سياسة جريدة الجمهورية

إرادة وطـن.. وبصـيرة قيـادة

ما يميز الأوطان عبر التاريخ هو ما تمتلكه من إرادة فالثروات قد تضيع والإمكانات قد تتراجع، والقدرات قد تضعف لكن تبقى الإرادة الحقيقية هي القادرة دائما على تحقيق الاختلاف صناعة المستقبل وإحداث الفارق بين وطن وآخر الإرادة لا تنفصل عن السيادة، ولا تولد إلا من دولة تعرف قيمة تاريخها، وتدرك مسئوليتها، وتؤم...

إرادة وطـن.. وبصـيرة قيـادة
4 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

ما يميز الأوطان عبر التاريخ هو ما تمتلكه من إرادة فالثروات قد تضيع والإمكانات قد تتراجع، والقدرات قد تضعف لكن تبقى الإرادة الحقيقية هي القادرة دائما على تحقيق الاختلاف صناعة المستقبل وإحداث الفارق بين وطن وآخر الإرادة لا تنفصل عن السيادة، ولا تولد إلا من دولة تعرف قيمة تاريخها، وتدرك مسئوليتها، وتؤمن بأن دورها أن تكون فاعلة لا تابعة مؤثرة لا متأثرة.

هكذا كانت مصر عبر الاف السنين حضارة صنعت التاريخ ولم تنتظر أن يصنعه الآخرون، ودولة كلما واجهت التحديات أعادت اكتشاف قوتها وانطلقت من وإلى شعبها القوى المتماسك لتبدأ من جديد.

إرادة مصر ستظل دائما فعلا فارقا يصنع الواقع… إرادة عنوانها الوطنية، وغايتها المواطن، وعقيدتها الإخلاص لتراب هذا الوطن… إرادة تحمى ولا تعتدى تبنى ولا تهدم وتصون الدولة ولا تسمح بالعبث بمؤسساتها، أو الاقتراب منها أو تهديد شعبها أو مقدراته. ومن بين أبرز محطات هذه الإرادة الوطنية جاءت ثورة 23 يوليو 1952، التي عبرت بكل المعاني عن إرادة الوطن بتاريخه ومكوناته وموروثاته.. أدهشت يوليو العالم لأن المعتقد العام كان أن شعبا عاش دهرا تحت شكل معين من الاستعمار ونهب الثروات وفرض الأمر الواقع لن يكون له رد فعل مغير للأحوال، ولن ينتفض ليستقل.. لكن إرادة الوطن اثبتت أن مصر لها من يحميها وينقذها وإن كان الشعب قد تألم حتى لم يستطع الانتفاض فإن جيشه جزء منه يدافع عنه بدرع وسيف وفكر وتخطيط. فكانت ثورة يوليو حركة ضباط مباركة التف حولها الشعب لأنها فعلت ما انتظروه طويلا.

أعلنت، يوليو بإرادة الوطن عن ميلاد مرحلة جديدة استعادت فيها الدولة المصرية قرارها الوطني، وبدأت رحلة بناء جمهورية مختلفة تقوم على الاستقلال الوطني العدالة الاجتماعية كانت الثورة تعبيرا عن رفض واقع لم يعد مقبولا، وإيمانا بأن مصر تستحق مكانة أكبر من تلك التي فرضتها عليها ظروف الاحتلال والنفوذ الأجنبي.

أعادت يوليو للمصريين شعورهم بأن الدولة قادرة على الفعل، وأن القرار يجب أن يصنع في القاهرة لا خارجها.. جاءت معركة الجلاء وتأميم قناة السويس، والصمود في مواجهة العدوان الثلاثي، لتؤكد أن الإرادة عندما تتسلح بالشعب تصبح أقوى من كل الضغوط. لم يكن الطريق سهلا، ولم تكن التحديات قليلة، لكن الفكرة التي انتصرت آنذاك كانت واضحة لا نهضة بلا استقلال، ولا استقلال بلا إرادة وطنية تعرف ماذا تريد.

وعلى امتداد العقود التالية للثورة مرت مصر بمحطات نجاح وأخرى صعبة، تغيرت فيها الظروف، وتبدلت التحديات، لكن بقيت الحقيقة نفسها: أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تمتلكه من موارد، وإنما بقدرتها على حماية هويتها والحفاظ على مؤسساتها.

وعندما تعرضت الدولة المصرية في السنوات التي سبقت الثلاثين من يونيو المحاولة اختطاف غير مسبوقة جماعة إرهابية اعتقدت أن بمقدورها السيطرة وطمس هوية الدولة، كان الخطر موجها إلى فكرة الدولة الوطنية نفسها، وإلى الشخصية المصرية التي تشكلت عبر آلاف السنين.

وهنا تجلت الإرادة المصرية مرة أخرى تجسدت وحدة المعنى بين ثورتي يوليو ويونيو… فلكل منهما ظروفها المختلفة، لكنهما التقتا عند المحرك الأكبر الإرادة الوطنية.

إذا كانت يوليو قد حررت القرار المصرى من الهيمنة الخارجية فإن يونيو أعادت إنقاذ الدولة من مشروع دولي تنفذه جماعة خائنة كان يستهدف هويتها ومؤسساتها ووحدة شعبها.. في الحالتين كان الشعب هو البطل، وكانت القوات المسلحة منحازة لإرادته، حامية له، ومدافعة عن بقاء الدولة لا عن مصالح فئة أو جماعة.

ولذلك كما كانت يوليو، كانت ، يونيو لحظة فارقة أعادت التأكيد أن المصريين وحدهم أصحاب القرار في وطنهم، وأن الدولة المصرية أكبر من أي تنظيم، وأبقى من أى جماعة، وأن الشرعية الحقيقية تبدأ من إرادة الشعب وتنتهى عند حماية الوطن.

ومن هذه اللحظة بالإرادة نفسها بدأت مرحلة جديدة عنوانها البناء. وانتقلت إلى معركة التنمية والإصلاح وتدشين الجمهورية الجديدة. في الثورتين هناك قيادة استطاعت أن تستوعب هذه الإرادة وتعمل في ضوئها ومن أجلها ويلتف حولها الشعب ثقة في وطنيتها وقدرتها على قيادة مصر ومواجهة التحديات.

أحد عناصر عبقرية القيادة في الثورتين كانت الرؤية والبصيرة بمعنى القدرة على قراءة الواقع والظروف من أجل استشراف المستقبل، فتتابع الأحداث منذ نكبة 48 وصولا إلى حريق القاهرة الثاني مرورا بطبيعة قرارات الاحتلال الإنجليزي وقتها وتفشى الكيان الإسرائيلي والسيطرة على الشرق الأوسط وإفريقيا الصالح الدول العظمى، كل هذا كان يؤكد أن تأخر الزعيم جمال عبد الناصر يوما واحدا، كان يعنى تراجع مصير مصر بل شعوب العالم الثالث كله قرنا، والأحداث بعد الثورة كشفت ذلك..

الأمر ذاته مع ثورة يونيو لو أن القائد الرئيس عبد الفتاح السيسي قد تأخر يوما واحدا عن الانحياز لإرادة الشعب المصري في يونيو وحمايته من ارهاب الجماعة الخائنة لتراجعت الدولة المصرية قرونا في ظل التحديات على كل الحدود والمخططات التدميرية للداخل وتفشى الإرهاب وتهديد السلام الاجتماعي والبناء الوطنى وانهيار الخدمات وشلل الاقتصاد وركود الدولة، بل لتم تدمير المنطقة كلها بالكامل وفق مخطط الشرق الأوسط الجديد الذي كان يجهز مخططه لتنفيذه.

إن المتأمل في التاريخ يدرك أن الأمم العظيمة لا تصنعها الصدف، وإنما تصنعها الإرادة.. و يوليو كانت إرادة للتحرر وبناء الدولة الوطنية، ويونيو، كانت إرادة للحفاظ على هذه الدولة وهويتها واستكمال مسيرتها.. وبين المحطتين خيط واحد لم ينقطع، هو ايمان المصريين بأن وطنهم يستحق أن يبقى قويا مستقلا. وقادرا على مواجهة التحديات مهما تعاظمت.. وأن جيشه جزء منه يتقائي من أجل تحقيق إرادته جيش باسل أبي لوطنه أن يرتضى بالخلود بديلا.

مقالات ذات صلة