اقتصاد جريدة الدستور

«متصدقش» وباء المعلومات

يعيش العالم اليوم تحديًا وجوديًا لا يقل خطورة عن الأزمات الاقتصادية أو الصحية، وهو وباء المعلومات المضللة، ومع اتساع رقعة الانتشار الرقمى، باتت الشائعات سلاحًا فتاكًا يستخدم لزعزعة استقرار المجتمع، وتشويه الوعى الجمعى وتصدير الإحباط بين صفوف الشباب. وفى قلب هذا المشهد المعقد، تأتى مبادرة «متصدقش» ال...

«متصدقش» وباء المعلومات
14 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

يعيش العالم اليوم تحديًا وجوديًا لا يقل خطورة عن الأزمات الاقتصادية أو الصحية، وهو وباء المعلومات المضللة، ومع اتساع رقعة الانتشار الرقمى، باتت الشائعات سلاحًا فتاكًا يستخدم لزعزعة استقرار المجتمع، وتشويه الوعى الجمعى وتصدير الإحباط بين صفوف الشباب.

وفى قلب هذا المشهد المعقد، تأتى مبادرة «متصدقش» التى أطلقها المجلس الأعلى للجامعات كخطوة استراتيجية جريئة ومهمة، لا تستهدف فقط دحض الأكاذيب، بل تسعى لإعادة بناء درع الوعى لدى عقول الوطن الشابة، ولأن الجامعات منارة للفكر، وحصن للمنهج العلمى، ومصنع للوعى الوطنى، جاءت فكرة هذه المبادرة.

إن قرار تبنى مبادرة «متصدقش» يعكس إدراكًا عميقًا بأن الجامعة ليست مجرد قاعات للمحاضرات وكتب دراسية، بل هى حاضنة للمفكرين وقادة المستقبل، وعندما تستهدف الشائعات استقرار الدولة أو تشكك فى إنجازاتها، فإن الطالب الجامعى هو المستهدف الأول، نظرًا لقدرته على التأثير فى محيطه الأسرى والاجتماعى.

ولذلك فإن تحويل الجامعات إلى مراكز لرصد وتفنيد الشائعات يجعل من كل طالب حارس بوابة يمتلك الأدوات الذهنية للتمييز بين الخبر الموثوق والمؤامرة المنسوجة بعناية. وتأتى هذه المبادرة فى توقيت بالغ الحساسية، حيث تتسم البيئة الرقمية بالسرعة الفائقة التى تسبق غالبًا ظهور الحقائق. 

فالشائعة تنتشر كالنار فى الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعى، مستغلة العاطفة والفضول، بينما تستغرق الحقيقة وقتًا لكى تتبلور.

تكتسب مبادرة «متصدقش» أهميتها من بناء المناعة الفكرية، والمبادرة لا تكتفى بتقديم نفى للشائعة، بل تقدم منهجية. إنها تعلم الطالب كيفية البحث عن المصدر، وكيفية تحليل السياق، وكيفية إدراك الأهداف الخفية وراء الترويج لمعلومة معينة. هذا هو جوهر التفكير النقدى الذى تبحث عنه النظم التعليمية الحديثة.

كما أن الشائعات اليوم هى أداة رئيسية فى حروب الجيل الرابع، التى تستهدف ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. ومن خلال مبادرة رسمية يرسل المجلس الأعلى للجامعات رسالة مفادها بأن الدولة تمتلك صوتًا واضحًا وشفافًا، وأنها لا تترك مساحة للفراغ المعلوماتى الذى تتغذى عليه الشائعات.

إن تعويد المجتمع الجامعى على كلمة «متصدقش» هو ترسيخ لقيمة أخلاقية وعلمية، فالإيمان الحقيقى بالمنهج العلمى لا يأخذ المعلومات على علاتها، بل يخضعها للبحث والتدقيق. 

فهذه المبادرة ترفع مستوى «الوعى المعلوماتى» لآلاف الشباب، ما يخلق بيئة مجتمعية أكثر حصانة ضد التلاعب، كما أن المبادرة تتجاوز كونها مجرد مركز رد، لتصبح أداة لبناء الشخصية الوطنية المتوازنة. الطالب الذى يعتاد على التحقق من الأخبار هو طالب أكثر ثقة فى بلده، وأكثر قدرة على المساهمة الإيجابية. فعندما تنحسر موجات الشائعات التى تهدف لنشر اليأس، تبرز مساحات للأمل والعمل.

وتعمل المبادرة من خلال آليات تفاعلية تستفيد من التطور التكنولوجى، حيث تعتمد على سرعة الاستجابة، واستخدام لغة العصر الرقمى وتحليل البيانات، ما يجعلها قريبة من ذائقة الشباب وبعيدة عن الأساليب التقليدية الجافة. ولا شك أن الطريق أمام «متصدقش» يتطلب استمرارية وتطورًا مستمرًا، فمروجو الشائعات لا يتوقفون عن ابتكار أساليب جديدة.

إن نجاح هذه المبادرة يعتمد على الربط بين المبادرة ومراكز الفكر والبحوث داخل الجامعات لضمان تقديم محتوى علمى رصين وموثق، وإشراك الطلاب أنفسهم كمتطوعين فى صياغة ونشر محتوى المبادرة، ليكونوا شركاء فى المواجهة لا مجرد متلقين لها، والسرعة هى العملة الصعبة فى عالم الأخبار. لذلك يجب أن تظل المبادرة فى سباق دائم مع الزمن للرد قبل أن تستقر الشائعة فى الأذهان. 

كما أن إطلاق المجلس الأعلى للجامعات مبادرة «متصدقش» ليس مجرد إجراء إدارى أو إعلامى، بل هو استثمار فى أمن مصر القومى الفكرى. إننا نواجه محاولات مستمرة لاختطاف العقول، والرد الوحيد على ذلك هو «الوعى». وهذه المبادرة تمنح الشباب بوصلة وسط بحر متلاطم من الأخبار المزيفة، وعندما يتبنى طالب العلم شعار «متصدقش» قبل أن يتبين، فإنه يحمى نفسه، ويحمى أسرته ويحمى استقرار وطنه. 

إنها دعوة للتبصر، ونداء لكل عقل حر لكى يتمسك بالحقيقة، لأن الحقيقة هى السلاح الأقوى، وهى الباقية فى وجه عواصف التزييف.

مقالات ذات صلة