سياسة جريدة الدستور

فورين بوليسي: خطاب كارتر "المنبوذ تاريخيًا" يملك مفتاح حل الأزمات الأمريكية الراهنة

استعادت مجلة فورين بوليسي الأمريكية خطاب الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، الذي ألقاه في صيف عام 1979، واصفة إياه بأنه أحد أكثر الخطابات

فورين بوليسي: خطاب كارتر "المنبوذ تاريخيًا" يملك مفتاح حل الأزمات الأمريكية الراهنة
26 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

استعادت مجلة فورين بوليسي الأمريكية خطاب الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، الذي ألقاه في صيف عام 1979، واصفة إياه بأنه أحد أكثر الخطابات تعرضًا لسوء الفهم في التاريخ السياسي الحديث، رغم أنه يمثل اليوم وثيقة بالغة الأهمية لتشخيص الأزمات البنيوية والاجتماعية التي تعصف بالولايات المتحدة.

وفي قراءة تحليلية للمقال الذي سطره الأستاذ بجامعة برينستون، جوليان زيليزر، سلطت المجلة الضوء على حالة الإحباط العميق التي يعيشها الشارع الأمريكي في الوقت الراهن حيث بات ملايين المواطنين يشككون في مستقبل بلادهم، ويفقدون الثقة في النوايا السياسية للطرف الآخر، فضلًا عن تنامي الشكوك حول نزاهة النظام الانتخابي ومصداقية وسائل الإعلام، وصولًا إلى التساؤل عما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال ديمقراطية كاملة الأركان.

 استغلال الانقسام وتعميق الأزمة

وقالت المجلة إن المشهد السياسي الحالي يشهد توظيفًا مستمرًا لهذا الاستياء الشعبي من قبل قادة سياسيين، وعلى رأسهم الرئيس دونالد ترامب، الذي لم يعمل على تهدئة أجواء عدم الثقة، بل استغل الإحباط العام لتعزيز قاعدته السياسية وإضعاف المؤسسات التي تقف في طريقه. 

وأضافت أن هذا النهج أسفر عن خلق بيئة متقلبة ومسمومة تغذي قوى الغوغائية وتعمق الانقسام الثقافي والمجتمعي.

أوضحت المجلة أن ما يحتاجه الأمريكيون اليوم يتجاوز مجرد المعارك الحزبية التقليدية؛ إذ تتطلب المرحلة حوارًا وطنيًا عميقًا يعالج التغييرات المدنية المطلوبة للمضي قدمًا، وهو الحوار الذي كان الرئيس جيمي كارتر شجاعًا بما يكفي لفتحه في يوليو من عام 1979.

كواليس "أزمة الثقة" عام 1979

وأشارت "فورين بوليسي" إلى أن كارتر تولى الرئاسة في حقبة اتسمت بالاضطراب الشديد، عقب الانقسامات العرقية وحرب فيتنام في الستينيات، وصدمة فضيحة "واترغيت" التي أطاحت بريتشارد نيكسون، تزامنًا مع اندلاع الثورة الإيرانية وتصاعد المخاوف من المواجهة النووية وأزمة النفط الثانية.

ونوهت إلى أن كارتر قرر حينها إلغاء خطاب كان مقررًا في ذكرى الاستقلال، واعتكف لمدة 10 أيام في منتجع "كامب ديفيد" للقاء عينات عشوائية من المجتمع الأمريكي، شملت قادة دينيين، وعلماء اجتماع، وعائلات من الطبقة العاملة، للاستماع إلى انتقاداتهم المباشرة والإدارة الصريحة لدفة الحكم.

عبادة الاستهلاك وفجوة الحكم

واستطردت المجلة مؤكدة أن كارتر، ورغم تحذيرات مستشاريه المقربين من عواقب إلقاء خطاب "شديد الصراحة" أمام 65 مليون مشاهد في وقت تقترب فيه حملة إعادة انتخابه، أصر على وضع إصبعه على الجرح. حيث ركز على ما أسماه "أزمة الثقة" التي تضرب روح الإرادة الوطنية وتعيق الإيمان بالمستقبل.

وشرحت المجلة التشخيص الذي قدمه كارتر لعلل أمريكا آنذاك، حيث انتقد بشدة تحول المجتمع نحو "ثقافة الاستهلاك المفرط" و"تأليه الماديات"، معتبرًا أن تكديس السلع لا يمكنه ملء الفراغ الروحي لأمة فقدت بوصلتها. ولفتت التقرير إلى أن كارتر ربط هذا التآكل النفسي بفقدان الهيبة السياسية للمؤسسات بعد اغتيال قادة كبار مثل جون كينيدي ومارتن لوثر كينغ، وانكسار أسطورة الجيش الذي لا يقهر في فيتنام.

كما أفادت المجلة بأن الفجوة بين المواطن والحكومة الفيدرالية بلغت في ذلك الوقت مدى غير مسبوق، حيث بدا الكونجرس مشلولًا وخاضعًا لجماعات المصالح واللوبيات الممولة؛ ما جعل النظام السياسي عاجزًا عن فرض تضحيات مشتركة، ومستسلمًا للمواقف المتطرفة.

تداعيات سياسية ودروس مستفادة

وذكرت المجلة أن رد الفعل الأولي للجمهور كان إيجابيًا، وارتفعت أسهم كارتر في استطلاعات الرأي، إلا أن هذا الارتياح تبخر سريعًا بعد أن قبل كارتر استقالة خمسة من وزرائه ومستشاريه؛ ما أعطى انطباعًا بفقدانه السيطرة وعزز الشعور بالانفلات الوطني.

وتحول الخطاب في أدبيات التاريخ السياسي إلى رمز لـ"الفشل" الإداري وكيل الاتهامات للشعب دون تحمل المسؤولية، رغم أن كارتر لم يستخدم مطلقًا مصطلح "الوعكة النفسية" الذي التصق بالخطاب تاريخيًا.

وفي ختام تحليلها، أكدت فورين بوليسي أن إعادة قراءة الخطاب اليوم تكشف عن حقائق حيوية ما زالت تلائم الواقع الأمريكي. فالمشاكل التي حددها كارتر قبل عقود لا تزال قائمة، بل وتفاقمت بسبب تخلي الحزب الجمهوري الحالي والرئيس ترامب عن الضوابط والمصدات السياسية التي كانت تخفف من حدة التنافس الحزبي.

وشددت المجلة على أن المخرج الوحيد نحو المستقبل، كما رآه كارتر، لا يأتي من البيت الأبيض بل من "كل بيت في أمريكا"، عبر استعادة قيم التضحية، والفضيلة، والمصلحة المشتركة، وبناء المجتمعات المحلية من القاعدة إلى القمة.

وخلصت إلى أن بعض الخطابات التي تصنف تاريخيًا كإخفاقات سياسية، قد تحمل في طياتها أعمق الحقائق الإنسانية والسياسية التي يتوجب الالتفات إليها لحل أزمة الثقة التي لا تزال تطارد أمريكا.

مقالات ذات صلة