابن حنبل حين قال: «لا يُفلِح صاحب كلام أبدًا».

هل تدرى ما معنى «تفكير»؟ معناهالدقيق: مُناقَشة الإنسان لنفسه، يُلقِى على نفسه سؤالاً ويُحاوِل عنه الجواب؛ فإذا قلت «إنى أُفكِّر» كان معنى ذلك على وجه الدقة أنى سألت نفسى سؤالاً أو أسئلة أُحاوِل عنها الجواب؛ ولا يكون ذلك إلا إذا خلَوت لنفسك وساد حولك الصمت.

وإنه لمن أعجب العجَب أن يشاء الله لأعظم موسيقيٍّ أنجبته الدنيا – أعنى بيتهوفن – أن يُصاب بالصمَم، فلا يسمع حتى موسيقاه! تُرى هل ساعَده العالم الصامت الذى عاش فيه على خلق تغريده وألحانه؟

دارت فى رأسى هذه الخواطر، ثم أراد الله أن يزيدنى يأسًا على يأس، فذكَّرنى بالمكتب والبيت والشارع.

دخلت مكتبًا فى ديوان حكومى لأقضى بعض شأني، فوجدته يموج بالزائرين الصائحين الصاخبين، فقلت: يستحيل أن يُنتِج هذا المكان شيئًا.

ودخلت دارى فوجدتها مُفتَّحة النوافذ ساطعة الضوء كثيرة الصياح، فقلت: يستحيل أن تكون هذه الدار بيئة صالحة لتكوين رجل صامت عامل.

ومشَيت فى الشارع فسمِعت عجيجًا وضجيجًا وجلَبة وصياحًا، فقلت: يستحيل أن يكون هذا مكانًا من بلد يعرف أهله العمل والإنتاج.

اللهم رحماك! والله لو انفتحت لى أبواب السماء «ليلة القدر»، ما تمنَّيت لأمتى إلا شيئًا واحدًا: «أن يهَبها الله شيئًا من حكمة البوم» والذى نفسى بيده وكان الرجل يعيش بيننا ويشعر بوجعنا ولكنه كتب بمداد الفيلسوف الصادق ونحن مازلنا نصرخ بحثا عن الحكمة المفقودة لنكتشف أن أصل الحكمة فى عدم الصراخ.. فالصمت حكمة.

مقالات ذات صلة