اقتصاديون لـ«الدستور»: استمرار الحرب يرفع ضبابية المشهد.. واستقرار سعر الصرف وتدفقات النقد الأجنبي يدعمان تراجع الضغوط
تواجه الأسواق المصرية خلال الفترة الحالية تحديات متشابكة في ملف التضخم، في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تسيطر على الاقتصاد العالمي، بالتزامن مع التوترات الجيوسياسية وما تفرضه من ضغوط على أسعار الطاقة وتكاليف النقل والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد.
ويرى خبراء اقتصاديون ومصرفيون تحدثوا لـ«الدستور» أن روشتة التعامل مع التضخم لا تقتصر على أدوات السياسة النقدية، وإنما تحتاج إلى مجموعة متكاملة من الإجراءات، تبدأ بعودة الاستقرار إلى المنطقة وتهدئة أسواق الطاقة، وتمتد إلى استقرار سعر الصرف وزيادة تدفقات النقد الأجنبي، وتحفيز الإنتاج المحلي وتحسين حركة التجارة وسلاسل الإمداد.
وأكد الخبراء أن استمرار التوترات والحروب يجعل تحديد مسار التضخم خلال الفترة المقبلة أكثر صعوبة، في ظل عدم وضوح اتجاه أسعار النفط والطاقة وتكاليف النقل والتأمين، مشيرين إلى أن عودة الاستقرار العالمي ستظل العامل الأهم في تخفيف الضغوط الخارجية على الاقتصاد المصري.
عودة الاستقرار للمنطقة أول خطوة لخفض التضخم
وقال الدكتور وليد جاب الله، خبير الاقتصاد والمالية العامة وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع، إن عودة الاستقرار السياسي والأمني إلى المنطقة تمثل أحد أهم الحلول لتخفيف الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة، خاصة أن التوترات الجيوسياسية أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في أسواق الطاقة والتجارة والنقل.
وأوضح جاب الله في تصريحات لـ«الدستور» أن التوترات الجيوسياسية تنعكس على أسعار النفط والغاز، كما ترفع تكاليف الشحن والتأمين وحركة التجارة الدولية، وتؤدي في النهاية إلى زيادة تكلفة وصول السلع ومدخلات الإنتاج إلى الأسواق، وهو ما ينتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات.
وأشار إلى أن انتهاء حالة التوتر وعودة حركة التجارة الدولية إلى طبيعتها من شأنهما تخفيف تكلفة النقل والشحن والتأمين، وهو ما ينعكس تدريجيًا على الأسعار المحلية، مؤكدًا أن استمرار الحرب يجعل التوقعات بشأن مسار التضخم أكثر صعوبة بسبب عدم القدرة على تحديد اتجاه أسعار الطاقة خلال الفترة المقبلة.
وأضاف أن زيادة الإنتاج المحلي تمثل في الوقت نفسه أحد الحلول الأساسية لمواجهة الضغوط التضخمية، لأنها تؤدي إلى زيادة المعروض من السلع ومواجهة أي نقص في الأسواق، وتقلل الاعتماد على الواردات، بما يجعل الاقتصاد أكثر قدرة على التعامل مع الصدمات الخارجية.
وأكد جاب الله أن دعم الإنتاج المحلي لا يساهم فقط في خفض الضغوط على الأسعار، وإنما يدعم فرص العمل، ويرفع تنافسية المنتجات المصرية، ويفتح المجال أمام زيادة الصادرات وتوفير موارد إضافية من النقد الأجنبي، بما يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات الخارجية.
استقرار أسعار الطاقة مفتاح السيطرة على الأسعار
من جانبها، قالت الدكتورة سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية، إن استقرار أسعار النفط والغاز يمثل عاملًا رئيسيًا في السيطرة على التضخم، نظرًا إلى الارتباط المباشر بين الطاقة وتكلفة الإنتاج والنقل والخدمات في مختلف القطاعات الاقتصادية.
وأوضحت الدماطي لـ«الدستور» أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يقتصر تأثيره على تكلفة الوقود فقط، وإنما يمتد إلى الصناعة والنقل والزراعة والخدمات، ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج وينعكس في النهاية على سعر المنتج النهائي.
وأضافت أن أي انخفاض في أسعار الطاقة نتيجة تحسن الأوضاع الجيوسياسية لن يظهر تأثيره على معدلات التضخم بصورة فورية، وإنما يحتاج إلى فترة زمنية حتى تنتقل انخفاضات التكلفة عبر مراحل الإنتاج والتوزيع إلى الأسعار النهائية للمستهلكين.
وأكدت أن عودة الاستقرار إلى المنطقة ستكون نقطة تحول مهمة في هذا المسار، لأنها ستساعد على تهدئة أسواق الطاقة، واستعادة الثقة، وتحسين حركة التجارة والاستثمار، بما يخفف من الضغوط التي تواجه الأسواق.
وأشارت إلى أن عودة سلاسل الإمداد العالمية إلى طبيعتها ستكون أيضًا عاملًا مهمًا في تخفيف التضخم، خاصة مع ارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين خلال الأزمات الدولية، موضحة أن انخفاض هذه التكاليف ينعكس على أسعار السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، وبالتالي يقلل تكلفة الإنتاج داخل السوق المحلية.
وأكدت أن استقرار حركة التجارة العالمية سيمنح الشركات والمستوردين قدرة أكبر على التخطيط، كما يقلل من حالة عدم اليقين التي ترفع تكلفة المخاطر في الأسواق.
استقرار سعر الصرف وتوافر النقد الأجنبي يدعمان تراجع التضخم
وقالت الدكتورة شيماء وجيه، الخبيرة المصرفية، إن استقرار سعر الصرف وتوافر النقد الأجنبي يمثلان عنصرين مهمين في استمرار مسار تراجع التضخم، خاصة أن جزءًا من الضغوط السعرية يرتبط بتكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج.
وأوضحت شيماء وجيه، في تصريحات لـ«الدستور»، أن تحسن تدفقات النقد الأجنبي يساعد على توفير احتياجات السوق من السلع ومستلزمات الإنتاج، ويقلل الضغوط على تكلفة الاستيراد، بما يدعم استقرار الأسعار.
وأضافت أن زيادة الإنتاج المحلي تمثل حلًا أكثر استدامة لمواجهة التضخم، لأنها تقلل الاعتماد على الواردات وتدعم توافر السلع في الأسواق، مشيرة إلى أن زيادة المعروض من السلع والخدمات بالتوازي مع استقرار سعر الصرف يمكن أن تساعد في احتواء الضغوط السعرية، خاصة إذا تزامنت مع تحسن الظروف العالمية.
وأشارت إلى أن عودة سلاسل الإمداد العالمية إلى العمل بصورة طبيعية ستساعد كذلك على تخفيف الضغوط التضخمية، خاصة مع تراجع تكاليف النقل والشحن والتأمين، وهو ما ينعكس على أسعار السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج.
وأكدت أن تحسن حركة التجارة العالمية واستقرارها يمنحان الشركات والمستوردين مساحة أكبر للتخطيط، ويقللان من حالة عدم اليقين والمخاطر التي ترفع تكلفة التعاملات التجارية.
السياسة النقدية وحدها لا تكفي لمواجهة التضخم
من جانبها، قالت الدكتورة هدى الملاح، الخبيرة الاقتصادية، إن السياسة النقدية تظل إحدى الأدوات الرئيسية لمواجهة التضخم، لكنها ليست الأداة الوحيدة، موضحة أن البنك المركزي يراقب مجموعة واسعة من المؤشرات المحلية والعالمية قبل اتخاذ قراراته.
وأضافت الملاح لـ«الدستور» أن التعامل مع التضخم يحتاج إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على استقرار الأسعار ودعم النشاط الاقتصادي والاستثمار، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تسيطر على الاقتصاد العالمي.
وأوضحت أن تراجع التضخم بصورة مستدامة يتطلب تضافر السياسة النقدية مع سياسات الإنتاج والتجارة والاستثمار، إلى جانب العمل على استقرار الأسواق وزيادة المعروض من السلع والخدمات.
وأكدت أن قدرة الاقتصاد على مواجهة الضغوط التضخمية ترتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، وفي مقدمتها استقرار الأسواق العالمية وتحسن الإنتاج وانخفاض تكلفة السلع الأساسية، إلى جانب استمرار الإجراءات التي تدعم النشاط الاقتصادي وتحد من تأثير الصدمات الخارجية.
توقف الحرب أم استمرارها.. السيناريو الأكثر تأثيرًا
ويرى الخبراء أن مسار التضخم خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بتطورات المشهد الجيوسياسي العالمي، خاصة أن استمرار الحرب والتوترات يرفع حالة الضبابية بشأن أسعار الطاقة والنقل والشحن والتأمين.
وفي حال توقف الحرب وعودة الاستقرار إلى المنطقة، فمن المتوقع أن تتراجع المخاطر المرتبطة بالطاقة والشحن والتأمين، وتتحسن حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، بما يفتح المجال أمام انخفاض تدريجي في الضغوط التضخمية.
أما استمرار التوترات لفترة أطول، فقد يبقي أسعار الطاقة والنقل تحت ضغط، وهو ما قد يؤخر موجة التراجع الكبيرة في التضخم، ويجعل التوقعات بشأن الأسعار أكثر ضبابية.
وتجمع آراء الخبراء على أن روشتة خفض التضخم تبدأ من خارج الاقتصاد المصري بقدر ما تعتمد على السياسات الداخلية؛ فعودة الاستقرار للمنطقة وهدوء أسعار الطاقة وتحسن حركة التجارة، بالتوازي مع استقرار سعر الصرف وتدفقات النقد الأجنبي وزيادة الإنتاج المحلي، تمثل مجموعة العوامل الأكثر قدرة على تخفيف الضغوط السعرية وتحقيق تراجع مستدام للتضخم.




