أثارت تصريحات وزير التربية والتعليم حول مسؤولية المحافظين عن متابعة تنفيذ الصيانات البسيطة وتجهيز المدارس- عقب واقعة جولة محافظ القليوبية- تساؤلات جوهرية في منظومتنا التعليمية: كيف نمول احتياجات مدارسنا؟ ومن يحدد الأولويات؟ وهل ما نخصصه يكفي فعلاً؟
هنا تتحدث لغة الأرقام؛ فنحن أمام أكبر منظومة تعليمية في الشرق الأوسط، تضم نحو 62 ألف مدرسة و26 مليون طالب وطالبة، من بينها 49 ألف مدرسة حكومية ورسمية لغات تتحمل الدولة مسؤوليتها الكاملة.
وفي العام المالي 2026/2027، أقرت الحكومة زيادة موازنة التعليم قبل الجامعي إلى نحو 267 مليار جنيه، مقابل 224.4 مليار جنيه في العام السابق، بزيادة تقارب 19%. زيادة كبيرة في ظاهرها، لكنها عندما تُوضع أمام حجم المنظومة الفعلي، تبدو الصورة مختلفة تماماً.
تظهر المفاجأة الحقيقية عند اقترابنا من ملف الصيانة المدرسية البسيطة. إجمالي ما يخصص لهيئة الأبنية التعليمية ومديريات التعليم بالمحافظات لهذا البند يبلغ نحو 777 مليون جنيه. وبقسمة هذا المبلغ على 49 ألف مدرسة، نكتشف أن نصيب المدرسة الواحدة لا يتجاوز 15.8 ألف جنيه سنوياً، أي حوالي 1300 جنيه شهرياً!
مدرسة تضم مئات المقاعد، وفصولاً، ودورات مياه، وأبواباً، ونوافذ، وشبكات كهرباء وسباكة، كيف لمبلغ كهذا أن يغطي احتياجاتها الأساسية؟
إننا مطالبون بالبحث عن مدخل حقيقي لحلول خارج الصندوق، بدلاً من انتظار تفاقم المشكلات ثم البحث عن مصادر تمويل استثنائية. تحتاج الوزارة والمحافظون والمجتمع المحلي إلى معرفة مسبقة باحتياجات كل مدرسة، وهذا لن يتحقق إلا بقرارات جريئة تعتمد “اللامركزية المالية”، وتخصص “موازنة مستقلة ” وفقاً لعدد الطلاب والفصول والمباني .. علي أن تدير الإدارة المدرسية هذه الموارد، تحت رقابة الإدارة التعليمية ومجالس الأمناء والأجهزة المختصة، ليكون الحساب دقيقاً عن كل جنيه. وبذلك لا تكون الإدارة المدرسية مسؤولة عن الانضباط والتعليم فحسب، بل عن إدارة احتياجاتها في إطار مالي محدد وواضح.
الفكرة ليست جديدة تماماً داخل وزارة التربية و التعليم .. فقد سمعتها بنفسي منذ سنوات من أحد أبرز قيادات الوزارة، خلال عهد وزير سابق، باعتبارها إحدى الأفكار المستهدفة لتطوير إدارة المدارس وتحديد احتياجاتها، لكنها تراجعت واختفت مع رحيل تلك القيادة وتغيير الوزير.
قد يكون تخصيص موازنة مستقلة لكل مدرسة بداية مهمة.. ليس فقط لعلاج مشكلة الصيانات البسيطة ، وإنما لبناء نموذج جديد وناجح.. يجعل احتياجات المدرسة هي نقطة البداية في توزيع الموارد، وليس مجرد بند داخل موازنة ضخمة.
في المقالات القادمة نواصل البحث عن أفكار عملية وغير تقليدية يمكن أن تساعد في تطوير منظومتنا التعليمية، و تلبية اختياجات مدارسنا الحكومية، والأهم.. عدم تحميل الاسر المصرية بنود فاتورة جديدة علي كاهلها.


