عام مصراوي

11 سبتمبر.. حين صار الدم رواية

11 سبتمبر.. حين صار الدم رواية

11 سبتمبر.. حين صار الدم رواية
1 مشاهدة

اقرأ من المصدر

مصراوي

زيارة المصدر

في صباحٍ غارقٍ في الدخان والذهول، لم يسقط برجا مركز التجارة العالمي وحدهما؛ سقطت معهما كثير من التصورات التي حكمت العالم بعد الحرب الباردة. كان الحادي عشر من سبتمبر 2001 لحظةً فاصلة، دخل بعدها العالم عصرًا جديدًا لا تحكمه القوانين وحدها، بل تحكمه الصورة أيضًا. صار الدم لغةً للسياسة، وصارت الكاميرا أداةً للحكم والاتهام معًا، وبين من يملك القوة ومن يملك القدرة على صناعة الرواية، بدأت ملامح نظام عالمي جديد تتشكل تحت شعار أميركي صار عنوانًا لمرحلة كاملة: «من ليس معنا فهو ضدنا».
لكن يا صديقي القارئ، هل كانت هجمات 11 سبتمبر مجرد هجوم إرهابي غيّر مسار التاريخ؟ أم أن المأساة تحولت بعد ذلك إلى فرصة لإعادة ترتيب العالم وفق ميزان جديد للقوة؟ في العمق، لم يكن الحادي عشر من سبتمبر مجرد يوم دموي، بل كان نقطة انطلاق لإعادة تعريف مفاهيم الأمن والعدو والخطر. استغلت واشنطن الصدمة لتوسيع الحرب على الإرهاب، فظهرت قوانين أمنية جديدة، وتبدلت خرائط النفوذ، واتسعت مساحة المراقبة والتجسس وانتهاك الخصوصية تحت عنوان واحد: «الأمن القومي». وهكذا لم يعد الخوف مجرد شعور يعيشه الناس، بل تحول إلى أداة سياسية امتدت آثارها إلى ما وراء حدود الولايات المتحدة.
ومن هنا جاءت أفغانستان ثم العراق، لتكشفا الوجه الأكثر قسوة لهذا النظام. رُفعت شعارات الحرية والعدالة، بينما كانت الطائرات تقصف والمدن تتهاوى، وأصبح رفض الاصطفاف خلف واشنطن كافيًا، في أحيان كثيرة، لوضع دولة أو جماعة في خانة الخطر. وهنا، يا عزيزي القارئ، تظهر المفارقة الأكثر مرارة: من يملك القوة يستطيع أن يفرض روايته، ومن يملك الكاميرا يستطيع أن يمنح تلك الرواية وجهًا مقبولًا. فهل كانت الحروب تُدار في غرف العمليات فقط، أم أن معركة أخرى كانت تُخاض أمام شاشات العالم؟
لقد أصبح الإعلام سلاحًا موازيًا للطائرات والصواريخ. لم تعد المعركة تنتهي عند سقوط القذيفة، بل تبدأ أحيانًا عند وصول الصورة إلى الشاشة. تُختار الكلمات، وتُرتب المشاهد، وتُمنح بعض القصص مساحة أكبر من غيرها، حتى تبدو الحقيقة وكأنها منتج قابل للتصنيع. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: من يملك حق تعريف الضحية؟ ومن يقرر من هو الإرهابي ومن هو البطل؟ ومن يستطيع أن يجعل مشهدًا واحدًا كافيًا لإدانة شعب كامل أو تبرير حرب طويلة؟
ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الطريقة حكرًا على واشنطن. انتقلت الرؤية الأمنية التي تشكلت بعد 11 سبتمبر إلى دول كثيرة، وأصبحت دول تعيد تعريف أمنها وحدودها ومخاوفها تحت تأثير التحولات التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب. وفي المقابل، وجد الإنسان نفسه أمام شاشات لا تمنحه الحقيقة كاملة، بل تمنحه نسخة منها؛ نسخة قد تكون مصممة بعناية لتحديد من يستحق التعاطف ومن يستحق الإدانة. وهكذا لم تعد السياسة الدولية مجرد صراع على الأرض، وإنما أصبحت صراعًا على الصورة والمعنى والقدرة على إقناع العالم بأن رواية واحدة هي الحقيقة.
لكن الصورة التي كانت يومًا أداةً للسيطرة بدأت تنقلب على أصحابها. فمع اتساع وسائل الاتصال، لم يعد المشاهد مجرد متلقٍ ينتظر ما تقدمه له المؤسسات الكبرى. صار قادرًا على المقارنة والبحث ومواجهة الرواية الرسمية بصورة أخرى تأتي من المكان نفسه الذي تقع فيه الأحداث. وبات التناقض بين ما يُقال وما يُرى أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. وهنا، يا صديقي القارئ، بدأت قوة الصورة نفسها تفقد احتكارها؛ لأن العالم لم يعد يشاهد بعين واحدة.
ولعل المفارقة الأكبر أن الولايات المتحدة أرادت بعد 11 سبتمبر أن تجعل الخوف إطارًا يحكم العالم، لكن الخوف نفسه فتح الباب أمام أسئلة لم يكن من السهل إغلاقها. ماذا تفعل القوة حين تصبح روايتها موضع شك؟ وماذا يبقى من هيبة المنتصر عندما يبدأ الناس في البحث عن أصوات أخرى خلف الصورة الرسمية؟ لقد اكتشف العالم، ببطء وبكلفة هائلة، أن امتلاك القوة لا يعني امتلاك الحقيقة، وأن السيطرة على الشاشة لا تعني السيطرة على وعي المشاهد.
يا عزيزي القارئ، ربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تركه الحادي عشر من سبتمبر بعد كل تلك السنوات: لم يتغير العالم فقط لأن طائرات اصطدمت بأبراج، وإنما لأنه دخل بعدها عصرًا أصبحت فيه الصورة جزءًا من الحرب، وأصبحت الرواية سلاحًا لا يقل خطورة عن الرصاص. أرادت أميركا أن تحكم بالخوف، وأن تملك الصورة، وأن تجعل روايتها هي الرواية الأخيرة؛ لكن التاريخ لا يمنح أحدًا حق احتكار الحقيقة إلى الأبد.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي يصعب دفنها: قد تستطيع القوة أن تحكم بالدم، وقد تستطيع الكاميرا أن تصنع رواية لبعض الوقت، لكن لا قوة تستطيع أن تمنع الحقيقة من الظهور حين يتعلم الناس كيف ينظرون خلف الصورة.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

مقالات ذات صلة