كيف تحمي أفريقيا الفئات محدودة الدخل من المخاطر
يشكل التأمين متناهي الصغر أحد أهم أدوات الشمول المالي في القارة الأفريقية، إذ يستهدف الأسر ذات الدخل المنخفض والمشروعات الصغيرة التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد غير الرسمي. ويحول هذا النوع من التأمين المخاطر غير المتوقعة، سواء كانت صحية أو زراعية أو مناخية، إلى فرص حقيقية للاستقرار والنمو، من خلال منتجات بسيطة ومنخفضة التكلفة تغطي مجالات الحياة والصحة والزراعة والممتلكات.
بدأت ملامح هذا القطاع تتشكل في منتصف التسعينيات، مع دخول شركات التأمين الخاصة إلى السوق الأفريقي وتصميمها منتجات موجهة للفئات محدودة الدخل. ومنذ أواخر التسعينيات، اتخذ القطاع طابعًا أكثر تنظيمًا عبر شراكات بين شركات التأمين ومؤسسات التمويل الأصغر والمنظمات الدولية، ليصبح اليوم أداة تنموية أساسية في مواجهة الفقر والمخاطر المناخية والصحية التي تهدد ملايين الأسر.
السوق في أرقام
بلغ حجم سوق التأمين متناهي الصغر في أفريقيا 4.5 مليار دولار في عام 2025، وتشير التوقعات إلى ارتفاعه إلى 8.4 مليار دولار بحلول 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 7%. ويقوم هذا النمو على ثلاث ركائز: نماذج أعمال رقمية مبتكرة، وإطار تنظيمي مرن، وشراكات استراتيجية بين الحكومات والقطاع الخاص والمنظمات الدولية.
التحول الرقمي والتأمين البارامتري
يعتمد توزيع منتجات التأمين متناهي الصغر بشكل متزايد على تقنيات الهاتف المحمول، من تسجيل الأقساط إلى تسوية المطالبات، ما يقلص التكاليف التشغيلية ويوسع الوصول إلى المناطق الريفية. وبرز التأمين البارامتري كأحد أبرز الابتكارات، خاصة في الزراعة، حيث يعتمد على بيانات موضوعية مثل كمية الأمطار ودرجات الحرارة لصرف التعويضات تلقائيًا دون الحاجة لتقييم تقليدي للأضرار، وهو ما يخدم صغار المزارعين في مواجهة الجفاف والفيضانات.
تجارب الدول الأفريقية
تتصدر كينيا المشهد الإقليمي بأكثر من 50 شركة تأمين مرخصة، وتغطي منتجاتها الرقمية أكثر من 4 ملايين شخص، أغلبهم من المزارعين والعاملين في القطاع غير الرسمي، عبر خدمات مثل M-Pesa وتأمين تكاليف الجنازات والتأمين الزراعي.
أما جنوب أفريقيا فتتصدر القارة من حيث معدل الاختراق الذي وصل إلى 11.5%، مدفوعًا بشكل رئيسي بتأمين تكاليف الجنازات الذي يغطي نحو 22 مليون شخص، بفعل الارتباط الثقافي القوي بهذا النوع من التغطية.
وفي نيجيريا، نجحت شركات متخصصة مثل GOXI في تغطية أكثر من 532 ألف شخص بين عامي 2019 و2024 عبر منتجات صحية وتأمين على الحياة، مع تركيز خاص على تمكين النساء والأسر الفقيرة. بينما تعتمد غانا على دمج التأمين الزراعي مع مؤسسات التمويل الأصغر لتوسيع الوصول في الريف، فيما استفادت تنزانيا وأوغندا والسنغال من شبكات الهاتف المحمول والشراكات مع المنظمات غير الحكومية لتوطين منتجات مماثلة.
السوق المصري.. نقلة تشريعية غير مسبوقة
شهد السوق المصري خلال عام 2026 تطورًا نوعيًا في قطاع التأمين متناهي الصغر، بعد صدور قانون التأمين الموحد رقم 155 لسنة 2024، الذي أتاح لأول مرة تأسيس شركات متخصصة في هذا النشاط ككيانات مستقلة.
وترجمت الهيئة العامة للرقابة المالية هذا القانون إلى خطوات تنفيذية، أبرزها القرار رقم 319 لسنة 2025، الذي حدد ضوابط دقيقة لمزاولة النشاط، وألزم الشركات بالبت في المطالبات خلال خمسة أيام عمل، وصرف التعويضات خلال يومين فقط من الموافقة عليها. كما وسّعت الهيئة قنوات التوزيع الرقمي لتشمل البنوك والبريد المصري وشركات الاتصالات.
وفي خطوة داعمة إضافية، رفعت الهيئة الحد الأقصى للتغطية التأمينية إلى 390 ألف جنيه، بما يواكب احتياجات أصحاب المشروعات المتناهية الصغر والعاملين في القطاع غير الرسمي. كما حصلت شركات متخصصة على موافقات مبدئية لمزاولة النشاط خلال العام نفسه، في مؤشر على تصاعد المنافسة في هذا القطاع الحيوي.
ورغم هذه الخطوات، يبقى ضعف الوعي التأميني لدى الفئات المستهدفة أبرز التحديات التي تواجه انتشار هذه المنتجات على نطاق أوسع.
موقف اتحاد شركات التأمين المصرية
أشاد اتحاد شركات التأمين المصرية بالتجارب الأفريقية الرائدة في هذا المجال، مؤكدًا أهمية تعزيز التعاون الإقليمي وتبادل الخبرات لخدمة أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030. واعتبر الاتحاد التأمين متناهي الصغر أداة استراتيجية لحماية الفئات محدودة الدخل، داعيًا إلى توسيع الشراكات بين شركات التأمين ومؤسسات التمويل الأصغر والبنوك والجهات الحكومية لسد الفجوة التأمينية في مصر.



