دعيت إلى حفل ختام الموسم الصيفى لمدارس ليسيه الهرم، وكنت أظن أننى ذاهب إلى حفل مدرسى تقليدى، ينتهى بمجموعة من الفقرات التى يقدمها الطلاب ثم ينصرف الجميع، لكن ما شاهدته كان مختلفًا، فقد كان حفلًا بإمكانياته وتنظيمه وفقراته والمواهب المشاركة فيه، يمكن أن يقارن بحفلات كبرى تقام على مسارح دار الأوبرا، بل إن بعض فقراته أعادت إلى الذاكرة حفلات فرقة رضا وما كانت تقدمه من عروض فنية راقية تجمع بين الموسيقى والرقص والاستعراض والهوية المصرية.
أكثر من ثلاثين عرضًا شارك فيها طلاب وطالبات من مختلف المراحل العمرية والتعليمية، فى تنوع لافت بين العزف الحر، والرقصات الشعبية، والأغانى الوطنية، والأعمال التى تمثل أجيالًا مختلفة من المصريين، من أم كلثوم وعبدالحليم حافظ، وصولًا إلى أحمد سعد بأغانيه الخفيفة، ومن الأغانى الشبابية إلى أغانى الفلاحين والصعايدة، حتى الثقافات الأخرى عرجت إليها فقرات الحفل بالتعريف بالثقافه الإسبانبة وبعض الثقافات الأوروبية، فى حالة فنية وإنسانية شديدة الذكاء، نجحت فى أن تربط أبناءنا بتاريخ بلدهم وثقافتهم وجذورهم وتعرفهم بثقافات أخرى ذات صلة بالثقافة العربية، دون أن تعزلهم عن حاضرهم أو عن الموسيقى التى يسمعونها اليوم.
كان المشهد فى حقيقته أكبر من مجرد حفل مدرسى، فقد كان مشهدًا لمصر وهى تحاول أن تقدم لأبنائها تعليمًا وثقافة وهوية فى وقت واحد.
ومدارس الليسيه هى واحدة من أبرز فروع المدارس القومية التابعة لوزارة التربية والتعليم، أو ما يمكن وصفه بالتعليم الخاص الحكومى، وهى بالنسبة إلى قطاع واسع من الأسر المصرية متوسطة الدخل، واحدة من أفضل البدائل المتاحة أمام من يريدون لأبنائهم تعليمًا جيدًا، ولا يستطيعون فى الوقت نفسه تحمل التكلفة المرتفعة للمدارس الخاصة والدولية.
وتنتمى مدارس الليسيه، إلى جانب مدارس القوميات الأخرى مثل مدارس النصر وأسماء فهمى والأورمان وغيرها، إلى منظومة التعليم القومى للغات، التى تقدم مناهج تعليمية أفضل وأكثر ارتباطا بمتطلبات العصر والتكنولوجيا وسوق العمل، مقارنة بمستويات عديدة من التعليم الحكومى العربى أو حتى بعض مدارس التعليم التجريبى.
ولهذا السبب تحديدًا، أصبحت هذه المدارس هدفا لقطاع واسع من الطبقة الوسطى المصرية. فالأسرة التى لا تستطيع دفع عشرات أو مئات الآلاف سنويًا فى المدارس الدولية والخاصة، لكنها فى الوقت نفسه لا تريد أن تترك أبناءها لمستوى تعليمى لا يضمن لهم المنافسة فى المستقبل، تجد فى مدارس القوميات حلًا وسطًا، من تعليم جيد، ومناهج لغات، وبيئة تعليمية أفضل، وتكلفة كانت لسنوات طويلة فى متناول الطبقة المتوسطة.
لكن المشكلة أن هذا الحل الوسط بدأ يبتعد تدريجيًا عن الطبقة التى نشأ من أجلها. فالكثير من أولياء الأمور الذين التقيتهم خلال الحفل من أصحاب المؤهلات العليا، وهو أحد شروط القبول فى هذه المدارس، وينتمون إلى شرائح مهنية متنوعة، من أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين إلى الموظفين وأصحاب الأعمال المتوسطة، فهم أسر مصرية تنتمى بوضوح إلى الطبقة الوسطى. والشكوى التى تكررت بينهم كانت واحدة: الارتفاع المستمر فى تكلفة التعليم.
العام الدراسى الذى بدأ منذ سنوات قليلة فى حدود التسعة آلاف جنيه تقريبًا، اقترب الآن من خمسة وعشرين ألف جنيه، وهذا الفارق يعتبر عبئًا عندما يكون لدى الأسرة طفلان أو ثلاثة، بل أربعة أبناء فى بعض الحالات.
فالفارق بين تسعة آلاف وخمسة وعشرين ألفًا لا يعنى زيادة ثلاثة أضعاف فى مصروفات طفل واحد فقط، وإنما يعنى أن الأسرة التى لديها ثلاثة أبناء أصبحت مطالبة بتدبير عشرات الآلاف من الجنيهات الإضافية سنويًا، فى الوقت الذى لم ترتفع فيه دخولها بالنسبة نفسها.
بل إن بعض أولياء الأمور تحدثوا عن أعباء أخرى تزيد من ضغوطهم، من بينها رفع أسماء أسرهم من بطاقات التموين باعتبار أن أبناءهم ملتحقون بمدارس خاصة، وهو تصنيف لا يبدو منطقيًا بالنسبة إلى كثير من أسر المدارس القومية، التى لا تنتمى إلى الطبقات القادرة على تحمل نفقات التعليم الخاص مرتفع التكلفة.
هذه الأسر تعتمد على كل ما يمكن أن يساعدها فى إدارة حياتها اليومية، بما فى ذلك الخبز المدعم، والزيت والسكر والأرز، وغيرها من الاحتياجات التى قد تبدو بسيطة فى الحسابات الحكومية، لكنها بالنسبة إلى أسرة لديها طفلان أو ثلاثة فى مراحل التعليم المختلفة، تمثل جزءًا من معادلة البقاء الشهرية.
والحقيقة أن مشاهدة هذا الحفل بكل ما تضمنه من فقرات، وملابس استعراضية، وتدريبات، وتجهيزات، وتكاليف تحملتها الأسر والمدرسة، تطرح سؤالًا أكبر بكثير من سؤال مصروفات مدرسة، إنها تطرح سؤال الطبقة الوسطى فى مصر.
هذه الطبقة التى لا تظهر كثيرًا فى البيانات الرسمية، ولا تملك عادة القدرة على فرض مطالبها، ولا تمتلك رفاهية الطبقات العليا، ولا تعانى فى الوقت نفسه من مشكلات الفقر المدقع، الطبقة الوسطى هى صمام أمان المجتمع.
هى التى تكافح من أجل تعليم أبنائها، وتسعى إلى توفير حياة أفضل لهم، وتدفعهم إلى النجاح والعمل، وتؤمن بأن التعليم هو الطريق الأكثر أمانًا للصعود الاجتماعى.
وهى كذلك الطبقة التى تحمل الجزء الأكبر من التوازن الأخلاقى والمعرفى والاجتماعى فى البلاد.
الاهم أن الدولة لا تحتاج بالضرورة إلى أن تقدم دعمًا مباشرًا للطبقة الوسطى، بقدر ما تحتاج إلى أن تتوقف عن تحميلها أعباء جديدة لا تستطيع تحملها.
فإذا كان دخل الأسرة قد زاد ألف جنيه تقريبًا نتيجة رفع الحد الأدنى للأجور من سبعة إلى ثمانية آلاف جنيه خلال هذا العام، فإن تكلفة تعليم أحد ألابناء فى مدارس القوميات قد زادت بنحو عشرة آلاف جنيه خلال الفترة نفسها، فكيف يمكن لهذه الأسرة أن تحقق التوازن؟ ومن أين تأتى بالفارق؟
السؤال ليس ضد رفع أجور العاملين، ولا ضد تطوير التعليم، ولا ضد حصول المدارس على الموارد اللازمة لتقديم خدمة تعليمية جيدة، لكن المشكلة فى الفجوة المتزايدة بين دخول الأسر وتكاليف الحياة.
فالأسرة التى تضم ثلاثة أبناء فى مدارس القوميات لا تواجه زيادة واحدة فى المصروفات، وإنما تواجه ثلاث زيادات فى وقت واحد.
ثم تأتى تكاليف الملابس، والكتب، والمواصلات، والدروس، والأنشطة، والطعام، والعلاج، وبقية الالتزامات اليومية.
فى النهاية تجد الأسرة نفسها أمام معادلة قاسية: إما أن تستمر فى تعليم جيد، وتتنازل عن احتياجات أخرى، أو تنقل أبناءها إلى مستوى تعليمى أقل، ليس لأنها لا تؤمن بأهمية التعليم، وإنما لأنها لم تعد قادرة على دفع تكلفته.
أن الطبقة الوسطى المصرية لا تطلب أن تحصل على كل شىء مجانًا، ولا تنتظر أن تتحمل الدولة مسئولياتها كاملة، هى فقط تريد أن تستطيع الاستمرار، تريد أن تظل قادرة على تعليم أبنائها، وعلاجهم، وإطعامهم، وتوفير حياة كريمة لهم.
تريد قوانين وقرارات تراعى ظروفها، لا أن تعاقبها لأنها حاولت أن توفر لأبنائها تعليمًا أفضل، تريد أن تظل واقفة فى مكانها، حتى لا تنزلق إلى أسفل، وحتى لا يصبح الصعود إلى أعلى حكرًا على من يملكون المال فقط.




