بينما ينصب معظم الاهتمام على استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الأخبار أو تلخيصها، تتجه بعض المؤسسات الإعلامية إلى توظيفه في مرحلة مختلفة من دورة الإنتاج الصحفي، وهي إعداد النسخة الورقية.
وفي هذا السياق، تختبر صحيفة "سبورت" (Sport) الإسبانية نموذجا جديدا يهدف إلى تسريع عمليات الإخراج والتنظيم دون المساس بالقرار التحريري أو هوية الصحيفة.
وكشف خوان كانيتي بايلي -مدير الإستراتيجية التحريرية في مجموعة "برينسا إيبيريكا" (Prensa Ibérica) المالكة للصحيفة- أن المشروع الجديد -الذي يحمل اسم "إسكريبا" (Escriba)- يسعى إلى استكشاف الكيفية التي يمكن بها للذكاء الاصطناعي دعم فرق التحرير في إعداد النسخة المطبوعة، في وقت أصبحت فيه غرف الأخبار تعتمد نموذج "الرقمي أولا"، حيث ينشر المحتوى على الموقع الإلكتروني باستمرار قبل إعادة اختيار جزء منه للنشر الورقي.
وأوضح أن التحول الرقمي غيّر جذريا طريقة إنتاج الأخبار، إذ تُحدَّث المواد على مدار الساعة عبر المنصات الرقمية، بينما تحتاج النسخة المطبوعة إلى إعادة تنظيم هذه المواد وفق اعتبارات مختلفة، تشمل المساحات المتاحة، وترتيب الأولويات، والتصميم البصري، ومواعيد الإغلاق، بما يضمن خروج صحيفة متماسكة تحافظ على هويتها التحريرية.
وتزداد هذه التحديات في الصحافة الرياضية، حيث تتغير الأخبار بوتيرة سريعة، وتتداخل التغطيات العاجلة مع التحليلات والمقابلات والتقارير التمهيدية وتغطيات المباريات والمواد الخدمية، مما يجعل تحويل هذا التدفق المتواصل إلى صحيفة ورقية متوازنة عملية معقدة تحتاج إلى تنسيق دقيق.
ومن هنا جاء مشروع "إسكريبا" -الذي لا يهدف إلى كتابة المحتوى أو اتخاذ القرارات التحريرية- بل إلى تقديم مساعد ذكي ينظم المواد ويقترح طرق توزيعها داخل الصفحات، ويساعد في تكييفها مع التصميم النهائي للنسخة المطبوعة، مع تقليل الوقت المستغرق في المهام التشغيلية المتكررة.
ويؤكد بايلي أن الهدف ليس تغيير شخصية الصحيفة أو استبدال المحررين، وإنما دعم العمليات التي تسبق إخراج النسخة الورقية، بما يحافظ على التوازن البصري وتسلسل الأخبار والأسلوب التحريري الذي يميز الصحيفة.
ويعتمد المشروع على فكرة أن إخراج الصحيفة ليس عملية تقنية بحتة، بل نشاط تحريري يتطلب فهما للأولويات الصحفية، وحسا بصريا، وإدراكا لقيمة كل مادة بالنسبة للقارئ. لذلك، فإن الذكاء الاصطناعي يعمل داخل حدود يضعها المحررون، بينما يبقى القرار النهائي بشأن اختيار المواد وترتيبها وإخراجها في يد الفريق التحريري.
ووفقا للمشروع، يستطيع النظام اقتراح بدائل مختلفة لترتيب الصفحات، وتنظيم المواد، والمساعدة في ضبط المساحات، لكن جميع هذه المقترحات تخضع للمراجعة البشرية قبل اعتمادها، بما يضمن الحفاظ على الجودة والاتساق التحريري.
ويرى القائمون على المشروع أن هذه المقاربة تحقق توازنا بين الكفاءة والرقابة، إذ يتولى الذكاء الاصطناعي المهام التي تستغرق وقتا وجهدا، بينما يحتفظ الصحفيون بالمسؤولية الكاملة عن المنتج النهائي.
ويأتي مشروع "إسكريبا" ضمن برنامج تمويل حكومي إسباني يهدف إلى دمج الذكاء الاصطناعي في سلاسل القيمة الخاصة بالمؤسسات الإعلامية، وتشجيع المشاريع التجريبية التي تسهم في تحسين العمليات الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية للقطاع الإعلامي.
ويتيح هذا التمويل اختبار حلول عملية داخل بيئة الإنتاج الفعلية، مع تقييم مدى فاعليتها قبل اعتمادها بصورة أوسع، مما يمنح المؤسسات الإعلامية فرصة لاستكشاف الاستخدامات المهنية للذكاء الاصطناعي بعيدا عن التطبيقات الأكثر شيوعا في كتابة النصوص.
ويؤكد بايلي أن أهمية المشروع تكمن في تركيزه على واحدة من أكثر مراحل العمل الصحفي حساسية، وهي إغلاق النسخة الورقية، حيث تتخذ القرارات تحت ضغط الوقت، ويتعين تحقيق توازن بين الأخبار والمساحات والتصميم، دون الإخلال بالهوية التحريرية.
ويخلص إلى أن تجربة "إسكريبا" تمثل نموذجا مختلفا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، إذ لا ينظر إليه بوصفه بديلا عن الصحفي أو المحرر، وإنما أداة لدعم العمل المهني وتخفيف الأعباء التشغيلية، مع الإبقاء على الحكم التحريري البشري باعتباره العنصر الحاسم في صناعة الصحيفة.
وتعكس هذه التجربة اتجاها متناميا داخل المؤسسات الإعلامية العالمية نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في تحسين سير العمل والإنتاج، بدلا من الاقتصار على إنتاج المحتوى، في محاولة للاستفادة من قدراته التقنية مع الحفاظ على القيم المهنية والتحريرية التي يقوم عليها العمل الصحفي.




