أكتب هذا المقال بعد أن شاهدت مباراة نهائى كأس العالم بين إسبانيا والأرجنتين مباشرة. فرحت لفوز الإسبان المستحق، وفرحت أكثر بهزيمة منتخب الأرجنتين؛ بدوافع تختلط فيها السياسة بالرياضة، تلقى منتخب الأرجنتين الكثير من المجاملات طوال مباريات البطولة، خاصة خلال المباراة التى جمعته مع منتخبنا الوطنى. كما أن مواقف الرئيس الأرجنتينى وحكومته مخزية ومنحازة لإسرائيل بشكل فج وصريح. حتى اللاعب الموهوب ليونيل ميسى، فإنه فقد جزءًا كبيرًا من شعبيته هنا لنفس الدوافع.
فى المقابل فإن الحكومة الإسبانية ورئيسها بيدرو سانشيز لهما مواقف مشرفة تجاه محنة الشعب الفلسطينى، خاصة خلال حرب إسرائيل على قطاع غزة.. وحصارها الممتد، ولهما مواقف مستقلة وجريئة من الولايات المتحدة ومن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تحديدًا.
أما الملك الإسبانى فيليب السادس فهو محب لمصر وللمصريين، عاشق لتاريخنا وآثارنا، وداعم للمواقف السياسية المصرية.
أعتقد أن جميع المصريين، إلا نسبة محدودة جدًا، شجعوا إسبانيا فى مباراة النهائى.
هناك دروس كثيرة خرجنا بها من كأس العالم، أبرزها زيادة مستوى الطموح عند المصريين فى المباريات الدولية المقبلة للمنتخب القومى، سواء على مستوى قارة إفريقيا أو فى كأس العالم. الأداء الرائع والرجولى والنتائج الإيجابية فى المباريات الخمس التى أوصلتنا لدور الـ١٦، كانت هى الحافز وراء هذه الحالة.
الدرس الثانى يتمثل فى ضرورة التخطيط الجيد والعلمى للرياضة فى مصر بشكل عام، وفى قلبها كرة القدم.
نتمنى أن يتحول مشروع الكشافين المتجردين، الذى تم الترويج له عقب استقبال الرئيس للمنتخب وتكريمهم، إلى برنامج تنفيذى شامل، على شاكلة ما يحدث فى الدول المتقدمة رياضيًا فى أوروبا وأمريكا الجنوبية، أو حتى فى المغرب والسنغال. أخشى أن يكون ميلاد المشروع جاء نتيجة التفاعل مع الحماس الرئاسى.. ثم ينطفئ هذا الحماس بالتدريج.
أعجبنى عدد من العناوين الرئيسية فى المشروع، سأحاول تلخيصها هنا: سيكون هناك شبكة وطنية من الكشافين تغطى جميع محافظات الجمهورية، شبكة تعمل وفق معايير فنية موحدة، مع تدريب وتأهيل الكشافين أنفسهم، ووضع نظام لاعتمادهم وتقييم أدائهم بشكل دورى، مع منح حوافز ومكافآت للكشافين الذين يكتشفون مواهب تنجح فى الوصول إلى الأندية والمنتخبات، وتوسيع دائرة البحث لتشمل المدارس، ومراكز الشباب، والأندية، والقرى والنجوع، وليس الاقتصار على الأندية الكبرى، إنشاء قاعدة بيانات وطنية للمواهب الواعدة، لمتابعة تطورها على مدار السنوات، ربط المشروع بخطة طويلة المدى تمتد حتى ٢٠٣٨ لإعداد أجيال جديدة من اللاعبين القادرين على المنافسة عالميًا.
الأندية الشعبية الكبرى لدينا، وعلى مدار عقود طويلة، قامت على أكتاف الكشافين المتطوعين المخلصين لأنديتهم. غالبية المواهب الكروية المعروفة والشهيرة لدينا جاءت من ملاعب القرى والحارات والساحات الشعبية. من أوصلهم للدورى الممتاز هم هؤلاء الكشافون المتطوعون. نتمنى أن تعمل هذه المنظومة بكفاءة وعدالة.. وألا تتحيز لأحد.
ومن ضمن الدروس المستفادة من كأس العالم هو تغييب الفروق بين الأعراق والألوان والديانات فى كل المنتخبات الدولية تقريبًا. لا فرق بين أبيض وأسود، أو بين ابن مهاجر إفريقى أو عربى، وابن البلد الأصلى.
كلهم سواسية بالتشكيل الأساسى فى المباريات، الفيصل بين الجميع، هو المهارة والجدية والطموح للعب.. والحرص على الفوز، ويبقى التساؤل المهم: أين نحن من هذه الحالة، هل هناك فرص حقيقية لأبناء الأجانب أو المهاجرين لدينا، إذا استقروا وحصلوا على الجنسية المصرية، للعب فى المنتخب إذا أجادوا؟ وقبل ذلك، هل للاعبين المسيحيين المصريين فرصة للعب فى الأندية على جميع المستويات والدرجات وصولًا للدورى الممتاز ثم المنتخب؟ إن الرسالة التى أعلنها الرئيس، خلال تكريم المنتخب فى مدينة العلمين الجديدة، كانت تركز على أن الفرصة متاحة لكل موهوب.. وأن يكون معيار الاختيار هو الكفاءة فقط.
فى تحليلى لهذا الدعوة أنه ينبغى تعميم الأمر لمستوى آخر أكثر عمقًا وتأثيرًا، بحيث يمضى بالتوازى مع «الكشافين المتجردين». وأقصد بذلك متابعة ومراقبة أداء المدربين المتهمين بالتعصب، الرافضين لوجود لاعبين مسيحيين فى فرقهم، بل وفتح تحقيقات جدية من الجهات المسئولة عن الرياضة وعن كرة القدم تحديدًا فى هذه الشكاوى، ومتابعة النزاهة والتنافسية على كل المستويات. هناك أيضًا اتهامات بالمجاملات أو المساومات المالية، مقابل اللعب.
لم أعثر على إحصاءات رسمية، أو غير رسمية، تُسجل ديانة اللاعبين فى درجات الدوريات المختلفة. لكن هناك تصريحات متواترة لأولياء أمور ومدربين ولاعبين أقباط تتحدث عن تجارب تمييز، أو مواقف سلبية مارسها بعض المديرين الفنيين والمدربين فى أوقات سابقة.
نتائجنا فى كأس العالم، والروح الإيجابية فى التلاحم بين الأعراق فى الملاعب والمدرجات، وفى غالبية المنتخبات، تحتم علينا أن نهتم بالتخطيط العلمى والعادل للمنافسات المقبلة.



