أكد نائب رئيس مؤسسة كارنجي للسلام الدولي ونائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الأردني الأسبق مروان المعشر، وجود تنسيق مصري-أردني وثيق في التعامل مع تطورات القضية الفلسطينية، خاصة ما يتعلق بالتصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية ومحاولات تهجير الفلسطينيين، موضحا أن موقفي القاهرة وعمّان يكادان يكونان متطابقين في هذا الملف.
وقال المعشر، في تصريحات صحفية، إن الضفة الغربية تواجه تحديًا غير مسبوق، موضحًا أن خطورة المرحلة الحالية لا تتمثل فقط في استمرار الاحتلال، وإنما في التسارع الكبير لتنفيذ مخططات ضم الضفة الغربية بدعم مباشر من المستوطنين وجيش الاحتلال الإسرائيلي.
وأضاف أن المستوطنين أصبحوا يتحركون بحرية أكبر من أي وقت مضى، مشيرًا إلى أنه بينما كان المستوطن قبل سنوات يخشى دخول القرى الفلسطينية، أصبح الفلسطيني اليوم يخشى مغادرة منزله بسبب اعتداءات المستوطنين.
ولفت إلى مقتل أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر 2023، مؤكدًا أن جزءًا كبيرًا من هذه الجرائم ارتكبها مستوطنون، دون وجود محاسبة حقيقية لهم.
وشدد المعشر على أن رفض مصر والأردن لتهجير الفلسطينيين لا يستهدف التضييق على الفلسطينيين أو منعهم من الحركة، وإنما يهدف إلى منع إفراغ الأرض الفلسطينية من سكانها، لأن التهجير يحقق الهدف الإسرائيلي بإقامة دولة ذات أغلبية يهودية.
وأكد أن التنسيق المصري-الأردني في هذا الملف يستند إلى رفض أي مخططات تستهدف تغيير الواقع الديموغرافي في الأراضي الفلسطينية أو فرض وقائع جديدة على الأرض.
وأوضح أن إسرائيل، من وجهة نظره، لا تريد إقامة دولة فلسطينية، كما لا تريد في الوقت نفسه وجود أغلبية فلسطينية بين البحر والنهر، وهو ما يدفعها إلى تبني سياسات تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني.
الشرق الأوسط يدخل مرحلة "حرب استنزاف"
وقال نائب رئيس مؤسسة كارنجي للسلام الدولي ونائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الأردني الأسبق، إن التطورات المتسارعة تجعل من الصعب التنبؤ بمسار الأحداث، في ظل الحرب على إيران، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، والتغيرات السياسية داخل إسرائيل، والتحولات الجارية في الولايات المتحدة.
ووصف الحرب الحالية بأنها دخلت مرحلة "حرب استنزاف"، موضحًا أنها فقدت جزءًا كبيرًا من أهدافها السياسية والعسكرية، ولم تعد تحقق النتائج التي أعلنتها الأطراف المنخرطة فيها.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة حددت في بداية الحرب أهدافًا من بينها وقف البرنامج النووي الإيراني أو تغييره، وطرحت كذلك مسألة تغيير النظام في إيران، إلا أن هذه الأهداف لم تتحقق حتى الآن.
وأضاف أن استمرار الحرب لا يخدم مصالح أي طرف، موضحًا أن إيران ليست معنية بإطالة أمد المواجهة، بينما يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطًا داخلية من قاعدته الانتخابية الرافضة لما وصفه بـ"المغامرات العسكرية الخارجية"، لكنه يرغب في إنهاء الحرب دون الظهور بمظهر الخاسر.
وتطرق المعشر - خلال ندوة سياسية استضافتها الجمعية الأردنية للعلوم السياسية برئاسة الدكتور خالد شنيكات - إلى عدد من الملفات الإقليمية والدولية، مؤكدًا أن منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة غير مسبوقة من التحولات السياسية والعسكرية.
وأوضح أن التطورات العسكرية أثبتت أن التفوق التقليدي وحده لا يضمن حسم الصراعات، بعدما أعادت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة رسم موازين القوى لصالح دول أقل تفوقًا عسكريًا، مشيرًا إلى أن الجيش الأردني يعمل على تطوير قدراته في هذا المجال.
وحذر المعشر من الفرضية القائلة بأن رحيل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سيؤدي إلى تغيير سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين، مؤكدًا وجود توافق واسع داخل المجتمع الإسرائيلي، بمختلف أحزابه الرئيسية، على رفض إقامة دولة فلسطينية.
وقال إن استطلاعات الرأي بشأن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة تشير إلى ثلاثة سيناريوهات، مرجحًا تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم نتنياهو وخصومه بنظام التناوب، مشددا على أن تغيير هوية رئيس الوزراء لن يؤدي إلى تحول جوهري في السياسات الميدانية تجاه الفلسطينيين، لأن الخلافات الداخلية الإسرائيلية ترتبط بدرجة أكبر بإدارة الحكم والصراعات الشخصية.
وفيما يتعلق بإمكانية بناء نظام أمني إقليمي جديد، قال المعشر إن الأمر يواجه عقبات كبيرة بسبب التوجهات التوسعية الإسرائيلية الحالية في غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان، إلى جانب اعتماد إيران على شبكة من الحلفاء خارج حدودها.
ولفت مروان المعشر إلى أن موازين القوى الحالية لا تسمح بحل سياسي قريب، مشيرًا إلى أن استمرار التوسع الاستيطاني يتناقض مع فرص تطبيق حل الدولتين.
وأوضح أن العامل الديموغرافي سيظل عنصرًا أساسيًا في مستقبل الصراع، منوها بأن عدد الفلسطينيين داخل الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية يقدر بنحو 7.5 مليون نسمة مقابل 7.2 مليون إسرائيلي.
وشدد على أن الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تكون دعم صمود الفلسطينيين ماديًا وعمليًا للبقاء على أرضهم، وقال "إن المشروع الصهيوني نجح عسكريًا، لكنه لم ينجح في تحقيق الاستقرار والأمن السياسي والداخلي".
المياه ملف استراتيجي في العلاقات مع إسرائيل
وقال مروان المعشر إن التحول الإسرائيلي نحو اليمين المتطرف ودعوات ضم الضفة دفع الأردنيين لإعادة تقييم معاهدة السلام، التي وقعت أساسا لحماية الحدود ومنع التهجير وحفظ قيام الدولة الفلسطينية.
واعتبر المياه ملفًا استراتيجيًا مرتبطًا بالأمن الوطني وليس مجرد قضية اقتصادية، خاصة بعد استخدام إسرائيل للمياه والغاز كأوراق ضغط إبان الأزمات السياسية.
وشدد على ضرورة بناء الاعتماد الذاتي عبر مشاريع حيوية مثل مشروع الناقل الوطني للمياه رغم كلفته العالية.
وفي الملف المائي المشترك مع سوريا، أشار المعشر إلى أن الإجراءات السابقة أثرت على حصة الأردن من نهر اليرموك، معربًا عن أمله في أن تسهم المؤشرات الإيجابية مع النظام السوري الجديد في إعادة ترتيب هذا الملف وتعديل حصص تقاسم المياه.
على صعيد آخر، لفت المعشر إلى أن مرحلة الهيمنة المنفردة انتهت، وأن الصين أصبحت قوة عظمى حقيقية تجاوزت مرحلة نقل التكنولوجيا إلى الإنتاج والمنافسة العالمية واقتربت من تخطي أمريكا اقتصاديًا وبدأت بكين تفعّل دورها السياسي بوضوح كلاعب دولي لا يمكن تجاوزه، لكنه استبعد انخراطها عسكريًا في أزمات المنطقة على الغرار الروسي، مفضلةً التوسع عبر بوابات التجارة والاستثمارات والتكنولوجيا.
واختتم المعشر حديثه بالتأكيد على أن مواجهة التحديات الخارجية تتطلب إصلاحًا داخليًا عربيًا شاملًا وبناء مؤسسات قوية.
وأكد أن الإصلاح السياسي لا ينبغي تأجيله بحجة مواجهة التحديات الخارجية، مستشهدًا بتجارب دول أمريكا اللاتينية التي نجحت في حماية مصالحها عبر بناء مؤسسات قوية وتعزيز الاعتماد على الذات والعمل الجماعي.



